عصفت الاستقالات بكبار الجنرالات في إسرائيل، وتشكلت لجنة تحقيق رسمية عُرفت باسم "لجنة فينوغراد" لمعرفة أسباب الإخفاق، حيث هيمن عليها سؤال واحد:
كيف عميت الاستخبارات الإسرائيلية عن قدرات حزب الله؟
وُلدت خطة طويلة الأمد هدفها الثأر، ليس بشن مزيد من العمليات العسكرية التقليدية، بل عبر اختراق النسيج الذي يبني الحزب عليه قوته، فمنذ تلك اللحظة، بدأ الموساد بالتعاون مع الوحدة 8200 العمل على خطة استراتيجية عُرفت باسم "خطة الأزرار"، هدفها تفخيخ أجهزة صغيرة الحجم بشحنات متفجرة، وتحويلها إلى قنابل موقوتة صُممت لتبقى خاملة لسنوات بانتظار إشارة التفعيل.
ويكشف التحقيق الاستقصائي للتلفزيون العربي الخيوط الخفية للخطة، التي وضعتها المخابرات الإسرائيلية لتوجيه ما وصفته بـ"ضربة مدمرة لحزب الله"، إلا أن النتائج جاءت كارثية على المدنيين الذين شكلوا الغالبية العظمى من الضحايا.
الاختراق الكبير.. جريمة البيجر الإسرائيلية
في 17 سبتمبر/ أيلول عام 2024، عند تمام الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر، توقف الزمن في لبنان، حيث انفجرت آلاف من أجهزة البيجر الصغيرة بشكل متزامن في الضاحية الجنوبية لبيروت، وسهل البقاع، وبلدات في الجنوب، وهي المعاقل التقليدية لحزب الله.
تلك الأجهزة الصغيرة، التي استُخدمت كوسيلة تواصل مدنية، لجأ إليها حزب الله لإبقاء مقاتليه بعيدًا عن أعين الرقابة، تحولت فجأة إلى قنابل موقوتة تنفجر في حامليها، فالكابوس لم ينته عند هذا الحد.
وفي اليوم الثاني، قبيل الخامسة عصرًا، وقعت الموجة الثانية، إذ انفجرت أجهزة اللاسلكي المحمولة "توكي توكي"، وسقط في تفجيرات البيجر واللاسلكي ما يزيد على 3500 بين شهيد وجريح.
وبحث فريق التقصي خلف الشركات الوهمية التي أُسست في عواصم أوروبية لتكون غطاءً لهذه الشحنات القاتلة، وكيف وصلت تلك الأجهزة المفخخة إلى أيدي حزب الله.
تلك التفجيرات التي تتابعت على مدار يومين كانت إحدى أخطر العمليات السرية في تاريخ الاستخبارات الإسرائيلية، فهي عملية لم يستغرق تنفيذها سوى ثوانٍ، لكن الإعداد لها جرى منذ فترة طويلة.
من إخفاق 2006 إلى حرب استخباراتية طويلة
لم تنتهِ حرب لبنان الثانية عام 2006 بالنسبة لإسرائيل عند وقف إطلاق النار، بل شكلت نقطة تحول في عقيدتها الأمنية والعسكرية، فالحرب التي استمرت 34 يومًا وأسفرت عن خسائر كبيرة في صفوف الجيش الإسرائيلي دفعت تل أبيب إلى إجراء مراجعة شاملة، انتهت بتشكيل لجنة فينوغراد للتحقيق في أسباب الإخفاق، بينما تصاعدت الانتقادات داخل المؤسسة العسكرية، وأطاحت الأزمة بعدد من كبار القادة.
ومنذ ذلك الحين، بدأت إسرائيل بالانتقال من استراتيجية المواجهة العسكرية المباشرة إلى بناء منظومة تعتمد بصورة أكبر على الاختراق الاستخباراتي والعمل السري، بهدف الوصول إلى البنية الداخلية لحزب الله وتقويضها من الداخل.
تغيير الاستراتيجية بعد لجنة فينوغراد
ويرى الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية، ناجي ملاعب، أن نتائج حرب 2006 دفعت إسرائيل إلى إعادة صياغة مفهومها الدفاعي بالكامل.
ويقول في حديثه إلى التلفزيون العربي، إن تل أبيب، بعد لجنة "فينوغراد"، تخلت تدريجيًا عن فكرة الدفاع داخل الحدود، واتجهت إلى نقل المواجهة إلى خارجها، عبر الاعتماد على العمل الاستخباراتي والعمليات الاستباقية.
