ترشّحت لنوبل للسلام 3 مرات.. ما نعرفه عن الخوذ البيضاء ورائد الصالح
شكّل الرئيس السوري أحمد الشرع أولى حكوماته السبت الماضي (29 مارس/آذار)، بعد الإعلان الدستوري الجديد، وضمت 23 وزيرًا، بينهم سيدة واحدة، بينما تولى مدير منظمة الدفاع المدني (الخوذ البيضاء) رائد الصالح وزارة الطوارئ والكوارث التي تم استحداثها لأول مرة.
وأعلنت منظمة الدفاع المدني (الخوذ البيضاء) استقالة مديرها رائد الصالح بعد توليه حقيبة الطوارئ والكوارث، وقالت إن نائب رئيس مجلس إدارتها منير المصطفى، سيتولى إدارتها إلى حين انتخاب مدير جديد.
وأوضحت المنظمة أنها استطاعت بقيادة الصالح، وبفضل تضحيات الشهداء والمتطوعين والمتطوعات، إنقاذ عشرات الآلاف من الأرواح، ودعم صمود المجتمعات المتضررة، وإيصال صوت السوريين إلى العالم، وتأسيس نموذج فريد من العمل الإنساني المؤسساتي.
وقالت إن انتقال الصالح لمنصبه الوزاري الجديد يُعتبر إنجازًا للمجتمع المدني السوري، ويعكس قوة "الخوذ البيضاء" وحياديتها واحترافيتها، وأضافت أنها تخطط لنقل جزء من مهام الدفاع المدني التي تقوم بها إلى الوزارة الجديدة.
من هو رائد الصالح؟
ولد رائد الصالح عام 1984 في مدينة جسر الشغور بريف إدلب، وهو حاصل على بكالوريوس في إدارة الأعمال من "جامعة ماردين آرتوكلو" التركية، وشهادة في إدارة الأعمال من "الأكاديمية العربية في الدنمارك".
وانضم الصالح إلى الدفاع المدني عام 2013 عندما بدأ المتطوعون تدريباتهم الأولى في إدلب حيث كان يعيش، وأنشأ بعد ذلك 22 فريقًا إضافيًا في إدلب على مدار 18 شهرًا.
وفي عام 2014، عُيّن رئيسًا للمنظمة التي تضم أكثر من 3 آلاف متطوع في البحث والإنقاذ.
ونال الصالح العديد من الأوسمة والجوائز المرموقة، كما اختارته مجلة "تايم" عام 2017 من بين أكثر 100 شخصية تأثيرًا في العالم.
وتحت قيادته حصدت المنظمة أكثر من 30 جائزة دولية، وترشحت لنيل "جائزة نوبل للسلام" لثلاثة أعوام متتالية 2016، و2017، و2018، كما تم إنتاج فيلم وثائقي قصير عنها "The White Helmets"، نال "جائزة الأوسكار" لأفضل فيلم وثائقي قصير عام 2017.
الخوذ البيضاء: التأسيس والمهام
تأسست منظمة الدفاع المدني السوري المعروفة بـ"الخوذ البيضاء" عام 2013، لتقديم المساعدة والاستجابة لتحديات الأوضاع الإنسانية الكارثية التي نجمت جرّاء قصف نظام الرئيس السابق بشار الأسد للمدن والبلدات السورية، خلال الثورة الشعبية العارمة التي اندلعت ضده عام 2011.
ومن بضعة عشرات تجمعوا وتعاهدوا على تأسيس "الخوذ البيضاء" لخدمة مواطنيهم، أصبحت المنظمة تضم ما يزيد عن 3300 متطوع ومتطوعة.
وبحسب البيان التعريفي لها فقد أنقذت المنظمة أكثر من 128 ألف شخص، وفقدت في الوقت نفسه 308 متطوعين، جراء قصف استهدفهم خلال إنقاذهم المدنيين من تحت الركام.
من التنسيقيات إلى الخوذ البيضاء
تعود بدايات تأسيس المنطمة إلى التنسيقيات المدنية التي ظهرت بعد تخلي منظمات الإغاثة عن مهامها في إسعاف جرحى الثورة الشعبية على نظام بشار الأسد، وتحديدًا إلى عام 2012 عندما منع النظام إحدى فرق الإطفاء الحكومية في مدينة حلب من الاستجابة لحريق في حي سكني بحجة أنه خارج عن سيطرتها.
آنذاك تحدى رئيس إحدى فرق الإنقاذ قرار المنع وأطفأ الحريق، وفي اليوم نفسه أنشأ الفريق أول مركز للاستجابة الإنسانية لخدمة الطوارئ، وكان يترأس ذلك الفريق منير المصطفى الذي أصبح لاحقًا نائب مدير الدفاع المدني السوري.
