على مدى عقودٍ تلت الحرب العالمية الثانية، اعتمدت أوروبا بشكل شبه كامل على الولايات المتحدة في ملفَي الأمن والدفاع، حيث أبقت ألمانيا على سبيل المثال جيشها محدود العدد وتجنبت أي توسّع عسكري.
بدأ هذا الوضع يتغيّر مع اندلاع الحرب في أوكرانيا وتصاعد التحديات الأمنية في القارة الأوروبية، إلى جانب الدور المتزايد المطلوب من برلين داخل حلف شمال الأطلسي.
أمام هذا المشهد، دقّت ألمانيا ناقوس الخطر، وأقرت خطوات غير مسبوقة لتعزيز قدراتها العسكرية، من بينها قانون يهدف إلى رفع عدد أفراد الجيش من نحو 182 ألف جندي إلى ما بين 255 و270 ألفًا.
وتشير التقديرات الحكومية إلى أن البلاد تحتاج فعليًا إلى جيش قوامه نحو 260 ألف جندي، إضافة إلى قوة احتياط كبيرة قد تصل إلى 200 ألف.
في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، أُقر قانون جديد لتنظيم الخدمة العسكرية بعد 14 عامًا من تعليقها، وهو قانون لا يعيد التجنيد الإجباري بصيغته القديمة، لكنه يفتح الباب أمام التطوع المنظم، عبر إرسال استمارات إلى كل من يبلغ 18 عامًا.
تحرش جنسي ومخدرات
غير أن هذه الخطوة، التي رُوّج لها كمدخل لتأمين احتياجات الجيش، سرعان ما اصطدمت بواقع مقلق مع بدء تسجيل الشباب، إذ كشفت وسائل إعلام عالمية بالتزامن مع إجراءات توسيع الجيش وانتساب مجندين جدد، عن انتهاكات خطيرة داخل فوج المظليين الـ26 في الجيش الألماني.
ومن بين أبرز الاتهامات: تحرش جنسي بجنديات، واستخدام تحيات ومصطلحات نازية، إضافة إلى تعاطي المخدرات.
ولم ينف الجيش الألماني هذه المعطيات، بل أكد وقوع إساءات فعلية، موضحًا أن الشكاوى قُدّمت العام الماضي عبر المفوض البرلماني للقوات المسلحة.
ووفق التحقيقات، جرى تحديد 55 مشتبهًا بهم، وفُصل 19 جنديًا من الخدمة، وأُحيلت 16 قضية إلى الادعاء العام، إلى جانب اتخاذ إجراءات تأديبية بحق آخرين.
تفاعل على منصات التواصل
وأثارت هذه التقارير تفاعلًا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث رأى البعض أن نشرها يأتي في لحظة تطلب فيها الدولة من الشباب الانضمام إلى مؤسسة عسكرية تُسوّق نفسها بوصفها “بيئة آمنة”.
في المقابل، برزت اتهامات بأن هذه السلوكيات تمس جوهر القيم التي يُفترض أن يقوم عليها الجيش الألماني.
وعكست تعليقات المستخدمين هذا الانقسام. فكتب يان سوبيراج: "لا أستغرب ذلك.. ما زالوا يحلمون بالعودة إلى النازية، لكنني أتساءل: لماذا؟ دعونا نعيش بسلام".
بينما قال مارك: "قوات خاصة نخبوية؟ هذا هو الوضع الطبيعي بين أفرادها.. قمة الهرم البشري، لا يكترثون بالآخرين، وخاصة المدنيين".
في المقابل، شكك تشارلز في بعض الاتهامات قائلًا إن التحرش الجنسي "قد يكون محض افتراء"، معتبرًا أن تعاطي المخدرات "أمر قابل للنقاش".
أما ليزا ليفيلر فرأت في التوقيت “عاملًا حاسمًا”، معتبرة أن "القوة الرابعة تلعب دورًا مهمًا في تشكيل الرأي العام".
بينما اختصر ريموند موقفه بالقول: "الاتحاد الأوروبي أوصلنا إلى هذه المرحلة، والشيء الوحيد الذي أدينه هنا هو التحرش وتعاطي المخدرات".