ويشير إلى أن حزب الله، في المقابل، سعى إلى حماية اتصالاته الداخلية عبر إنشاء شبكة هواتف سلكية خاصة مستفيدة من البنية التحتية اللبنانية، ثم لجأ لاحقًا إلى أجهزة اتصال يصعب اعتراضها أو التشويش عليها، مثل أجهزة اللاسلكي والبيجر.
ويؤكد ملاعب أن الوحدة 8200 تمثل العمود الفقري للاستخبارات التقنية الإسرائيلية، إذ تتولى جمع وتحليل البيانات وتطوير التقنيات الإلكترونية، مستفيدة من أحدث الابتكارات والخبرات العلمية.
ويضيف أن التحدي الحقيقي لم يكن في مراقبة أجهزة البيجر، بل في تحويلها إلى سلاح دون إثارة الشبهات، من خلال دمج منظومة تفجير دقيقة داخل جهاز صغير لا يعتمد على الإنترنت أو شبكات الهاتف، ويعمل بإشارات رقمية محدودة يصعب اعتراضها.
ويتابع أن نجاح العملية كان يتطلب أيضًا إنشاء منظومة معقدة من الشركات الوهمية والوسطاء، وهو أمر لا يمكن، برأيه، أن يتم دون تعاون استخباراتي عابر للحدود، لأن تأسيس شركات تبدو قانونية وقادرة على تمرير منتجاتها يحتاج إلى غطاء لوجستي وإداري واسع.
اختراق منظومة الاتصالات
من جهته، يشرح الباحث في شؤون النزاعات المسلحة، آرون ماير، أن إسرائيل أدركت منذ عام 2006 أنها تواجه خصمًا لا يمكن التعامل معه بالوسائل التقليدية، ما فرض البحث عن أدوات جديدة تسمح بالتغلغل داخل منظومة اتصالات حزب الله.
ويعتبر أن هجوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 منح هذه الخطط بعدًا جديدًا، بعدما شكل، من وجهة نظر إسرائيل، إخفاقًا استخباراتيًا كبيرًا استدعى ردًا استثنائيًا.
فيديو: شاهد حلقة "مهمّة صحفية" كاملة
ويضيف في حديثه إلى التلفزيون العربي، أن تل أبيب توقعت لجوء حزب الله إلى وسائل اتصال قديمة يصعب اختراقها، ولذلك عملت لسنوات على الاستعداد لهذا الاحتمال، من خلال التسلل إلى سوق أجهزة البيجر قبل أن يبدأ الحزب بشرائها.
ويرى ماير أن دور الوحدة 8200 لم يقتصر على جمع المعلومات، بل امتد إلى صناعة الحاجة نفسها، عبر دفع الحزب إلى التخلي عن الهواتف الذكية والعودة إلى تقنيات أقدم، ثم توفير المنتجات التي سيعتمد عليها لاحقًا.
كما يشير إلى أن تحميل المسؤولية القانونية للشركات التي حملت أسماءها الأجهزة يبقى محل جدل.
لماذا اختار حزب الله أجهزة البيجر؟
من جانبه، يوضح مدير معهد الأمن السيبراني في جامعة ماريلاند، ريتشارد فورنو، أن اعتماد حزب الله على أجهزة البيجر كان قرارًا منطقيًا في ظل الفارق الكبير في القدرات التقنية مع إسرائيل.
ويقول في حديثه إلى التلفزيون العربي، إن الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله كان يدرك قدرة الاستخبارات الإسرائيلية والغربية على اختراق الهواتف الذكية، ولذلك دعا عناصر الحزب إلى استخدام وسائل اتصال قديمة محدودة الإمكانات، اعتقادًا بأنها أكثر أمانًا.
ويضيف أن نجاح أي عملية من هذا النوع يتطلب الوصول المباشر إلى الأجهزة، سواء خلال التصنيع أو أثناء النقل، إذ يستحيل زرع متفجرات أو تعديل المكونات الإلكترونية دون التعامل المباشر معها.
كما يشير إلى أن إنشاء شركات وهمية ليس أمرًا معقدًا بحد ذاته، لكن التحدي الحقيقي يكمن في بناء تاريخ تجاري مقنع يجعل تلك الشركات تبدو حقيقية أمام الموردين والعملاء.
شهادات من قلب الانفجارات
في السابع عشر من سبتمبر/ أيلول 2024، تحولت أجهزة البيجر، التي استُخدمت لسنوات كوسيلة اتصال، إلى مصدر لانفجارات متزامنة هزت لبنان.
