استضافت العاصمة القطرية الدوحة "منتدى قادة السياسات الرقمية والذكاء الاصطناعي في منطقة الدول العربية" بمشاركة 75 وزيرًا ومسؤولًا وخبيرًا عربيًا، جمعهم الذكاء الاصطناعي والحديث عن التكنولوجيا، وكيفية تغييرها اقتصادات المنطقة، ومن يضع القواعد التي ستنظم هذا التحول.
ودشن معهد الدوحة للدراسات العليا أعمال المنتدى، بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومجموعة أوريدو.
وشارك في المنتدى وزراء مختصون بالتنمية والاقتصاد الرقمي وتكنولوجيا المعلومات في دول عربية، إضافة إلى خبراء من القطاع الخاص وأكاديميين في دولة قطر ودول عربية عدة.
تحديات التحولات الرقمية
وتحدث المشاركون عن ملفات إستراتيجية، منها تحديات التحول الرقمي وسبل إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي في القطاعات المختلفة، فضلاً عن الشراكة بين الدول العربية ووضع إطار تشريعي لهذا المجال المتسارع.
وفي هذا الإطار، قال وزير التنمية الإدارية في لبنان فادي مكي إن لبنان لديه منذ عام 2022 استراتيجية وطنية واضحة للتحول الرقمي، وافق عليها مجلس الوزراء، لكنها لم تنفذ بسبب نقص الموارد والتمويل.
وأضاف في حديث إلى التلفزيون العربي أن وزارة التنمية الإدارية عملت منذ وصول الحكومة الحالية على تأمين التمويل للتحول الرقمي، وحصل لبنان مؤخرًا على تمويل بقيمة 150 مليون دولار من البنك الدولي.
وأوضح مكي أن التمويل يهدف إلى وضع الأطر الأساسية للبنية التحتية الرقمية، والتشريعات والأطر الرقابية، وإعادة هندسة الخدمات، وتعزيز الأمن السيبراني وأمن المعلومات، إلى جانب التبني وبناء القدرات، مشددًا على أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي من دون مسار مواكب يتعلق بسلوك الموظفين والمواطنين.
وأشار إلى أن جزءًا كبيرًا من التمويل سيخصص للبنية التحتية الرقمية، ومراكز البيانات، والأمن السيبراني، والهوية الرقمية، وإعادة هيكلة الخدمات، والبنية التشغيلية البينية بين الوزارات.
70% من المعاملات اللبنانية لا تزال ورقية
ولفت إلى أن الإدارة اللبنانية شهدت خلال السنوات الماضية تراجعًا كبيرًا نتيجة الأزمات المالية وجائحة كورونا وانفجار المرفأ، ما أدى إلى عمل كل وزارة بصورة منفصلة، وظهور ما وصفها بـ"جزر" من التحول الرقمي والتميز.
وقال إن نحو 2700 خدمة تقدمها إدارات الدولة، وإن حوالي 30% منها شهدت بعض عمليات التحول الرقمي، لكن العديد منها لم يكن يتضمن الدفع الإلكتروني.
وأوضح أن الوزارة عملت على إضافة وسائل الدفع الإلكتروني، مثل بطاقات الخصم والائتمان، إلى عدد من الخدمات في وزارات العمل والاقتصاد والتربية، بما أتاح للمواطن إنجاز المعاملة إلكترونيًا بصورة متكاملة من تقديم الطلب حتى الدفع.
وأكد مكي أن نحو 70% من المعاملات لا تزال ورقية، وأن العمل جارٍ على أتمتتها ضمن جزء من التمويل الذي حصل عليه لبنان. ورأى أن التحول الرقمي يمكن أن يسهم في الحد من الفساد والتزوير، من خلال تخفيف الاحتكاك بين المواطن والإدارة، وزيادة الإنتاجية، وتقليص مكامن الفساد نتيجة غياب الوسيط بين المواطن والإدارة، فضلًا عن تعزيز رشاقة الإدارة العامة.
وأشار إلى أن لبنان يعمل حاليًا بما يوازي 25% من حجم الإدارة التي كانت قائمة، بعد خسارة نحو 75% من القدرات والموارد البشرية خلال السنوات العشر الماضية، معتبرًا أن ذلك يمثل فرصة لإعادة الهيكلة قبل إعادة ملء الوظائف التي لم تعد هناك حاجة إليها.
