تحرير الخرطوم.. شهادات من قلب المعركة ولحظات مفصلية في تاريخ السودان
في 15 أبريل/ نيسان 2023، اندلعت شرارة الصراع المسلح في قلب العاصمة السودانية بين الجيش وقوات الدعم السريع، لتتحول شوارع الخرطوم إلى ساحة حرب مفتوحة.
وسرعان ما تحولت أحياء سكنية إلى ثكنات ومواقع اشتباك، ما أسهم في موجة نزوح واسعة وتدمير كبير للبنية التحتية، فيما امتدت المعارك أشهرًا طويلة حول مواقع سيادية ضمن حرب استنزاف قاسية.
ماذا سبق معركة تحرير الخرطوم؟وكيف خطط الجيش للمعركة المفصلية؟
بداية معركة تحرير الخرطوم
على مدى عامين تغيّر ميزان القوى تدريجيًا، واستعاد الجيش زمام المبادرة، إلى أن أُعلن في مايو/ أيار 2025 تحرير العاصمة الخرطوم من قبضة قوات الدعم السريع.
وفي شهادته عن التحضيرات للمعركة الحاسمة في الخرطوم، يروي الضابط في "لواء الفرقان" بالجيش السوداني، يوسف بليلة، للتلفزيون العربي عبر برنامج "كنت هناك"، تفاصيل الاستعدادات التي سبقت العملية.
ويقول إن المرحلة الأولى بدأت ضمن ما سماه "مرحلة الصدمة" قبل نحو عام من انطلاق العملية، ثم تلتها مرحلة الاستنزاف، ثم مرحلة التحرير الشامل لوسط السودان، وصولًا إلى التقدم باتجاه كردفان ودارفور.
ويضيف بليلة أن معركة تحرير الخرطوم مرت بمراحل تكتيكية، جرى خلالها اكتساب خبرة حرب المدن والتعامل مع طبيعة العدو على المحاور والآليات، إلى جانب تطوير مهارات القنص والتحرك خلف خطوطه.
ويلفت إلى أن المرحلة الثالثة من الخطة تضمنت توسيع دور القيادة الميدانية في اتخاذ القرارات، بما يضمن وتيرة تقدم أسرع في تحرير المناطق.
من جهته، يروي الضابط في "لواء الفرقان" أويس غانم أن قوات الدعم السريع تكبدت في تلك الفترة خسائر فادحة في المدرعات وآلاف الجنود، فضلًا عن خسائر أخرى نتيجة الضربات الجوية والمدفعية.
ويشير إلى أن قوات الجيش تلقت دعمًا أرضيًا مكثفًا أسهم في دخول مواقع مهمة في الخرطوم، بينها مقر القيادة العامة.
كيف غيّرت الخطط موازين القوى لصالح الجيش؟
في شهادته للتلفزيون العربي، يقول الطبيب في مستشفى الخرطوم هيثم السوباط: "بعد سقوط جبل موية، الذي كان يُعد نقطة تواصل لجميع المناطق، تأكدنا أن تحرير السودان أصبح ممكنًا".
وفي المقابل، يقول الصحفي والمحلل السياسي طارق عبد الله محمد: "كنا نتوقع أن دخول الجيش شرق النيل سيكون نهاية معارك الخرطوم، لكن التكتيك الذي اتبعه الجيش أظهر تفوقه".
ويضيف: "الميليشيات، في تلك الفترة، كانت منهارة وخائفة، وهربت بسرعة من المنطقة، وكان ذلك واضحًا جدًا لنا في الميدان".
ويقول الضابط يوسف بليلة إن المرحلة الأولى من معركة تحرير الخرطوم "أظهرت أن العدو وصل إلى أقصى درجات الانكسار والضعف".
ويصف المعركة بأنها كانت ضخمة، إذ دخلت القوات المسلحة المدينة بأكثر من ستة متحركات ومن أربعة محاور مختلفة، مشيرًا إلى أن الجيش دخل من جبل أولياء باتجاهات النيل الأبيض، ثم سوبا، ثم شرق النيل، حيث فتحت القوات الطريق من جهة القيادة العامة ومن جهة سلاح المدرعات وغيرها.
ومن جانبه، يشير الضابط أويس غانم إلى أن قوات الدعم السريع كانت، في تلك الفترة، تسيطر على ولايات الجزيرة والقضارف والنيل الأبيض، وجزء كبير من سنار، إضافة إلى حضور واسع داخل العاصمة.
ويلفت إلى أن التخطيط والتحرك بدأ من سنار وجبل موية، حيث حوصرت مدينة مدني ولم يكن هناك إمداد، ثم انتشرت القوات من الخرطوم والتقت في نقاط متعددة، مؤكدًا أن هذه التحركات المترابطة أسهمت بشكل حاسم في تحرير العاصمة.
