ردّت حكومات بحذر، اليوم الأحد، على دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للانضمام إلى مبادرته لتشكيل "مجلس سلام" لحل النزاعات على مستوى العالم، وهي خطة قال دبلوماسيون إنها قد تضر بعمل الأمم المتحدة.
وقبلت المجر وحدها، وزعيمها حليف مقرب من ترمب، الدعوة قبولًا تامًا، بينما قال دبلوماسيون إن الدعوات وجهت إلى نحو 60 دولة، وبدأت تصل إلى العواصم الأوروبية أمس السبت.
مبادرة ترمب لتشكيل "مجلس سلام"
وكانت ذكرت وكالة "بلومبرغ" نقلًا عن مسودة ميثاق، أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تطالب الدول بدفع مليار دولار للبقاء في مجلس السلام في غزة الذي يرأسه.
وأفاد التقرير بأن ترمب سيتولى رئاسة المجلس في البداية، وأن مدة عضوية كل دولة عضو لا تتجاوز ثلاث سنوات من تاريخ دخول هذا الميثاق حيّز التنفيذ، وستكون قابلة للتجديد بقرار من الرئيس.
وقد بدا أن حكومات أخرى مترددة في الإدلاء بتصريحات علنية، وعبّر مسؤولون عن مخاوفهم من تأثير ذلك على عمل الأمم المتحدة، دون الكشف عن هويتهم.
وبحسب ما أفادت به صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، أمس السبت، بأن ميثاق "مجلس السلام" الذي أعلنه ترمب لإدارة قطاع غزة، يُظهر أنه "بدأ خطوات لإنشاء هيئة منافسة للأمم المتحدة".
ووفق نسخة من رسالة الدعوة ومسودة الميثاق، اطلعت عليها "رويترز"، سيرأس ترمب المجلس مدى الحياة، وسيبدأ بمناقشة ملف غزة قبل أن يوسع نطاق عمله ليشمل النزاعات الأخرى.
كما تنص الرسالة على أن مدة العضوية لأي دولة ستقتصر على ثلاث سنوات، إلا إذا دفعت الدولة مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس، لتحصل بذلك على عضوية دائمة.
وقال البيت الأبيض في منشور على منصة إكس: إن "هذا يعرض ببساطة العضوية الدائمة للدول الشريكة التي تظهر التزامًا عميقًا بالسلام والأمن والازدهار".
وأوضحت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني، خلال زيارة إلى كوريا الجنوبية، أن بلادها "مستعدة للقيام بدورها"، دون أن يتضح ما إذا كانت تشير تحديدًا إلى غزة أم إلى جهود السلام بشكل عام.
"أمم ترمب المتحدة"
أما رئيس الوزراء الكندي مارك كارني فقال إن كندا وافقت مبدئيًا على مجلس السلام الذي اقترحه ترمب لغزة، لكن التفاصيل لا تزال قيد الدراسة.
وكان مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قد أصدر في نوفمبر/ تشرين الثاني تفويضًا لمجلس السلام يقتصر على ملف قطاع غزة حتى نهاية 2027، بينما امتنعت روسيا والصين، اللتان تتمتعان بحق النقض (الفيتو)، عن التصويت اعتراضًا على عدم منح الأمم المتحدة دورًا واضحًا في مستقبل القطاع.
وأثار استخدام مصطلح "ميثاق" في رسالة الدعوة مخاوف لدى بعض الحكومات الأوروبية من أن المشروع قد يقلص من سلطة الأمم المتحدة، التي انتقدها ترمب سابقًا لعدم دعم جهوده في إنهاء النزاعات عالميًا.
وقال مصدر دبلوماسي: "إنها أمم ترمب المتحدة التي تتجاهل أساسيات ميثاق الأمم المتحدة". وأكد ثلاثة دبلوماسيين غربيين أن المبادرة قد تنقص من وضع المنظمة إذا تم تنفيذها.
وأشارت مصادر إلى أن ترمب يسعى لأن يتجاوز مجلس السلام ملف غزة ليشرف على نزاعات أخرى قال إنه حلها. وتم إرسال الدعوات إلى قادة فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمجر وأستراليا وكندا، إضافة إلى المفوضية الأوروبية وقوى رئيسية في الشرق الأوسط.
