الخميس 25 يوليو / يوليو 2024

تحوّلات نوعيّة في نمط الحياة.. هل نعيش لنستهلك أم نستهلك لنعيش؟

تحوّلات نوعيّة في نمط الحياة.. هل نعيش لنستهلك أم نستهلك لنعيش؟
الإثنين 25 سبتمبر 2023

شارك القصة

تحوّل البشر من أناس يستهلكون ليعيشوا إلى أناس يعيشون ليستهلكوا، الأمر الذي يستوجب دفع فاتورة قد لا يملكون ما يكفي لسدادها - غيتي
تحوّل البشر من أناس يستهلكون ليعيشوا إلى أناس يعيشون ليستهلكوا، الأمر الذي يستوجب دفع فاتورة قد لا يملكون ما يكفي لسدادها - غيتي

يختلف نمط حياة البشر حاليًا عما كان عليه الحال قبل مئات آلاف السنين من حيث سهولة الاستهلاك، حيث باتت كل الحاجات مؤمنة لأغلب الناس.

وفيما يعتبر البعض من باب "النوستالجيا" أن أيام الماضي كانت أفضل إلا أن الأدلة تبين عكس ذلك، بما في ذلك العمر المتوقع عند الولادة ومعدلات الزيادة السكانية.

ويبقى الأساس أننا تحولنا من الاقتصاد الذي أمكن وصفه بـ"إدارة الندرة" لندرة الموارد وإمكانية الوصول إليها من البشر، إلى "إدارة الوفرة" التي يمكن ببساطة معاينتها من خلال كم السلع الفائضة في المحال والمجمعات التجارية واللا متناهي منها أونلاين.

غير أن المشكلة تكمن في أن البشر وخلال قرن من الزمن، يعيشون فيه حياة أطول وأسهل وأسرع وينجبون أطفالًا أكثر، تحوّلوا من أناس يستهلكون ليعيشوا إلى أناس يعيشون ليستهلكوا، الأمر الذي يستوجب دفع فاتورة قد لا يملكون ما يكفي لسدادها.

يتناول الزميل جاد غصن في الحلقة الأولى من الرأس والمال العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك
يتناول الزميل جاد غصن في الحلقة الأولى من الرأس والمال العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك

الاستهلاك والبنى الاجتماعية

إذا ما تجاوزنا ما يُحكى عمّا قبل التاريخ أو قبل آلاف السنين وتوصُّل الإنسان إلى الكتابة ليصبح تاريخه مسجلًا، وحينها كان الإنسان فعليًا يستهلك ما يتوفر له من أكل وشرب بهدف البقاء على قيد الحياة، فإن الاستهلاك والتملّك يُعدان إحدى أبرز علامات المقام أم الموقع الاجتماعي.

فمن خلال ما نراه في الأفلام وما نقرأه في الكتب التاريخية، يُمكن التعرف على أصحاب السلطة والتمييز بين إمكانات الأشخاص المادية بالنظر إلى ملبسهم ومأكلهم ومنزلهم.

تلك المقامات الاجتماعية كانت مهمة إلى درجة أنها كانت مقوننة في فترة من الفترات، ولا سيما عندما باتت بعض السلع متاحة أكثر فأكثر للعموم.

ففي بنورمبيرغ، التي تقع حاليًا في ألمانيا، لم يكن مسموحًا في القرن الرابع عشر سوى للأرستقراطيين ورجال الكنيسة ومن يعملون في ما سمّي بـ"المهن المحترمة" كالمحامين، ارتداء الحرير والفراء واللؤلؤ وسلاسل الذهب.

لاحقًا، كلما ازدهرت التجارة وتراجعت ندرة السلع وباتت متوفرة لأناس أكثر، تمكن أشخاص من خارج جماعة الأنساب والكنيسة و"المهن المحترمة" من ارتداء تلك الأقمشة.

كان الإنسان قبل آلاف السنوات فعليًا يستهلك ما يتوفر له من أكل وشرب بهدف البقاء على قيد الحياة
كان الإنسان قبل آلاف السنوات فعليًا يستهلك ما يتوفر له من أكل وشرب بهدف البقاء على قيد الحياة

في المقابل، ازداد تمسك النخب الحاكمة ببنى الهرمية الاجتماعية، وزادت لهذه الغاية التشريعات التي سمّيت حينها "قوانين الفخامة "sumptuary laws، وفُرضت عقوبات.

ففي العام 1574، على سبيل المثال، سُجن خيّاط في لندن لارتدائه سروالًا مبطنًا بالحرير وقميصًا أطرافه حيكت بالفضة خلافًا للقوانين.

مع ذلك، طيلة الفترة السابقة لتلك الأحداث وصولًا إليها، كان الموقف الأخلاقي من مظاهر الإسراف بالاستهلاك، أم استهلاك سلع بعيدة عن السلع الأساسية للبقاء على قيد الحياة، سلبيًا. 