ويشرح غانم، في شهادته عن تلك المعركة، أن تلك المناطق والجزر كانت معزولة، ويقول إن مناطق "المهندسين كانت خارجة عن الخدمة، وكذلك الكدر، والإشارة، والقيادة العامة، والمدرعات، وكرري.. كل هذه المواقع كانت خارج السيطرة في البداية".
ويضيف: "لكن عندما التقى جيش كرري وجيش المهندسين، قطعا طريق العارضة، وتحسنت الأمور تدريجيًا، وبعد الالتقاء، اتجهت القوات غربًا نحو الدوحة وصينية والمنصورة، وتم قطع عدة خطوط إمداد للعدو".
ويوضح: "في النهاية، جرت عمليات عبور الكباري، ودخلت القوات الخرطوم والحلفاية في الوقت نفسه. كل ذلك كان جزءًا من سياسة شد الأطراف لضرب قوات الدعم السريع".
انتهاكات وجرائم الدعم السريع
ترى القيادية في الحزب الاتحادي الديمقراطي السوداني، شذى عثمان، أن "الدعم السريع هزم نفسه بنفسه" على خلفية "عدم امتلاكه عقيدة أو مبدأ أو هدفًا حقيقيًا".
وتقول عثمان، في شهادتها للتلفزيون العربي، إن عناصر الدعم السريع "مجرد مجموعات متفرقة تبحث عن جمع الأموال والغنائم، وإن الحاضنة التي تدعمهم، للأسف الشديد، غير وطنية ولا أخلاقية"، مضيفة أن ذلك "أدى حتمًا إلى هزيمتهم على الأرض".
وتؤكد أن الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع ضد الشعب السوداني "لا تُحصى ولا تُعد"، مشددة على أنها "انتهاكات كبيرة وقاسية شملت القتل والتعذيب والاعتداء على النساء والرجال ونهب الممتلكات، وإجبار المواطنين على التهجير، فضلًا عن الضغوط النفسية". وتفيد بأن "هذه الجرائم كانت واضحة للعيان في كل المواقع التي سيطر عليها الدعم السريع"، مؤكدة أنها "انتهاكات كبيرة جدًا".
من جانبه، يشير الضابط في الجيش السوداني، يوسف بليلة، إلى أن أوضاع المواطنين في المناطق التي كانت تحت سيطرة الدعم السريع "كانت مأساوية للغاية". ويقول:
"لم يكن لدى المواطنين حرية التحرك، وكانوا مضطرين للتعاون مع الميليشيا، وإلا كانوا معرضين للخطر. كان الوضع صعبًا".
ويضيف أن "الانتهاكات كانت واسعة جدًا في الخرطوم، والجزيرة، وسنار، وكردفان، ودارفور. وأي شخص يذهب ويسأل السكان سيدرك حجم ما تعرضوا له".
وعن شهادته بشأن هذه الانتهاكات، يقول الصحفي طارق عبد الله محمد: "لا يمكنك نقل الصورة كاملة للمشاهد، لأن ما يحدث أمامك صادم. عناصر مسلحة تقتحم الأحياء، وتنهب، وتغتصب، وتطلق النار أحيانًا على الأبرياء لمجرد إفساح الطريق".
ويؤكد أن "هذه مشاهد صعبة جدًا، ولم يكن من السهل على أحد تصورها، لكنها حقيقة عايشناها ورأيناها بأعيننا".
من جانبه، يقول شاهد عيان يُدعى عواد إن الكثير من المواطنين اضطروا إلى مغادرة منازلهم، حاملين القليل من متاعهم وأطفالهم، ومتجهين إلى الميناء البري.
حصار الخرطوم.. حياة مأساوية وقاسية
يفيد الطبيب السوداني محمد الفاتح، في شهادته للتلفزيون العربي، بأن "الوضع الصحي العام كان على حافة الانهيار".
ويروي الفاتح أنه في يوم واحد شهد وفاة عشرة أشخاص أمام العنبر أثناء انتظارهم إجراء غسيل الكلى، في ظل غياب المواد والمعدات اللازمة لإجراء عمليات الغسيل. ويقول:
"بعض المرضى دخلوا أجهزة الغسيل وبدأت العملية، لكنهم توفوا خلالها، بعدما وصلت أجسادهم إلى مرحلة متقدمة من الإرهاق والصدمة".
من جهتها، تروي القيادية الحزبية شذى عثمان أن شوارع الخرطوم في تلك الفترة كانت "كأنها مناطق موت، حيث توقفت المخابز والصيدليات، ولم يكن أحد قادرًا على الخروج بأمان". وتضيف:
"بعض الأشخاص لم يعودوا، ولا نعرف إن كانوا قد لقوا حتفهم أم لا. كان الوضع صعبًا جدًا، فالناس لم تتمكن من تأمين الطعام، ولم تكن لديهم مؤن، وكانت الحياة قاسية للغاية".
