في وقتٍ تتركز فيه الأنظار على اضطراب أسواق الطاقة بفعل تعطل الشحن عبر مضيق هرمز، تمتد تداعيات الحرب على إيران إلى ما هو أبعد من النفط، لتطال المياه والغذاء والأسمدة، أي العناصر الأكثر التصاقًا بالحياة اليومية والأمن المعيشي في المنطقة والعالم.
وتشير تحذيرات أممية وتقارير بحثية وبيانات سوقية حديثة إلى أنّ آثار النزاع لا تقف عند حدود الخليج، بل تمتد عبر ارتفاع أسعار الوقود، وتعطل مسارات الشحن البحري، والضغط على إمدادات الأسمدة، بما يهدد سلاسل الإمداد الغذائي على نطاق واسع.
وبحسب منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "فاو"، ارتفع مؤشر أسعار الغذاء العالمي في فبراير/ شباط الماضي إلى 125.3 نقطة، بزيادة 0.9% على أساس شهري، مدفوعًا بارتفاع أسعار الحبوب واللحوم والزيوت النباتية، في أول زيادة بعد خمسة أشهر متتالية من التراجع.
كما حذر برنامج الأغذية العالمي من أنّ استمرار الحرب قد يدفع ملايين إضافيين إلى الجوع الحاد، مع ارتفاع تكاليف الغذاء والشحن والوقود.
الأمن الغذائي في الخليج
تبدو دول الخليج من بين أكثر المناطق تعرضًا لارتدادات هذا النوع من الأزمات، لأنها تعتمد بدرجات كبيرة على الواردات الغذائية، في ظل محدودية الأراضي الزراعية وشح الموارد المائية. وتستورد دول مجلس التعاون الخليجي الست نحو 85% من احتياجاتها الغذائية، ما يجعلها شديدة الحساسية لأي اضطراب في سلاسل الإمداد أو حركة الملاحة.
وعقب إغلاق مضيق هرمز، أعلنت سلطنة عُمان وقطر والإمارات والسعودية العمل على تأمين مسارات بديلة لنقل البضائع عبر موانئ وسيطة وطرق برية وسكك حديدية، في محاولة لتخفيف أثر الاختناق البحري على الأسواق المحلية.
وفي قطر، قالت وزارة التجارة والصناعة إنّ المخزون الاستراتيجي من السلع الغذائية يكفي لأكثر من ستة أشهر، ضمن خطط مخصصة للتعامل مع الأزمات واضطرابات الإمداد.
وفي الكويت، قررت وزارة التجارة حظر تصدير السلع الغذائية كافة وتثبيت أسعارها لمدة شهر بدءًا من مطلع مارس/ آذار الجاري، بينما أكدت البحرين أنّ مخزونها من السلع الأساسية "كافٍ وآمن".
أما في إيران، فتزداد الضغوط على السوق الداخلية مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية، في وقت كانت البلاد تعاني أصلًا من مستويات تضخم مرتفعة واختلالات معيشية قبل الحرب.
المياه.. جبهة أكثر هشاشة
لا تقل المياه خطورة عن الغذاء في هذه الحرب، بل قد تكون في بعض دول المنطقة أكثر حساسية من النفط نفسه، نظرًا إلى الاعتماد شبه البنيوي على محطات التحلية.
وقد أظهرت الضربات التي طالت منشآت مائية أو وقعت قربها أنّ البنية التحتية للمياه دخلت بدورها دائرة التهديد. ففي إيران، قال وزير الخارجية عباس عراقجي إنّ ضربة استهدفت محطة تحلية في جزيرة قشم في 7 مارس/ آذار أثّرت على إمدادات المياه لنحو 30 قرية.
وتنتج محطة تحلية قشم الساحلية 954 ألف متر مكعب من المياه الصالحة للشرب، وتوفر المياه لأكثر من 20 ألفًا من سكان المناطق الحضرية والريفية المحيطة، وتُعد أحد أهم مصادر المياه في الجزيرة التي تعاني من شح الموارد المائية.