فأفلاطون وأرسطو وصفا الترف بأنه مفسدة للأخلاق ويؤدي إلى الكسل. وكذلك الديانات السماوية جاءت نظرتها سلبية من الغرق في المادّية، حتى البوذية كانت ترفض التعلق بالممتلكات.

وصف أفلاطون وأرسطو الترف بأنه مفسدة للأخلاق ويؤدي إلى الكسل
وصف أفلاطون وأرسطو الترف بأنه مفسدة للأخلاق ويؤدي إلى الكسل

لكن كيف تحوّلنا من النظرة السلبية للاستهلاك إلى مشاهد تدل على تغوّل فيه؟

يجدر النظر إلى ازدهار التجارة بين الدول، ونمو طبقة غير أرستقراطية مقتدرة ماليًا، وزيادة الوفرة في عرض سلع أرخص وأكثر تنوعًا نتيجة لنشاط تجارة الرق ومن بعدها الثورة الصناعية والتطور العلمي، في مقابل وفرة أكبر في الطلب نتيجة بدء انتشار العمل بأجر لعدد أكبر من الناس.

وهذا التطور بالإنتاج والقدرة على الاستهلاك تزامن مع حدث آخر، هو بداية ثورة الإعلان والتسويق، بما في ذلك تمييز المنتجات عن بعضها، وإجراء أبحاث تفصيلية لسوق المستهلكين، وشيء من الخدمة الذاتية للزبون، وسياسات استرداد الأموال إذا لم يكن الزبون راضيًا عن المنتج، والنقل المجاني، والخصومات.

وقد كان أبرز "الاختراعات" في ذلك الوقت الواجهة الزجاجية للمحال، والتي أوجدت تكثيفًا لعلاقة المستهلك مع المنتج.

مع ذلك، يبقى التحوّل الكبير في القرن العشرين مع انتشار السيارات بين الناس، وهو ما زاد من إمكانية التنقل السريع للمستهلكين وكذلك تطوّر الطائرات والسفن البحرية التي سرّعت انتقال السلع بين الدول.

إلى ذلك، كان لانتشار الراديو والسينما ومن ثم التلفزيون دور في إدخال الدعاية والتسويق في مرحلة جديدة.

تزامن التطور بالإنتاج والقدرة على الاستهلاك مع حدث آخر، هو بداية ثورة الإعلان والتسويق
تزامن التطور بالإنتاج والقدرة على الاستهلاك مع حدث آخر، هو بداية ثورة الإعلان والتسويق

وفي العام 1958 جاءت الـcredit card لتسهل عمليات التحاويل المالية والقدرة على الدفع، والاقتراض.

من ناحيتها، أصبحت الدول داعمًا أساسيًا لعمليات الاستهلاك. فالاستهلاك يقوّي المحال التجارية، التي ستطلب بضائع أكثر وتقوي بالتالي الصناعة التي ستنتج أكثر.

وهذه العملية ستخلق وظائف أكثر لتأمين الطلب المتزايد، وعند تأمين وظائف أكثر تزداد القوة الشرائية فيزداد الطلب على السلع من جديد،.

وعليه، استثمرت الدول بمد الطرقات وإنشاء الجسور لتسهيل الحركة بين المناطق وتخفيف كلفة التنقل. حتى أن شبكات الرعاية الاجتماعية من التأمين الصحي، إلى مجانية التعليم في المؤسسات الرسمية وغيرها، كانت تعزز بدورها القدرة الشرائية للناس لاستهلاك مزيد من السلع والخدمات.

الاستهلاك يقوّي المحال التجارية، التي ستطلب بضائع أكثر وتقوي بالتالي الصناعة التي ستنتج أكثر.
الاستهلاك يقوّي المحال التجارية، التي ستطلب بضائع أكثر وتقوي بالتالي الصناعة التي ستنتج أكثر.

أهم فعل اجتماعي واقتصادي للإنسان

أما نقطة التحول من الاستهلاك كنشاط لا بد منه لأي إنسان إلى مجتمع استهلاكي يكون فيه الاستهلاك أهم فعل اجتماعي واقتصادي للإنسان، فقد جاء في الولايات المتحدة قبل أن ينتشر خارجها وعلى مرحلتين: بعد الحرب العالمية الأولى وبعد الحرب العالمية الثانية.

فبعد الحرب العالمية الأولى وجدت الولايات المتحدة نفسها مع فوائض مالية كبيرة من جراء عدم بلوغ الحرب أراضيها، والأرباح من بيع الأسلحة لدول أوروبية دُمرت قواها الإنتاجية وقدرتها الشرائية بشكل كبير من جراء الحرب.

مع الفائض المالي هذا، وتحوّل بعض الصناعات العسكرية إلى صناعات تجارية مع انتهاء الحرب، راحت أسعار هذه الصناعات تنخفض لتكون متوفرة لشريحة واسعة من الناس، فكان التحوّل تاريخيًا بأن أصبح إنتاج السلع والخدمات أكبر بكثير من الطلب.

