يواجه قطاع الموسيقى تحديات متصاعدة بفعل انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، القادرة على تأليف الإيقاعات، وتوزيع الموسيقى، وإنتاج أصوات تحصد ملايين الاستماعات، من دون أن يعرف المستمعون بالضرورة ما إذا كانوا أمام إبداع بشري أصيل أم محتوى مولَّد آليًا.
هذا التحول فتح باب جدل عالمي آخذ في الاتساع بين من يرى في هذه التقنيات فرصة لتعزيز الإبداع البشري وتجديد الأغنية المعاصرة، ومن يحذّر من المساس بجوهر الإبداع ومعنى الأصالة والملكية الفنية، في ظل سباق محموم لمواكبة العصر الرقمي.
وأثارت تصريحات الملحن المصري عمرو مصطفى مؤخرًا جدلًا واسعًا بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في التأليف الموسيقي، باعتباره أداة تواكب التطور.
كما أطلق الفنان الإماراتي محمد الهامي ألبومًا موسيقيًا متكاملًا جرى توزيعه بالكامل باستخدام الذكاء الاصطناعي، في تجربة قال إنها تمزج روح العود بالتكنولوجيا، وتجمع بين التراث والإيقاعات الحديثة.
منصات تشدد القيود
في المقابل، اتجهت منصات موسيقية كبرى إلى نهج أكثر تشددًا. فقد أعلنت منصة "باندكامب" حظر المقاطع الموسيقية المولَّدة كليًا أو جزئيًا بالذكاء الاصطناعي، ومنعت محاكاة أصوات أو أساليب فنانين، مؤكدة أن الخطوة تهدف إلى حماية الإبداع البشري والحفاظ على ثقة المستمعين.
وجاء هذا القرار على خلفية تسلل أعمال مولَّدة آليًا، خلال عام واحد فقط، إلى قوائم الاستماع على منصات كبرى مثل "سبوتيفاي"، بل ووصولها إلى قواعد بيانات ومنصات تصنيف عالمية، من دون أن يتمكن المستمعون من اكتشاف حقيقتها.
ومن أكثر الأمثلة إثارة للجدل مشروع موسيقي ظهر تحت اسم فرقة افتراضية، حصد أكثر من مليون مستمع خلال أسابيع، قبل أن يُكشف لاحقًا أنه عمل متكامل صُنع بالكامل بالذكاء الاصطناعي، من الموسيقى إلى الصور والسرد البصري، في نموذج سلط الضوء على صعوبة التمييز بين الإنتاج البشري والآلي.
وأظهرت الأرقام حجم الإشكالية؛ إذ كشف تقرير نقلته وكالة رويترز، استنادًا إلى دراسة لمنصة "ديزر" بالتعاون مع شركة "إبسوس"، أن 97% من المستمعين فشلوا في التمييز بين الموسيقى المولَّدة بالذكاء الاصطناعي وتلك التي ينتجها البشر، فيما أعرب 71% عن دهشتهم من عجزهم عن التفريق، رغم اعتقادهم المسبق بقدرتهم على ذلك.
كما أظهر الاستطلاع أن 40% من المستمعين يفضلون تخطي المقاطع المولَّدة آليًا، وأن الغالبية تطالب بوسم واضح يعرّف هذا النوع من الموسيقى بشكل صريح.
وفي خلفية المشهد، تتصاعد القضايا القانونية المرتبطة بتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على أعمال محمية بحقوق النشر، في وقت تتدفق فيه استثمارات بمئات الملايين من الدولارات على شركات متخصصة في توليد الموسيقى، مثل "صونو" ما يعمّق التناقض بين متطلبات السوق، والضوابط القانونية، والاعتبارات الأخلاقية.