الخميس 10 سبتمبر / سبتمبر 2026
Close

تحرّكت إبرة بوصلة وغيّرت العالم.. كيف اكتشف أورستد العلاقة بين الكهرباء والمغناطيسية؟

تحرّكت إبرة بوصلة وغيّرت العالم.. كيف اكتشف أورستد العلاقة بين الكهرباء والمغناطيسية؟

شارك القصة

قدم العالم الدنماركي هانس كريستيان أورستد أول دليل تجريبي واضح على وجود علاقة بين الكهرباء والمغناطيسية
قدم هانس كريستيان أورستد أول دليل تجريبي على وجود علاقة بين الكهرباء والمغناطيسية - غيتي
قدم هانس كريستيان أورستد أول دليل تجريبي على وجود علاقة بين الكهرباء والمغناطيسية - غيتي
الخط
قاد انحراف بسيط لإبرة بوصلة قبل أكثر من قرنين إلى فتح أحد أهم أبواب الفيزياء الحديثة، بعدما كشف علاقة خفية بين قوتين مهدتا لاحقاً لظهور المحركات والمولدات.

بدأ المشهد بأدوات قليلة على طاولة: بطارية، وسلك معدني، وبوصلة. وما إن أغلقت الدائرة ومرّ التيار في السلك حتى استدارت إبرة البوصلة جانبًا، بدلًا من أن تتّجه نحو السلك أو تبتعد عنه.

كانت الحركة صغيرة، لكن نتيجتها كبيرة. فقد قدم العالم الدنماركي هانس كريستيان أورستد، المولود في 14 أغسطس/ آب 1777، أول دليل تجريبي واضح على وجود علاقة بين الكهرباء والمغناطيسية، فاتحاً الطريق أمام نشوء علم الكهرومغناطيسية.

عالم من قوتين منفصلتين

عرف البشر المغناطيس والبوصلة قبل أن يفهموا الكهرباء بقرون، كما درس العلماء الشحنات الكهربائية الساكنة من خلال تجارب الاحتكاك، لكن الكهرباء والمغناطيسية ظلتا لفترة طويلة ظاهرتين منفصلتين من دون رابط تجريبي واضح بينهما.

وتغيّرت الظروف مطلع القرن التاسع عشر مع تطوير العالم الإيطالي أليساندرو فولتا البطارية، إذ أصبح في الإمكان إنتاج تيار كهربائي مستمر لمدة تسمح بإجراء تجارب متكررة ودقيقة.

البوصلة
وكان أورستد مقتنعًا بأنّ قوى الطبيعة ليست منفصلة تمامًا بعضها عن بعض، لذلك بحث لسنوات عن صلة محتملة بين الكهرباء والمغناطيسية.

وجاءت الملاحظة الحاسمة خلال تجارب مرتبطة بمحاضراته في شتاء 1819-1820، قبل أن يعيد أورستد التجربة باستخدام بطارية أقوى، ويغير مواقع السلك والبوصلة ويتحقق من النتيجة.

ولهذا، فإنّ الرواية التي تصف اكتشافه بأنّه مجرد مصادفة لا تُقدّم الصورة كاملة، إذ كانت حركة الإبرة مفاجئة، لكن البحث عن العلاقة بين الظاهرتين سبقها بسنوات.

تجربة بسيطة.. ودليل عنيد

اعتمدت التجربة على دائرة كهربائية مغلقة، مع وضع جزء مستقيم من السلك فوق البوصلة وبموازاة اتجاهها بين الشمال والجنوب.

oersted-how-the-experiment-worked.png

وعندما مر التيار، انحرفت الإبرة جانبًا. وعند عكس اتجاه التيار، انعكس اتجاه انحرافها، كما تغيّر التأثير عندما نقل السلك من فوق البوصلة إلى أسفلها.

وأثبت تكرار هذه النتائج أنذ ما يحدث ليس مجرد اهتزاز عابر أو تأثير ناجم عن الحرارة.

ووضع أورستد مواد مختلفة بين السلك والإبرة، بينها الزجاج والخشب والماء والراتنج والحجر، لكن التأثير ظل موجودًا.

ووصف العالم الدنماركي الظاهرة في حينه بما سماه "الصراع الكهربائي" الذي ينتشر حول الموصل، وهو تعبير يعود إلى مفاهيم الفيزياء في عصره، لكنه اقترب من الفكرة الأساسية التي تطورت لاحقاً إلى مفهوم المجال المغناطيسي المحيط بالسلك.

ماذا نعرف اليوم عن المجال حول السلك؟

تفسر الفيزياء الحديثة التجربة بأن مرور تيار كهربائي في سلك يولد مجالًا مغناطيسيًا حوله.

وتتشكل خطوط المجال حول السلك المستقيم على هيئة حلقات دائرية مركزها السلك، فيما يتحدد اتجاهها وفق اتجاه التيار الكهربائي.

