في قلب المحيط الهادئ، تقع دولة تُعدّ من أقل دول العالم استقبالًا للزوار. نادرًا ما تُذكر، رغم أنها وجهة هادئة ذات طبيعة آسرة. إنها توفالو.
وتوفالو دولة جزرية صغيرة تتألف من تسع جزر، تقع بين أستراليا وهاواي. خمس من هذه الجزر عبارة عن جزر مرجانية حلقية، أما الجزر الأربع الأخرى فهي أراضٍ ترتفع من قاع البحر.
وكانت تُعرف سابقًا باسم "جزر إليس"، وهي جميعًا منخفضة، إذ لا يزيد ارتفاع أي نقطة فيها على 4.5 أمتار فوق مستوى سطح البحر. ويبلغ عدد سكانها أقل من 12 ألف نسمة.
دولة نادرة الزيارة
لم يزر هذه الدولة سوى 40 سائحًا في عام 2021، وأقل من 200 سائح في بعض السنوات الأخيرة، وفق موقع "هاو ستاف ووركس".
وعلى عكس منطقة الكاريبي أو الفلبين، لا تمتلك توفالو قطاعًا سياحيًا قويًا يجذب الزوار من مختلف أنحاء العالم. كما أن الوصول إليها ليس سهلًا، إذ لا تصل إليها سوى رحلات جوية قليلة أسبوعيًا، معظمها تابعة لخطوط "فيجي" الجوية.
ويقع المطار الدولي في توفالو على شريط ضيق من الأرض، فيما تبدو أماكن الإقامة بسيطة للغاية، إذ لا توجد فنادق فاخرة، ولا يوجد في العاصمة فونافوتي سوى طريق رئيسي واحد غير مزوّد بإشارات مرور.
ويُضاف إلى ذلك غياب الترويج السياحي، وقلة الخدمات المخصصة للزوار، وضعف الوعي العالمي بهذه الدولة الصغيرة.
دولة مهدّدة بالزوال
ما الذي يُميّز توفالو؟
يكمن سحر توفالو في بساطتها وتماسك مجتمعها. يتحدث السكان المحليون لغة توفالو، ويتناولون وجبات تُحضَّر من مكونات محلية مثل جوز الهند وفاكهة الخبز والمأكولات البحرية.
ولمن يهتم بتاريخ الحرب العالمية الثانية، لا تزال الجزر تحتفظ بآثار من تلك الحرب، بما في ذلك طائرات ومخابئ أميركية من مسرح عمليات المحيط الهادئ. كما تضم الشعاب المرجانية المحيطة بها مواقع غوص تُعدّ من الأكثر عذرية في العالم.
نظام سياسي بلا أحزاب
نالت توفالو استقلالها عن المملكة المتحدة عام 1978، ويُعدّ الملك تشارلز الثالث رئيسًا للدولة، ويمثله الحاكم العام.
وقد عُيّن فيليتي تيو رئيسًا للوزراء عقب الانتخابات العامة التي جرت في يناير/ كانون الثاني 2024، خلفًا لكاوسيا ناتانو، الذي خسر مقعده في انتخابات حظيت بمتابعة دقيقة من تايوان والصين والولايات المتحدة وأستراليا، وسط صراع جيوسياسي على النفوذ في جنوب المحيط الهادئ.
وتُعدّ توفالو من بين الحلفاء القلائل المتبقين لتايوان في المحيط الهادئ.
وكان تيو أول مدّعٍ عام في توفالو. وتلقى تعليمه في نيوزيلندا وأستراليا، ويتمتع بخبرة تمتد لعقود بصفته مسؤولًا رفيع المستوى في منظمة مصايد الأسماك الإقليمية، كما عمل مع "منتدى جزر المحيط الهادئ"، وهو التكتل السياسي والاقتصادي الرئيسي في المنطقة. وتُعدّ مصايد الأسماك مصدرًا رئيسيًا للدخل في جزر المحيط الهادئ.
ولا توجد أحزاب سياسية في توفالو، إذ تقوم الولاءات السياسية فيها على الشخصيات والجغرافيا. ويُنتخب البرلمان المؤلف من 15 عضوًا بالاقتراع الشعبي كل أربع سنوات، ثم يختار أعضاؤه رئيس الوزراء.
صعوبات توسيع السياحة
تواجه توفالو معضلة مزدوجة: فهي تريد مزيدًا من الزوار لتعزيز اقتصادها، لكن وجودها نفسه مهدد بسبب التغيرات البيئية.
ويخشى البعض أن تندثر البلاد تمامًا تحت الأمواج، بينما يرى آخرون في السياحة أداة لتعزيز الصمود، تساعد سكان توفالو على مشاركة تاريخهم مع العالم.
ولذلك، فيما تُشيّد دول كثيرة مطارات ومنتجعات ضخمة، تُقدّم توفالو شيئًا أندر: حياة طبيعية بسيطة لا تُهيمن عليها مظاهر الحداثة.
والحياة في الجزر بسيطة وقاسية في كثير من الأحيان. فلا توجد جداول أو أنهار، لذا يُعدّ جمع مياه الأمطار أمرًا بالغ الأهمية.
وتغطي أشجار جوز الهند معظم الجزر، ويُعدّ لب جوز الهند المجفف "الكوبرا" السلعة التصديرية الوحيدة تقريبًا. كما يهدد تزايد ملوحة التربة الزراعة المعيشية التقليدية.
مصدر فريد للدخل
وأظهرت توفالو براعة في استغلال مصدر دخل آخر، إذ باعت نطاق الإنترنت الخاص بها ".tv" لشركة أميركية مقابل ملايين الدولارات سنويًا كعائدات مستمرة، بينما تقوم الشركة بتسويق هذا النطاق لمحطات البث التلفزيوني.
ولم تكن الدولة تملك أي صراف آلي حتى 16 أبريل/ نيسان 2025، حين احتفلت بأول جهاز من هذا النوع في مقر بنك توفالو الوطني بقرية فاياكو في جزيرة فونافوتي، الجزيرة الرئيسية في البلاد، بحسب صحيفة "الغارديان".
وبحسب موقع "بيزنس إنسايدر"، تخطط توفالو لأن تصبح أول دولة تنشئ نسخة رقمية كاملة من نفسها في العالم الافتراضي، في ظل المخاوف من ارتفاع منسوب مياه البحر، الذي يهدد بإغراق هذه الدولة الجزرية الصغيرة بالكامل.
وكان وزير خارجية توفالو، سيمون كوفي، قد أعلن هذا المشروع في خطاب افتراضي أمام قادة العالم خلال قمة المناخ "كوب 27" في مصر، في خطوة تعكس محاولة البلاد حماية هويتها وذاكرتها حتى لو هددها الغرق يومًا.