شجّع انشقاق المصطفى وفريقه العديد من المتطوعين لتأسيس مراكز دفاع مدني في العديد من المناطق السورية عام 2013، والتنسيق فيما بينها.
كانت خبرتهم ومعداتهم آنذاك متواضعة، وغالبًا ما كانوا يقومون بالحفر لانتشال ضحايا قصف النظام السابق بأيديهم، لكن الوضع سرعان ما تغيّر بدخول قوى إقليمية ودولية على خط الأزمة الإنسانية جراء توسّع النظام في قصف المدن والبلدات الثائرة عليه، فقد بدأت فرق الدفاع المدني عام 2013 بتلقي تدريبات احترافية حول تقنيات الإنقاذ والبحث في المناطق المأهولة بالسكان، في تركيا والأردن، كما بدأت تصلهم بعض المعدات من مانحين دوليين.
وتلقى الدفاع المدني السوري الدعم من عدد من المنظمات الإغاثية الدولية منذ عام 2014، ومنها مؤسسة ميدي للإنقاذ Mayday Rescue Foundation التي أسسها جيمس لو ميسورير والمسجّلة في هولندا، ومن منظمة كيمونيكس الأميركية.
اجتماع أضنة التأسيسي
في أكتوبر/ تشرين الأول 2014 عقد ممثلو الفرق التطوعية من مختلف المناطق السورية اجتماعهم التأسيسي في مدينة أضنة التركية، ووضعوا ميثاقًا للمبادئ الخاصة بالمنظمة لتعمل وفقًا للقانون الإنساني الدولي، وتم الاتفاق على تأسيس منظمة لخدمة السوريين وإطلاق اسم "الدفاع المدني السوري" عليها، بشعار مأخوذ من القرآن الكريم "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا".
وعام 2015، أُطلق اسم "الخوذ البيضاء" على "الدفاع المدني السوري"، بعد اشتهار الخوذ التي يرتديها المتطوعون أثناء عمليات البحث والإنقاذ. وبعد عام 2019 توسّعت عمليات "الخوذ البيضاء" وأنشأت مكاتب في عدة دول خارج سوريا وتركيا، مثل كندا وهولندا والولايات المتحدة ما أدى إلى تعزيز وجودها في العالم.
وتشمل أعمال المنظمة ثلاثة مجالات رئيسة هي:
- الاستجابة للطوارئ؛
- تعزيز المرونة المجتمعية؛
- العدالة والمحاسبة.
1. الاستجابة للطوارئ
يتم تنفيذ "الاستجابة للطوارئ" من خلال ثلاثة برامج:
• برنامج الحماية
يقوم على توعية المدنيين من مخاطر الحرائق ومخلّفات الحرب والتحذير المبكر وإجراءات الأمن والسلامة، والتوعية من الأمراض والذخائر غير المنفجرة، إضافة للعمل على رفع الوعي المجتمعي وتشجيع الاندماج المجتمعي عن طريق الأنشطة الكشفية والجلسات التوعوية.
• برنامج الصحة
يهدف لحماية أرواح المدنيين من خلال تطوير الاستجابة لحالات الطوارئ الصحية، وتعزيز التدريب والتأهيل من خلال توفير تدريب مستمر لفرق الإسعاف والعاملات في مراكز صحة النساء والأسرة، لتحسين مهاراتهم ومعرفتهم بأحدث الممارسات السريرية لضمان تقديم الرعاية الطبية المتخصصة.
• برنامج البحث والإنقاذ والإطفاء
يُعنى بتنفيذ الأنشطة والإجراءات التي تساعد في حماية السكان والممتلكات العامة والخاصة من أخطار الكوارث الطبيعية وغير الطبيعية مثل الحرائق والحروب، وخلال عمليات القصف الجوي والأرضي، وإغاثة المنكوبين في زمن السلم وحالات الحرب والطوارئ.
وتمكنت الفرق العاملة في هذا البرنامج من إنقاذ أكثر من 128 ألف إنسان.
2. تعزيز المرونة المجتمعية
أما المجال الثاني لعمل الدفاع المدني فيندرج تحت عنوان "تعزيز المرونة المجتمعية"، ويقوم على برنامجين هما:
• برنامج البنى التحتية والخدمات المجتمعية العامة
يهدف لتأهيل البنى التحتية بما يعزز قدرة المجتمع على الصمود والتعافي من الكوارث، مثل إنشاء وتأهيل الطرق وشبكات الصرف الصحي والمياه والمرافق الحيوية للحفاظ على عملها في خدمة المجتمعات المحلية.