وقال رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، حليف ترمب المقرب، على منصة إكس "بالطبع، قبلنا هذه الدعوة الكريمة".
وجاء في الوثيقة أن "الإعلان عن سلام دائم يتطلب حكمًا عمليًا، وحلولًا منطقية، وشجاعة للابتعاد عن المقاربات والمؤسسات التي فشلت مرارًا وتكرارًا".
وأضافت الوثيقة أنه "هناك حاجة إلى هيئة دولية أكثر مرونة وفعالية لبناء السلام"، في إشارة إلى الأمم المتحدة.
ورد فرحان حق، نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بأن الأمين العام "يعتقد أن الدول الأعضاء حرة في الانضمام إلى جماعات مختلفة"، مؤكدًا أن المنظمة ستواصل أداء الأعمال الموكلة إليها.
وقال ترمب، الذي يسعى لنيل جائزة نوبل للسلام، إن المجلس "سيكون فريدًا من نوعه، ولم يسبق له مثيل".
وأوضحت مسؤولة كبيرة في الأمم المتحدة أن المنظمة وحدها تملك القدرة الأخلاقية والقانونية على جمع جميع الدول، كبيرة كانت أم صغيرة.
وقالت أنالينا بايربوك، رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة: "إذا شككنا في ذلك، فإننا نتراجع إلى الوراء وندخل في أوقات عصيبة للغاية، والأمر متروك للدول لتقرر ما يجب القيام به".
وشكك ترمب دائمًا في المؤسسات متعددة الأطراف، ولا سيما الأمم المتحدة، معتبرًا أنها غير فعالة ومكلفة، ولا تخدم مصالح الولايات المتحدة غالبًا. وأوضح مسؤولون في المنظمة أن ديون واشنطن الملتزمة بدفع 22% من ميزانية الأمم المتحدة الاعتيادية تبلغ 1.5 مليار دولار حاليًا.
وأعلن البيت الأبيض يوم الجمعة الماضية، أسماء بعض الشخصيات التي ستنضم إلى المجلس، الذي سيتولى الإشراف على الحكم المؤقت لغزة، في ظل وقف هش لإطلاق النار منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
ومن بين الأعضاء وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والمبعوث الخاص للرئيس ستيف ويتكوف، ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، وصهر ترمب جاريد كوشنر.
خطة ترمب في قطاع غزة
ووافقت إسرائيل وحركة حماس على خطة ترمب التي تنص على أن هيئة دولية ستشرف على إدارة فلسطينية لغزة من قبل تكنوقراط، على أن تتولى الهيئة الإشراف على حكم غزة لفترة انتقالية.
وقال ترمب في مقابلة مع رويترز: "سيبدأ الأمر بغزة، ثم نقوم بعد ذلك بحل النزاعات عند اندلاعها".
وانتقد خبراء ومدافعون عن حقوق الإنسان إشراف ترمب على مجلس يدير إقليمًا أجنبيًا، معتبرين أنه يشبه بنية استعمارية، بينما أثار مشاركة بلير انتقادات بسبب دوره في حرب العراق وتاريخ الإمبريالية البريطانية في المنطقة.
ولم يفصّل البيت الأبيض مسؤوليات كل عضو، ولم تشمل الأسماء أي فلسطيني، مع وعد بالإعلان عن المزيد خلال الأسابيع المقبلة.
كما أُنشئ "مجلس تنفيذي منفصل لغزة" مكون من 11 عضوًا لدعم الهيئة التكنوقراطية، ويضم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ومنسقة الأمم المتحدة للسلام في الشرق الأوسط سيجريد كاج، ووزيرة التعاون الدولي الإماراتية ريم الهاشمي، والملياردير الإسرائيلي القبرصي ياكير غاباي، ومسؤولين من قطر والإمارات.
وقال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن تشكيل المجلس لم يتم بالتنسيق مع إسرائيل ويتعارض مع سياستها، في إشارة ربما إلى مشاركة فيدان، حيث تعترض إسرائيل على التواجد التركي في المجلس.