وأضاف أن لبنان يحتاج إلى اختصاصات جديدة مرتبطة بالتحول الرقمي والتخطيط الاستراتيجي ومتابعة الأداء والتدقيق الداخلي والعلوم السلوكية والابتكار، وغيرها من المجالات التي لم تكن ملحوظة سابقًا في هيكل الوظائف الحكومية.
التنسيق بين الوزارات اللبنانية
وفي ما يتعلق بخصوصية البيانات، أكد مكي ضرورة وجود تشريعات أساسية قبل المضي قدمًا في مشاريع مثل الهوية الرقمية، تشمل الأمن السيبراني وتصنيف البيانات وحماية خصوصيتها، بما يعزز ثقة المواطنين في الخدمات الرقمية.
وشدد على أن دور الدولة لم يعد يتمثل في القيام بكل شيء، بل في وضع السياسات والرقابة والتسهيل والتنظيم، داعيًا إلى إشراك القطاع الخاص والخبراء والمنظمات غير الحكومية والأكاديميين في صياغة السياسات والتوجهات الاستراتيجية.
وقال إن تقديم الخدمات يمكن أن يخرج تدريجيًا إلى القطاع الخاص أو يتم عبر منصات رقمية، بما يتيح للمواطن الحصول على الخدمات بسلاسة وانسيابية.
وعن التنسيق بين وزارة التنمية الإدارية ووزارة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، أوضح مكي أن وزارة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وزارة جديدة، وأن العمل جارٍ على تنسيق الصلاحيات بين الوزارتين. وقال إن وزارة التكنولوجيا ستكون معنية بصورة أكبر بالتكنولوجيا والبنية التحتية الرقمية، فيما تتولى وزارة التنمية الإدارية تقديم الخدمات وإعادة هيكلة الخدمات والتبني وبناء القدرات والتواصل، مع وجود ملفات مشتركة بين الوزارتين.
وفي ما يتعلق بتطبيق "دولتي"، قال مكي إن التطبيق متاح حاليًا لبعض الخدمات من أربع جهات حكومية، هي وزارة السياحة ووزارة الزراعة ومؤسسة تشجيع الاستثمار ومجلس الجنوب.
وأضاف أن الوزارة قررت إطلاق الخدمات تدريجيًا بدلًا من الانتظار حتى إنجاز 2700 خدمة، وأن العمل جارٍ على إضافة خدمات ذات أثر مباشر على حياة المواطنين، مثل السجل العدلي وكهرباء لبنان والتربية والمصادقات ومخالفات السير والضمان الاجتماعي.
"توقيت مهم" "لمنتدى قادة السياسات الرقمية والذكاء الاصطناعي
وأكد أن لبنان بدأ بما هو متاح لتسريع عملية التحول الرقمي، مع العمل على مشاريع طموحة وكبيرة في هذا المجال.
وفي ما يتعلق بالاستثمار في مشاريع الرقمنة والذكاء الاصطناعي، قال مكي إن الاستثمار يحتاج إلى توقع لمسار واضح واستقرار، مشيرًا إلى أن جزءًا من التمويل سيكون عبر هبات، فيما سيأتي الجزء الأكبر من فرص استثمارية وشراكات بين القطاعين العام والخاص، سواء من مستثمرين لبنانيين أو أجانب، وهو ما يتطلب ضمانات واستقرارًا.
وعن مستوى التنسيق بين الدول العربية، اعتبر مكي أن اجتماع الدوحة، الذي تنظمه دولة قطر بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، جاء في توقيت مهم، في ظل تفاوت مستويات التقدم الرقمي بين الدول العربية. وأشار إلى أن تبادل الخبرات يمكن أن يكون واسعًا، خصوصًا أن بعض الدول المتقدمة في هذا المجال ارتكبت أخطاء في الحوكمة وتحديد الأولويات والإدارة، ويمكن للدول الأخرى الاستفادة من هذه التجارب.
ولفت إلى إمكانية التعاون في مجالات البنية التشغيلية البينية، وتعظيم فرص التنسيق مع القطاع الخاص، ووضع معايير مشتركة في المجالات التقنية والأمن السيبراني والبيانات والمعلومات، بما يعزز فرص التكامل في السوق العربية.