- حسن نصر الدين: "اعتقدت أن الجهاز تعرض لعطل تقني"
يروي المصاب كيف تحولت لحظة فحص جهاز البيجر إلى انفجار مفاجئ داخل يده
يروي المهندس الطبي حسن نصر الدين، أحد مصابي الانفجارات، أنه كان يؤدي عمله داخل المستشفى عندما بدأ جهاز البيجر يستقبل رسائل غريبة وأرقامًا غير مألوفة.
ويقول إنه اعتقد بداية أن الجهاز تعرض لعطل تقني، وعندما أمسك به لفحصه انفجر في يده.
ويضيف أن المستشفى الذي يعمل فيه استقبل خلال ساعات مئات المصاين، واضطرت الطواقم الطبية إلى استخدام الممرات وقاعات الانتظار والكافتيريا لاستيعاب الأعداد الكبيرة، واصفًا ما جرى بأنه "مجزرة" بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
- محمد جلول: "ثوانٍ فصلتني عن الانفجار"
يستعيد المصاب اللحظة التي اقترب فيها من الجهاز قبل انفجاره بالقرب من وجهه
أما محمد جلول، وهو أحد المصابين أيضًا، فيقول إنه كان داخل غرفة استراحة في مقر عمله عندما سمع نغمة مختلفة تصدر عن جهاز البيجر الذي يحمله.
ويضيف أن فضوله دفعه إلى حمل الجهاز والنظر إلى شاشته، لكنه لم يمهله سوى ثوانٍ قبل أن ينفجر بالقرب من وجهه، متسببًا بإصابته بجروح بالغة.
ويؤكد جلول أن كثيرًا من حاملي أجهزة البيجر كانوا مدنيين من معلمين وأطباء ومهندسين، وأن بعض الأجهزة كانت موجودة داخل المنازل، ما جعل النساء والأطفال عرضة للإصابة أيضًا.
ويختم شهادته بالقول إن الانفجارات لم تميز بين مقاتل ومدني، وإن آثارها امتدت إلى العائلات التي لم يكن لها أي صلة بالعمل العسكري.
تتبع خيوط العملية
خلال تتبع فريق "مهمة صحفية" لمسار العملية، قادت التحقيقات إلى عام 2014، الذي شكّل، وفق ما توصل إليه الفريق، نقطة تحول مفصلية في التخطيط الإسرائيلي.
في ذلك الوقت، كان حزب الله يعتمد بصورة واسعة على أجهزة اللاسلكي التي تنتجها شركة "أيكوم" اليابانية، ولا سيما طراز "IC-V82"، الذي أصبح جزءًا من منظومة الاتصالات الميدانية للحزب، حتى إن بعض السترات العسكرية صُممت بجيوب تتناسب مع أبعاده.
وبحسب المعلومات التي جمعها التحقيق، رصدت الوحدة 8200 هذا الاعتماد، لتبدأ مرحلة جديدة من العملية، تمثلت في إنشاء شبكة معقدة من الشركات والوسطاء، بهدف إنتاج نسخ مطابقة للجهاز الأصلي، لكنها تحتوي على متفجرات مخفية.
ويشير التحقيق، استنادًا إلى ما كشفه عملاء سابقون في الموساد خلال مقابلات مع شبكة "سي بي إس" الأميركية، إلى أن أولى الشحنات وصلت إلى لبنان عام 2015، وأن آلاف الأجهزة المفخخة وزعت لاحقًا، وظلت تعمل بصورة طبيعية لسنوات طويلة دون أن تثير أي شكوك.
ومع تصاعد مخاوف حزب الله من اختراق الهواتف الذكية، توسع اعتماده على هذه الأجهزة، وهو ما منح العملية الاستخباراتية بعدًا أكبر.
العودة إلى التكنولوجيا القديمة
يقول الباحث في شؤون النزاعات المسلحة، آرون ماير، إن نجاح العملية لم يعتمد فقط على تصنيع الأجهزة، بل سبقه عمل استخباراتي ونفسي طويل.
ويؤكد أن إسرائيل كانت بحاجة أولًا إلى إقناع حزب الله بأن وسائل الاتصال الحديثة أصبحت غير آمنة، وهو ما تحقق تدريجيًا من خلال سنوات من العمليات النفسية والتقنية التي عززت القناعة بأن الهواتف الذكية باتت هدفًا سهلاً للاختراق.
