بعد فرار الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد في الثامن من الشهر الحالي، تحوّلت العاصمة السورية دمشق إلى مزار للدبلوماسيين الأجانب والعرب.
وقد كان آخر زوّارها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الذي أجرى مباحثات الأحد مع قائد الإدارة السورية الجديدة أحمد الشرع.
وكان الشرع قد استقبل في اليوم نفسه أيضًا زعيم الحزب الاشتراكي اللبناني وليد جنبلاط، على رأس وفد كبير رافقه في زيارته إلى دمشق.
دمشق تتحوّل إذًا إلى محطة حَراك دبلوماسي رئيسية هذه الأيام، ومنها يؤكد وزير الخارجية التركي على وقوف بلاده إلى جانب سوريا ويطالب برفع العقوبات عنها.
بدوره، يؤكد قائد الإدارة الجديدة أحمد الشرع السعي لبناء علاقات إستراتيجية مع أنقرة، أما مرشد الجمهورية الإيرانية فيصف الوضع الجديد في سوريا بـ"الفوضى"، على حد تعبيره.
علاقات إستراتيجية مع أنقرة
زيارة المسؤول التركي هي أول زيارة يقوم بها وزير خارجية دولة أجنبية لدمشق، منذ سقوط نظام بشار الأسد.
وقد وصل فيدان على رأس وفد من بلاده، وأجرى مباحثات مع الشرع الذي أكد ضرورة بناء علاقات إستراتيجية مع تركيا التي وقفت إلى جانب الشعب السوري، بالتوازي مع إعادة تأكيد فيدان أن تركيا لن تترك سوريا وستقف إلى جانبها، مطالبًا في الوقت نفسه برفع العقوبات عنها.
وسبقت زيارة فيدان تصريحات أدلى بها المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي، توقع فيها ظهور ما وصفها بـ"جماعة شريفة قوية في سوريا"، كما اتهم الولايات المتحدة وإسرائيل بنشر الفوضى هناك.
وفد وزاري عربي إلى دمشق
يأتي ذلك بينما أفادت مصادر للتلفزيون العربي، بأن وفدًا وزاريًا عربيًا سيزور دمشق غدًا الإثنين ضمن جولات الوفود الغربية والعربية والإقليمية التي تتوالى إلى العاصمة السورية، في محاولة للوقوف على توجهات الإدارة الجديدة للبلاد، ولكسر عزلتها الدولية.
هكذا، ومع سقوط نظام بشار الأسد، دخلت سوريا مرحلة جديدة في علاقاتها الدولية، تبدلت في خضمها التحالفات مع أطراف إقليمية ودولية.
التقهقر المضطرد الذي تشهده العلاقات بين دمشق وطهران على سبيل المثال، يقابله تقدم متواصل للعلاقات بين أنقرة ودمشق التي أبدت إدارتها الجديدة بقيادة أحمد الشرع انفتاحًا على إقامة علاقات دبلوماسية متوازنة مع دول العالم، على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. وستكون للتحوّلات الكبرى في علاقات دمشق الإقليمية والدولية بعد سقوط نظام الأسد؛ آثارها داخليًا وعلى التحالفات السابقة لدمشق في الحقبة الماضية.
"دمشق نهضت من تحت ركامها"
وفي هذا الصدد، يرى المحامي والسياسي السوري محمد صبرا، أن هذا كله يثبت أن دمشق قد عادت مرة ثانية إلى دورها الحضاري والسياسي في الإقليم.
وأضاف في حديثه للتلفزيون العربي" من دمشق، أن هذه الأخيرة "كانت على مر التاريخ نقطة توازن في الإقليم، وذلك قبل ظهور النظام المخلوع وحلفائه الذين حوّلوا البلاد إلى مصدر قلق للكثير من جيرانها.
وأردف أن الحراك الدبلوماسي العربي والدولي يؤكد أن دمشق نهضت من تحت ركامها لتصبح مجددًا عاصمة لصناعة السياسة في إقليم المشرق العربي، بعد أن تخلصت من الميليشيات الطائفية العابرة للحدود ومن وصفهم بشذاذ الآفاق، الذين جاؤوها من كل حدب وصوب، بطلب من النظام المخلوع، وبدعم من حلفائه في إيران ولبنان وروسيا".
وفيما يتعلق بوصف مرشد الجمهورية الإيراينة لما حدث في سوريا بالفوضى وبأنه مؤامرة صهيونية-أميركية، تمنى صبرا على مرشد الجمهورية الإيرانية أن يهتم بشؤون بلاده لا بسوريا.
وقال إن من أولويات الشعب السوري ألا يتدخل الآخرون في شؤونه الداخلية حتى يستطيع إعادة بناء علاقات جوار طيبة وسليمة مع دول الجوار تقوم على التكافؤ والتعاون.
أهداف تركيا وأولوياتها
من جانبه، قال الدكتور أنس بيرقلي، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجامعة التركية الألمانية، إن أهداف تركيا وأولوياتها في سوريا تتمثل أولًا في الحفاظ على وحدتها، وأن تتهيأ الظروف فيها لعودة اللاجئين الذين تستضيفهم إلى بلادهم.
وقال في حديثه إلى التلفزيون العربي من اسطنبول، إن الاستقرار في سوريا بوجود إدارة سياسية جديدة فيها يوفران الأمل للاجئين بالعودة إلى بلادهم.
أما ثالث أولويات تركيا في الجوار السوري فيتعلق بوجود حزب العمال الكردستاني، الذي وصفه بيرقلي بأنه "يمثّل مشكلة للأمن القومي التركي ولسوريا أيضًا".
وأكد بيرقلي أنه لا توجد لتركيا أي شروط في التعامل مع سوريا، بل لديها الرغبة بتقديم يد العون والمساعدة لها وللسلطات الجديدة، التي قال إنه لا يمكنها أن تتحمّل وجود جماعة انفصالية في البلاد.
"إيران لا ترى ثورة بل مؤامرة"
ومن العاصمة الإيرانية، نفى الدكتور حسين رويوران، أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران، أن تكون بلاده ترغب بالتدخل في سوريا.
وقال للتلفزيون العربي إن "بلاده حتى عندما تدخلت في سوريا في الحقبة السابقة، فإنها فعلت ذلك بدعوة من النظام السوري نفسه، الذي قال إنه كان يتمتع باعتراف دولي".
وبرأيه، لم تكن هناك ثورة شعبية في سوريا حتى تحترم إيران إرادة الشعب السوري وخياراته.
واعتبر أن "ما حدث كان سقوطًا للنظام وليس إسقاطه"، فالمدن السورية - كما قال - "سُلّمت الواحدة تلو الأخرى دون مقاومة حقيقية".