وتفيد بأن بعض المنازل كانت تضم مرضى بأمراض مزمنة، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم، ولم يتمكنوا من الحصول على الغسيل أو العلاج اللازم، ما جعل كثيرين منهم يعيشون أيامًا من المعاناة الشديدة.
وتؤكد أن "الحياة تحت الحصار كانت مأساوية، وأن الوضع الصحي والاجتماعي كان قاسيًا إلى حد كبير".
من جانبه، يقول الضابط في الجيش السوداني، أويس غانم:
"كنا نعيش في نعمة دون أن ندركها. في البداية، كان الشخص يذهب إلى الفرن ويدفع 2000 أو 3000 جنيه مقابل رغيف خبز، وكان ذلك أمرًا عاديًا، لكننا لم نرَ هذا الخبز منذ ستة أشهر بسبب الحصار".
ويضيف: "عندها أدركنا حجم النعمة التي كنا نعيش فيها، حتى إن الناس تفرّقوا عن أهاليهم. لقد انفصلت عن زوجتي وأولادي ووالديّ وإخوتي. كنا غافلين عن النعمة التي كنا فيها".
دخول الجيش السوداني إلى الخرطوم
في 20 مايو/ أيار 2025، حقق الجيش السوداني انتصارًا كبيرًا على قوات الدعم السريع، ودخل العاصمة الخرطوم بعد اشتباكات عنيفة أسفرت عن سقوط مئات القتلى والجرحى.
ويقول الضابط في الجيش السوداني، يوسف بليلة، إن هدف الجيش كان واضحًا، وهو "تطهير المواقع من المتمردين وتحرير المناطق"، مضيفًا أنها "لحظات مفصلية في تاريخ السودان".
ويرى أن خطوة تحرير الخرطوم أعادت الطمأنينة إلى المواطنين و"أنهت عهد الظلم والانكسار والخضوع للمتمردين"، حيث "سيتمكن الناس من ممارسة حياتهم بصورة طبيعية والانتقال من الخوف إلى الأمان والراحة"، بحسب قوله.
من جانبه، يصف الضابط في الجيش السوداني، أويس غانم، تلك اللحظات قائلًا: "رؤية البهجة في عيون المواطنين، وكأنهم يقولون لنا: تأخرتم قليلًا. كانت تلك اللحظات مزيجًا من الفرح والحزن، لكن كل شيء كان بقدر الله".
ويضيف:
"بعض الناس كانوا يبكون عندما يحتضنهم الجنود، رجالًا ونساءً، ويتحدثون عن أبنائهم وزوجاتهم الذين قُتلوا".
ويؤكد أن المواطن السوداني في الخرطوم "عانى معاناة لا توصف"، مضيفًا: "في كل منطقة دخلناها كانت هناك قصة مختلفة، وكان مؤلمًا جدًا رؤية حجم المعاناة التي مر بها الناس".
من جهته، يروي الطبيب محمد الفاتح أنه عند دخول الجيش إلى الخرطوم، شعر المواطنون بالفرح والأمان، بعد ما شهدوه من انتهاكات وعنف وتشريد واعتداءات وإهانات، حيث "تعرضوا لكل تلك التفاصيل المأساوية على يد عناصر الدعم السريع".
ويقول:
"كان الجيش بالنسبة إليهم حلمًا يتحقق، وضوءًا في نهاية النفق، ورمزًا للأمان والتحرير والخلاص من الظلم والإهانة".
"دخل الجيش الخرطوم لكن الوضع لا يزال خطرًا"
فرح السودانيون بتحرير جيشهم للخرطوم، لكن الوضع الأمني لا يزال هشًا - غيتي
على الرغم من إعلان تحرير الخرطوم في مايو 2025 وعودة القيادة إلى قلب العاصمة إلا أن مشهد مدينة الأشباح ما زال يطغى على أحيائها.
ورغم سيطرة الجيش على المفاصل الحيوية لا يزال الأمن هشًا، فالمواطن الذي نجا من نيران المواجهة المباشرة لا يزال خطر القصف العشوائي بمسيرات الدعم السريع. ويعيش سكان العاصمة نقصًا في الخدمات الأساسية في ظل قطاع صحي متدهور وبنية تحتية متهالكة تمامًا.
في الفيديو المرفق تستعرض حلقة من برنامج "كنت هناك" مسار الحرب في الخرطوم منذ اندلاعها في أبريل 2023، من حصار الأحياء والانتهاكات والنزوح، إلى تحوّل ميزان القوى وإعلان تحرير العاصمة في مايو 2025.