ويتقاطع هذا الطرح مع ما توصل إليه التحقيق، الذي يشير إلى أن عام 2018 شهد ولادة مشروع جديد داخل الموساد، استند إلى فكرة مختلفة، فبدل انتظار طلب السوق، كان الهدف صناعة الطلب نفسه.
ويكشف التحقيق أن الوحدة 8200 شنت حملة رقمية واسعة عبر حسابات آلية ومنصات التواصل الاجتماعي، ركزت على إبراز قدرات إسرائيل في اختراق الهواتف الذكية، وهو ما دفع حزب الله إلى تعزيز استخدام أجهزة البيجر باعتبارها أكثر أمانًا.
كيف تحولت البطارية إلى عبوة ناسفة؟
خاض فريق التحقيق في التفاصيل التقنية الخاصة بعملية التفخيخ، مستندًا إلى ما نشرته وكالة "رويترز" حول تطوير نسخة معدلة من جهاز البيجر عام 2022.
وبحسب التحقيق، واجه مهندسو الموساد تحديًا تقنيًا كبيرًا، إذ إن النسخة الأصلية من الجهاز لم تكن تتسع للكمية المطلوبة من المواد المتفجرة، ما دفعهم إلى تصميم نسخة أكبر قليلًا وأكثر سماكة دون تغيير شكلها الخارجي بصورة تثير الشبهات.
وجرى، وفق المعلومات، إخفاء شحنة متفجرة صغيرة بين خلايا البطارية، مع الاستغناء عن الصاعق المعدني التقليدي واستبداله بمادة شديدة الاشتعال، بحيث تبدو البطارية طبيعية أمام أجهزة الأشعة السينية في المطارات ونقاط التفتيش.
كما خضعت نغمات التنبيه لاختبارات عديدة، بهدف اختيار صوت يدفع حامل الجهاز إلى إخراجه بسرعة والنظر إلى الشاشة.
وتوصل القائمون على العملية إلى أن المستخدم يحتاج في المتوسط إلى سبع ثوانٍ لإخراج الجهاز بعد سماع التنبيه، وهي المدة التي بُني عليها توقيت الانفجار.
وكانت الرسالة التي تظهر على الشاشة تطلب من المستخدم الضغط على زرين في الوقت نفسه، لتبدأ عندها عملية الاشتعال داخل البطارية، قبل أن ينفجر الجهاز بعد ثوانٍ معدودة.
شركات وهمية وشبكة مالية معقدة
قاد تتبع التحقيق إلى شركة "BAC Consulting" المسجلة في العاصمة المجرية بودابست، والتي أعلنت شركة "Gold Apollo" التايوانية أنها حصلت على ترخيص لاستخدام علامتها التجارية.
وعند زيارة مقر الشركة، اكتشف فريق التحقيق أن عنوانها المسجل يقع داخل شقة في مبنى سكني، فيما أظهرت الوثائق الرسمية أنها تأسست عام 2022، ولا يعمل فيها سوى شخص واحد هو المديرة التنفيذية كريستيانا بارسوني.
ورغم ذلك، كانت الشركة مسجلة لممارسة عشرات الأنشطة المختلفة، بدءًا من الاستشارات الإدارية وصولًا إلى استخراج النفط وصناعة الزجاج والزيوت، وهو ما عزز فرضية أنها لم تكن سوى شركة ورقية أُنشئت لتأدية دور محدد ضمن شبكة أكبر.
وخلال تتبع الشبكة، ظهرت شركة أخرى تحمل اسم "Norta Global" في العاصمة البلغارية صوفيا، وتشير المعلومات إلى أنها لعبت دورًا في تمويل الصفقة بمبلغ يقارب 1.6 مليون يورو، بينما اختفى مديرها، رينسون خوسي، عقب وقوع الانفجارات.
"غولد أبولو".. الاسم الذي تصدر المشهد
الأبعاد القانونية لتفجيرات البيجر
لم يقتصر التحقيق على تتبع المسار التقني واللوجستي للعملية، بل امتد إلى بحث أبعادها القانونية، وما إذا كانت عملية تفجير أجهزة البيجر واللاسلكي تشكل انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني.
وتقول الباحثة في المعهد البريطاني للقانون الدولي المقارن، إيرين بتروباولي، إن ما جرى يمثل سابقة غير معهودة، إذ جرى تحويل أجهزة إلكترونية مدنية إلى أدوات قتل، في مخالفة واضحة للمبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني.
وتوضح أن القانون يفرض التمييز بين المدنيين والمقاتلين، إلى جانب احترام مبدأي التناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة أثناء العمليات العسكرية، معتبرة أن الانفجارات وقعت في أماكن عامة وبين تجمعات مدنية، ما أدى إلى سقوط ضحايا لا علاقة لهم بالأعمال القتالية.