وعندما ينعكس اتجاه التيار، ينعكس اتجاه المجال المغناطيسي، فتستجيب إبرة البوصلة، باعتبارها مغناطيسًا صغيرًا، بالانحراف نحو الجهة المقابلة.

oersted-reverse-current-reverse-deflection.png

وكانت هندسة الحركة من أكثر عناصر الاكتشاف أهمية. فلو كان الأمر مجرد جذب أو تنافر، لكان من المتوقع أن تتحرك الإبرة باتجاه السلك أو بعيدًا عنه، لكنّ حركتها الجانبية كشفت أنّ التأثير يدور حول الموصل.

من الملاحظة إلى علم الكهرومغناطيسية

نشر أورستد نتائج تجاربه في كتيب قصير باللغة اللاتينية مؤرخ في 21 يوليو/ تموز 1820، وأرسل نتائجه إلى علماء في أنحاء أوروبا.

ولم يُقدّم أورستد نظرية رياضية متكاملة، لكنّه وضع أمام المجتمع العلمي ظاهرة واضحة يمكن إعادة إنتاجها واختبارها.

وسارع العالم الفرنسي أندريه-ماري أمبير إلى دراسة الاكتشاف، وبدأ تحويل العلاقة بين الكهرباء والمغناطيسية إلى وصف كمي للقوى بين التيارات الكهربائية.

وطوّر الفيزيائي الألماني يوهان شفيغر جهازًا يعتمد على تمرير السلك مرات عدة حول البوصلة لزيادة مقدار انحراف الإبرة، في خطوة مبكرة على الطريق نحو تطوير الجلفانومتر والملفات الكهرومغناطيسية.

ووصل الاكتشاف أيضًا إلى العالم البريطاني مايكل فاراداي، الذي نجح عام 1821 في إنتاج حركة دورانية مستمرة باستخدام الكهرباء والمغناطيس، في تجربة تعد من البدايات الأساسية للمحرك الكهربائي.

وبعد نحو عقد، أثبت فاراداي الحث الكهرومغناطيسي، أي إمكانية توليد تيار كهربائي في دائرة موصلة من خلال تغير المجال المغناطيسي بالقرب منها.

oersted-from-needle-to-motor-generator.png

وبذلك اكتمل الاتجاه الآخر للعلاقة: الكهرباء تستطيع إنتاج المغناطيسية، والمغناطيسية المتغيرة تستطيع إنتاج الكهرباء.

من إبرة البوصلة إلى الحياة الحديثة

لم يخترع أورستد المحرك الكهربائي أو المولد أو التلغراف، لكن أهمية تجربته تكمن في كشف المبدأ الفيزيائي الذي ساعد على جعل هذه الابتكارات ممكنة.

فالمحركات الكهربائية تعتمد على التفاعل بين التيارات والمجالات المغناطيسية لتحويل الطاقة الكهربائية إلى حركة، فيما تستخدم المولدات الحث الكهرومغناطيسي لتحويل الحركة إلى كهرباء.

وتعتمد المغانط الكهربائية والمرحلات ومكبرات الصوت وأجهزة القياس وغيرها على تطبيقات مختلفة للعلاقة بين الكهرباء والمغناطيسية.

وخلال عام واحد تقريبًا من إعلان اكتشاف أورستد، كان فاراداي قد تمكّن من تحويل العلاقة الجديدة إلى حركة مستمرة، وفي عام 1831 أصبح توليد الكهرباء باستخدام المغناطيس والحركة مبدأً مثبتاً وقابلاً للتطبيق.

ومن هذه الاكتشافات امتدّ الطريق إلى محطات توليد الكهرباء وشبكات الطاقة والمحركات المستخدمة في المصانع والمنازل ووسائل النقل، فضلاً عن أنظمة الاتصال والتحكم.

إرث عالم لم يكتف بالاكتشاف

لم يقتصر نشاط أورستد على المختبر، إذ أسّس عام 1824 جمعية لنشر المعرفة بالعلوم الطبيعية، وساهم في إنشاء الكلية التقنية في كوبنهاغن عام 1829، وتولى إدارتها.

وبقي اسمه حاضرًا في الفيزياء من خلال وحدة "الأورستد" المستخدمة لقياس شدة المجال المغناطيسي في نظام السنتيمتر-غرام-ثانية، إذ يعادل أورستد واحد نحو 79.58 أمبير لكل متر في النظام الدولي.

وتكشف تجربة أورستد أيضًا جانبًا من الطريقة التي يتطوّر بها العلم. فقد بدأت بسؤال عن وحدة قوى الطبيعة، ثم جاءت ملاحظة قابلة للتكرار، أعقبتها اختبارات للتحقق منها، قبل أن يتولى علماء آخرون تطويرها وتحويلها إلى نظريات وأجهزة وتطبيقات.

لم تتحرك إبرة البوصلة في تجربة أورستد سوى بضع درجات، لكن اتجاه الفيزياء تغير معها. ومن تلك الحركة الصغيرة بدأ انهيار الحاجز بين الكهرباء والمغناطيسية، وفتح الطريق أمام عالم تعمل أجزاء واسعة منه اليوم بضغطة زر.
تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي

الدلالات