وفي البحرين، اتهمت وزارة الداخلية طائرة إيرانية مسيّرة بإلحاق "أضرار مادية" بمحطة تحلية مياه، على الرغم من أن هيئة المياه والكهرباء في البلاد أكدت عدم تأثر إمدادات المياه.
كما استهدفت الضربات مجمعًا ضخمًا يضم 43 محطة تحلية في السعودية. وتحدثت تقارير عن أخطار طالت منشآت مائية في دول خليجية أخرى.
وخلال العقود الماضية، تحولت محطات التحلية إلى بنية تحتية حيوية لا يمكن الاستغناء عنها في الخليج.
بحسب "مجلس العلاقات الخارجية"، فإنّ نحو 400 محطة في دول مجلس التعاون تنتج ما يقارب 40% من المياه المحلاة عالميًا. وفي الكويت، يعتمد نحو 90% من مياه الشرب على التحلية، و86% في عُمان، و70% في السعودية، فيما يعتمد نحو 100 مليون شخص في المنطقة على هذه المصادر المائية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وتكمن الخطورة في أنّ الأضرار لا تحتاج دائمًا إلى إصابة مباشرة للمحطة نفسها. فاستهداف المنشآت المحيطة، أو المرافئ، أو شبكات الكهرباء، قد يكون كافيًا لتعطيل الإنتاج أو خفضه، خصوصًا أنّ كثيرًا من محطات التحلية في الخليج مرتبطة ببنى طاقية وصناعية مجاورة.
وبحسب القانون الدولي الإنساني، تُعدّ المنشآت التي لا غنى عنها لبقاء المدنيين، مثل مرافق المياه والإمدادات الغذائية، من الأعيان التي يحظر استهدافها أو تعطيلها.
الأسمدة.. كلفة أعلى وغلال مهدّدة
إلى جانب المياه والغذاء، يبرز ملف الأسمدة بوصفه أحد أخطر المسارات الأقل ظهورًا في تداعيات الحرب. فالأسمدة تمثل جزءًا أساسيًا من كلفة الإنتاج الزراعي، وأي اضطراب في تدفقها أو أسعارها ينعكس سريعًا على المزارعين ثم على المستهلكين.
ويمر عبر مضيق هرمز جزء أساسي من تجارة الغاز الطبيعي المسال ومدخلات الأسمدة والأسمدة النيتروجينية، ما يجعل أي تعطيل طويل الأمد في هذا الممر البحري عاملًا ضاغطًا على الأسواق الزراعية العالمية.
وتشير رويترز إلى أنّ أكثر من 30% من صادرات الأسمدة النيتروجينية عالميًا تمر عبر المضيق، فيما حذرت S&P Global من أنّ ارتفاع تكاليف الوقود والشحن والأسمدة يهدد بدفع الأسعار الغذائية إلى الصعود مجددًا.
وتُعد البحرين وعُمان وقطر والسعودية من المنتجين المهمين لعدد من الأسمدة والمواد الأولية المرتبطة بها، مثل اليوريا والأمونيا. ومع تعطل الشحن وارتفاع أسعار الغاز، تصبح الأسواق العالمية أمام ضغط مزدوج: نقص في الإمدادات وارتفاع في الكلفة.
وفي الشرق الأوسط، ارتفع سعر اليوريا بنسبة 19% خلال أسبوع واحد، مما خلق تحديات مالية جديدة للقطاعات الزراعية في جميع أنحاء العالم. وبحسب صحيفة "الغارديان"، صرّح رئيس إحدى أكبر شركات الأسمدة في العالم بأن الإمدادات الغذائية العالمية قد تتضرر بشدة هذا العام إذا ما طال أمد الحرب على إيران.
ودعا سفين توري هولسيثر، الرئيس التنفيذي لشركة يارا الدولية النرويجية، قادة العالم إلى النظر في تأثير ارتفاع أسعار المواد الغذائية على بعض أفقر دول العالم "قبل فوات الأوان". وقال: "بالنظر إلى أهمية الأسمدة، فإن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يؤثر بشكل خطير على غلة المحاصيل".