وتضيف أن تحميل الشركات المصنعة المسؤولية القانونية يبقى معقدًا، إذ إن المحكمة الجنائية الدولية لا تملك ولاية على الشركات بصفتها الاعتبارية، وإنما على الأشخاص الطبيعيين، وهو ما يجعل المسؤولية الجنائية، إذا ثبتت الوقائع، مرتبطة بمن خطط للعملية ونفذها.
التفجيرات قد ترقى إلى جريمة ضد الإنسانية
ويشير التحقيق إلى أن هذا التقييم يتقاطع مع موقف مجموعة من خبراء الأمم المتحدة، بينهم المقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب، الذين اعتبروا أن انفجارات البيجر تمثل انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي، ودعوا إلى إجراء تحقيق مستقل وسريع في ملابساتها.
كيف أصبحت أجهزة البيجر في متناول مدنيين؟
وفي معرض رده على ما توصل إليه التحقيق، يقول النائب السابق لرئيس المجلس السياسي في حزب الله، محمود قماطي، إن أجهزة البيجر كانت تُستخدم بوصفها وسيلة اتصال مدنية، ولأسباب أمنية مرتبطة بتجنب وسائل الاتصال العسكرية التي كانت عرضة للمراقبة.
ويضيف أن هذه الأجهزة لم تكن حكرًا على المقاتلين، بل استخدمها أطباء ومهندسون ومعلمون وغيرهم، وهو ما يفسر ارتفاع أعداد المدنيين الذين أصيبوا في الانفجارات، بمن فيهم نساء وأطفال.
التحقيقات الداخلية.. لماذا عُجل بتنفيذ العملية؟
وعند مواجهة محمود قماطي بهذه المعطيات، اكتفى بالتأكيد أن الحزب كان يراقب هذه المسألة منذ فترة، وأن الأجهزة خضعت لفحوصات أمنية، لكنه أشار إلى أن إسرائيل سارعت إلى تنفيذ العملية عندما أدركت أن التحقيقات الداخلية قد تقود إلى كشف الاختراق.
وقال إن الحزب كان يشتبه بوجود خلل، وإن شحنة جديدة من أجهزة البيجر كانت في طريقها إلى لبنان عبر تركيا، إلا أن قرار التفجير اتخذ قبل وصولها، خشية انكشاف العملية بالكامل.
من التفجيرات إلى الحرب الشاملة
ويرى التحقيق أن انفجارات البيجر لم تكن سوى بداية مرحلة جديدة من المواجهة بين إسرائيل وحزب الله.
فبعد يومين فقط من موجتي التفجير، ألقى الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله خطابًا أكد فيه استمرار القتال ما دامت الحرب مستمرة في غزة.
لكن، وفق التحقيق، كانت القيادة الإسرائيلية قد حسمت قرارها بالانتقال إلى مرحلة أوسع من المواجهة، وبدأت باستهداف قيادات الصفين الأول والثاني في الحزب.
وفي هذا السياق، يشير التحقيق إلى اغتيال إبراهيم عقيل وعدد من القيادات العسكرية، قبل أن تتوج الحملة، لاحقًا، باستهداف حسن نصر الله داخل مقر قيادة تحت الأرض في الضاحية الجنوبية لبيروت، في هجوم استخدمت فيه عشرات القنابل الثقيلة، ما أدى إلى انهيار المقر بالكامل.
نقطة تحول في تاريخ الصراع
يخلص التحقيق الاستقصائي عبر التلفزيون العربي إلى أن عملية البيجر شكلت تحولًا غير مسبوق في طبيعة الصراع بين إسرائيل وحزب الله.
فبرغم أن كمية المتفجرات الموزعة داخل آلاف الأجهزة لم تكن كبيرة مقارنة بالأسلحة التقليدية، فإن تأثيرها تجاوز حجمها الفعلي، بعدما نجحت في تحويل أدوات اتصال مدنية إلى وسائل قتل، وأعادت رسم حدود الحرب الاستخباراتية الحديثة.
كما فتحت العملية نقاشًا واسعًا حول أمن سلاسل التوريد العالمية، وإمكانية استغلال المنتجات المدنية في تنفيذ عمليات عسكرية معقدة، إلى جانب الأسئلة القانونية والأخلاقية التي ما تزال مطروحة بشأن المسؤولية عن مثل هذه الهجمات.