• برنامج إدارة مخلّفات الحرب
يتعامل هذا البرنامج مع مخلّفات الحرب والذخائر غير المنفجرة، لتحييد مخاطرها عن المدنيين، وخفض عدد الإصابات والوفيات الناتجة عن الانتشار الكثيف لمخلّفات الحرب غير المنفجرة منذ عام 2011.
يشار إلى أن فرق الذخائر غير المنفجرة في الدفاع المدني بدأت العمل على إزالة مخلفات الحرب بشكل رسمي ومنظم بداية من عام 2016، وتمكّنت من إزالة أكثر من 24 ألف ذخيرة غير منفجرة منذ بداية عملها.
3. العدالة والمساءلة
تعتبر "العدالة والمساءلة" مجال العمل الثالث في منظمة "الخوذ البيضاء"، فبحكم عملهم يُعتبر متطوعو المنظمة شهودًا على الهجمات على المدنيين، لذك يعتبر توثيقهم جزءًا أساسيًا من عمل المنظمة، بغض النظر عن هوية الجناة أو الضحايا.
ووثّقت المنظمة آلاف الهجمات على المدارس والمستشفيات والأسواق وأماكن العبادة في جميع أنحاء سوريا، وجمعت أدلة على الهجمات الكيميائية، ووثقت استخدام الذخائر العنقودية والبراميل المتفجرة والغارات الجوية على منازل المدنيين.
وهو ما جعل من فرق المنظمة أهدافًا للنظام الذي قصف مراكزها أكثر من 350 مرة، وقتل أكثر من 230 متطوعًا فيها منذ عام 2013.
إسرائيل والخوذ البيضاء
في يوليو/ تموز 2018 شنت قوات النظام السوري السابق هجومًا عنيفًا وشاملًا، مدعومًا من الطائرات الحربية الروسية، على محافظتي درعا والقنيطرة، ما أدى إلى سيطرة النظام على معظم أراضي المحافظتين.
وجراء ذلك احتشد عشرات الآلاف قرب السياج الحدودي الفاصل بين الجانبين السوري والإسرائيلي هربًا من المعارك، وقدّرتهم وسائل إعلامية بنحو 200 ألف شخص، وكان من بينهم المئات من عناصر الخوذ البيضاء وعائلاتهم الذين جرى نقلهم إلى الأردن بمساعدة إسرائيل، قبل ترحيلهم إلى دول أخرى أبدت استعدادها لقبولهم.
وقال رئيس "الخوذ البيضاء" رائد الصالح في حينه إنه "تم إجلاء عدد من المتطوعين مع عائلاتهم لظروف إنسانية بحتة، حيث كانوا محاصرين في منطقة خطرة ووصلوا إلى الأردن"، بينما قالت الحكومة الإسرائيلية إنها تلقت طلبًا بإجلاء هؤلاء من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وكندا إلى الأردن، تمهيداً لإعادة توطينهم في بعض هذه الدول.
ورغم تأكيد كل الأطراف التي شاركت في عملية إجلاء المئات من متطوعي "الخوذ البيضاء" وعائلاتهم على عدم وجود تنسيق مسبق أو مباشر بين المنظمة وإسرائيل، إلا أن النظام السابق استغل الحادثة لتكرار اتهامه للمنظمة بأنها صنيعة أجهزة استخباراتية غربية، لارتباطها بمنظمة ميدي للإنقاذ Mayday Rescue Foundation التي أسسها جيمس لو ميسورير، وهو ضابط بريطاني سابق عثر على جثته في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 بالقرب من مكتبه في اسطنبول، نتيجة ما يعتقد أنه حادث سقوط غامض من شرفة منزله.
ولو ميسورير ضابط سابق في المخابرات الحربية البريطانية كانت ملكة بريطانيا قد كرّمته عام 2016 على عمله مع "الخوذ البيضاء" في سوريا، وقيام منظمته بتدريب متطوعي المنظمة السورية.
ولم يقتصر اتهام النظام السوري السابق للمنظمة على الاشتباه بعلاقتها بأجهزة استخباراتية غربية بقرائن ضعيفة، بل شمل اتهامها بالارتباط بالمنظمات المصنفة إرهابية في حينه، ولا سيما جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام لاحقًا)، وبأنها فبركت مقاطع فيديو تظهر سقوط ضحايا مدنيين في الهجمات التي كانت تشنها القوات الحكومية، وخصوصًا الهجمات الكيميائية في خان شيخون في إدلب (أبريل/نيسان 2017)، ودوما بالغوطة الشرقية (أبريل/نيسان 2018)، وهو ما ثبت كذبه في تحقيقات دولية أثبتت مسؤولية النظام بالفعل عن تلك الهجمات وسواها.