وقد عنى ذلك اقتصاديًا مشكلة بالنسبة للشركات الصناعية والتجارية والمالية الكبرى، ولا سيما أن انخفاض الطلب مقارنة بالعرض يعني انخفاض الأسعار وتراجع الأرباح.

بعد الحرب العالمية الأولى وجدت الولايات المتحدة نفسها مع فوائض مالية كبيرة
بعد الحرب العالمية الأولى وجدت الولايات المتحدة نفسها مع فوائض مالية كبيرة

إدوار بيرنايز يدخل على الخط

وللبيع أكثر وإن تأمنت حاجات الناس من السلع، دخل إدوارد بيرنايز على الخط لمعالجة المشكلة، وبدأ التحوّل الكبير بعلاقة البشرية بالاستهلاك.

وإدوارد بيرنايز النمساوي الأميركي هو ابن شقيقة سيغموند فرويد، مؤسس التحليل النفسي، وأُطلق عليه لقب ميكيافيللي القرن العشرين.

يعتبر بيرنايز مؤسس العلاقات العامة التي أسماها في بداية مسيرته المهنية "بروباغندا". وقد عرض الزعيم النازي أدولف هتلر عليه العمل مع الحزب النازي لإدارة البروباغندا النازية، وبعدما رفض اعتمد وزير الدعاية في حكم هتلر جوزيف غوبلز كتاب بيرنايز كمرجع واستخدم تقنياته.

وبيرنايز في موضوع الاستهلاك قرّر استخدام تقنيات البروباغندا ودمجها مع الاكتشافات، التي بلغها علم النفس في الدعاية والتسويق وعالم التجارة والشركات.

قرّر بيرنايز في موضوع الاستهلاك استخدام تقنيات البروباغندا ودمجها مع الاكتشافات
قرّر بيرنايز في موضوع الاستهلاك استخدام تقنيات البروباغندا ودمجها مع الاكتشافات

وقد رأى أن حل مشكلة ازدياد القدرة على الصناعة وإنتاج السلع بقدر أكبر بكثير من الطلب، يكمن بإعادة تعريف الاستهلاك. 

متأثرًا بأعمال خاله فرويد بالإضافة إلى عالم النفس الاجتماعي غوستاف لو بون وكتابه سايكولوجيا الجماهير، أكد ضرورة أن تتخطى الدعاية التجارية المعتمدة فكرة ربط الاستهلاك بتأمين الحاجة لزيادة المبيع، ذلك لأن حاجات الناس محدودة في نهاية المطاف.

وعليه، اعتبر أن على الإعلان والتسويق والدعاية استهداف رغبات الناس بدلًا من حاجاتهم.

وبدأ بيرنايز العمل على استخدام الدعاية والتسويق لصناعة حاجات عند الناس عن طريق العمل على "هندسة الموافقة العامة"، من خلال التلاعب بالرغبات المدفونة في لا وعي الانسان وإشباعها عبر استخدام السلع بوصفها رموزًا لهذه الرغبات.

بذلك تحولت البشرية من رأسمالية الإنتاج إلى رأسمالية الاستهلاك، ومن مجتمع يستهلك إلى مجتمع استهلاكي، أي أن القيمة الاجتماعية لأفراده تتحدد بحسب قدراتهم على الاستهلاك، وأن رغباتهم النفسية يتم إشباعها بالاستهلاك. 

ومع التلفزيون والكومبيوتر والإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي ومواقع الفيديوهات تعولمت الرمزيات التي تشبع هذه الرغبات، إلى حد أن ماركة مثل Jordan تبيع منتجات أكثر في بقية العالم مما تبيعه في الولايات المتحدة نفسها.

واليوم، بات استهداف الناس أعمق بمئات المرات بما في ذلك من خلال الذكاء الاصطناعي وخوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي، الأمر الذي يتيح معرفة اهتمامات ورغبات ومحركات كل إنسان الداخلية حتى قبل أن يعرفها بنفسه.4

لكن ما هي المشكلات التي تترتب على هذه التقنيات التي تتيح استهداف الناس وزيادة الاستهلاك، ولا سيما مع "أبطال الاستهلاك" من مشاهير فنيين أو رياضيين وصولًا للإنفلونسرز، وزيادة استهلاك الطاقة والفاتورة البيئية والصحية؟ وهل يُمكن اعتبار الاستهلاك شرًا مطلقًا؟


إجابات على هذه الأسئلة وغيرها تجدونها في الحلقة الأولى من سلسلة "الرأس والمال" التي يصحبكم فيها الزميل جاد غصن عبر منصّات "العربي" الرقمية، ويناقش فيها كلّ ما يرتبط بالاستهلاك، من التسويق إلى التلاعب.
المصادر:
العربي
Close