الحرب تبدّل أولويات الإنفاق
لا تتوقف التداعيات الخفية للحرب عند السلع والموارد الأساسية، بل تمتد إلى التمويل التنموي نفسه. فمع ارتفاع الإنفاق الدفاعي، تميل الدول المانحة إلى تقليص موازنات التنمية والمساعدات الخارجية، بما ينعكس مباشرة على الفئات الأكثر هشاشة.
وتشير تقديرات حديثة إلى أنّ الإنفاق الدفاعي الأوروبي ارتفع من 378 مليار دولار في عام 2020 إلى 693 مليار دولار في عام 2024، فيما يُرجَّح أن يؤدي ارتفاع الإنفاق العسكري، إلى جانب تراجع بعض أدوات التمويل التنموي، إلى خسارة سنوية محتملة تتراوح بين 21 و32 مليار دولار في تمويل التنمية حتى عام 2030.
وقد حذّر الأمين العام للأمم المتحدة من أن الارتفاع الكبير في الإنفاق العسكري "تزامن مع تراجع ملحوظ... في التقدم المُحرز نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة". وتشمل هذه الأهداف سبعة عشر هدفًا عالميًا وضعتها الأمم المتحدة في عام 2015 لمعالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية والبيئية بحلول عام 2030.
وتُؤدي الزيادات في الإنفاق الدفاعي إلى استنزاف الموارد التي كان من الممكن توجيهها نحو التنمية، إذ "في ظل محدودية الموارد، تضطر الحكومات إلى المفاضلة" بين الإنفاق العسكري، والاستثمارات التنموية والمناخية، والأولويات المحلية، وفقًا لتحليل أجراه معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI).
ويتوقع أن تُسفر زيادة الإنفاق الدفاعي، وإغلاق الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وتراجع الاستثمارات التنموية الأوروبية، عن خسارة سنوية محتملة في تمويل التنمية تتراوح بين 21 و32 مليار دولار حتى عام 2030.
مجتمعات على حافة المجاعة
يحدث هذا النزاع في وقتٍ يشهد فيه العالم حالةً من عدم الاستقرار، حيث يعاني أكثر من 670 مليون شخص (أكثر من 8% من سكان العالم) من الجوع، وتدفع بؤر الأزمات العديد من المجموعات الكبيرة إلى حافة المجاعة، ما يضعها في المرحلة الخامسة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC). وتُصنّف على أنها "مجاعة مع أدلة قوية".
وتوجد هذه الحالة حاليًا في:
- السودان، بسبب النزاع الداخلي المستمر وما نتج عنه من نزوح جماعي.
-
قطاع غزة، على الرغم من الاستئناف الجزئي للمساعدات الإنسانية منذ اتفاق وقف إطلاق النار، وذلك بعد القيود الشديدة المفروضة على وصول المساعدات. -
اليمن، بسبب تصاعد النزاع، وتضرر البنية التحتية، وقيود المساعدات الإنسانية. -
جنوب السودان، بسبب المستويات الحرجة للغاية من انعدام الأمن الغذائي في أعقاب تصاعد العنف والنزاع المسلح. -
مالي، بسبب المستويات الحرجة من انعدام الأمن الغذائي الحاد الذي يُرجّح استمراره، مدفوعًا بالنزاع الذي لا يزال يُعطّل سُبل العيش والأسواق.
وتثبت المعطيات الراهنة أن مفهوم النزاعات المحلية قد انتهى بنيويًا؛ فأي صراع عسكري اليوم، بغض النظر عن جغرافيته، يهدّد سلاسل القيمة الغذائية العالمية. فالترابط الوثيق بين طاقة الخليج، وأسمدة المنطقة، وممرات الملاحة الدولية، يجعل من قوت يوم الإنسان في أي مكان في العالم رهينة لاستقرار هذه البقعة.