السبت 13 يونيو / يونيو 2026
Close

ترمب: ستارمر ليس تشرشل.. أول حرب أميركية بعد فيتنام لا تشارك فيها لندن

ترمب: ستارمر ليس تشرشل.. أول حرب أميركية بعد فيتنام لا تشارك فيها لندن محدث 18 مارس 2026

شارك القصة

تزايد الخلافات بين حلفاء الامس في لندن وواشنطن- غيتي
لا يختصر خلاف ترمب وستارمر موقفًا من حرب إيران فحسب، بل يعكس تصدّعًا أعمق في العلاقة الثنائية - غيتي
لا يختصر خلاف ترمب وستارمر موقفًا من حرب إيران فحسب، بل يعكس تصدّعًا أعمق في العلاقة الثنائية - غيتي
الخط
خلافًا لحروب سابقة، تنأى بريطانيا عن الحرب الأميركية على إيران، ما فجّر توترًا علنيًا بين دونالد ترمب وكير ستارمر، وفتح باب التساؤل حول مستقبل "العلاقة الخاصة" بين واشنطن ولندن.

على خلاف حروب الولايات المتحدة الكبرى، ولا سيما في العراق وأفغانستان، تفتقر حرب واشنطن على إيران إلى إجماع، أو شبه إجماع، دولي، وكذلك إلى تحالف دولي من أي نوع لخوضها.

إنها الحرب الوحيدة، بعد حرب فيتنام، التي تنأى فيها بريطانيا عن الولايات المتحدة، ما دفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى انتقاد لندن علنًا، معتبرًا أنها لم تعد المملكة المتحدة التي يعرفها.

وذهب ترمب أبعد من ذلك بقوله إن رئيس وزرائها كير ستارمر ليس ونستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني بين عامي 1940 و1945 خلال الحرب العالمية الثانية، والذي ارتبط بعلاقة وثيقة مع الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت.

تشرشل وروزفلت يبحثان استسلام ألمانيا في نهاية الحرب العالمية الثانية- غيتي

تشرشل وروزفلت يبحثان استسلام ألمانيا في نهاية الحرب العالمية الثانية - غيتي

ومنذ تلك الحرب، التي شهدت ما يمكن وصفه بتحالف الدم والنصر بين البلدين في مواجهة ألمانيا النازية وإلحاق الهزيمة بها، اعتُبرت لندن الحليف الأوثق لواشنطن داخل المعسكر الغربي.

لكنها امتنعت، خلال الحرب الأخيرة على إيران، عن المشاركة فيها، ما يعيد إلى الأذهان عدم مشاركتها أيضًا في حرب فيتنام (1955-1975)، واكتفاءها آنذاك بالدعم السياسي والاستخباراتي واللوجستي، مع فارق حاسم هو أن امتناع لندن عن المشاركة في حرب واشنطن الأخيرة يعكس تأزمًا متفاقمًا بين الحليفين.


ترمب عن ستارمر: ليس تشرشل


في اليوم الرابع للحرب على إيران (3 مارس/ آذار الجاري)، التقى الرئيس ترمب في البيت الأبيض المستشار الألماني فريدريش ميرتس، فأشاد به، لكنه وجّه في المقابل انتقادات حادّة إلى رئيس الوزراء البريطاني، قائلًا:

"نحن لا نتعامل مع ونستون تشرشل

ويمثّل انتقاد ترمب مفارقة لافتة توضح كيف أن أحد حلفاء الأمس (ترمب) يمتدح ورثة العدو المشترك في الماضي القريب (ألمانيا)، في الوقت الذي يوجّه فيه سهام نقده إلى حليفه البريطاني، من دون أن ينجح، في الوقت نفسه، في إقناع برلين بالانخراط في الحرب إلى جانبه.

فقد حافظ المستشار الألماني على موقفه المؤيد لمنع إيران من حيازة سلاح نووي، مع مطالبته بإنهاء الحرب عليها سريعًا.

ترمب يثني على ميرتس وينتقد ستارمر- غيتي

ترمب يثني على ميرتس وينتقد ستارمر - غيتي

لم يقل ميرتس جهرًا إنها "ليست حربنا"، كما قالها ستارمر ضمنًا أكثر من مرة، بل قالها وزير دفاعه بوريس بيستوريوس، الاثنين الماضي، رافضًا مطالب ترمب بتقديم دعم عسكري في الحرب ضد إيران، تحت طائلة أن حلف شمال الأطلسي "سيواجه مستقبلًا سيئًا"، قائلًا:

ما الذي يتوقع دونالد ترمب أن تفعله  واحدة أو اثنتان من الفرقاطات الأوروبية في مضيق هرمز، ويعجز الأسطول الأميركي القوي عن فعله؟

هذه ليست حربنا، ولم نبدأها. 

ويبرّر رئيس الوزراء البريطاني عدم مشاركة بلاده في الحرب بالقول إن أي تدخل بريطاني "يجب أن يستند دومًا إلى أساس قانوني وخطة مدروسة قابلة للتنفيذ".


فوبيا العراق وخلافات تتجاوز إيران


وبينما أظهر استطلاع للرأي نُشر قبل نحو أسبوع أن 56% من البريطانيين المستطلَعين يعتقدون أن ستارمر على صواب في قراره هذا، فإن رفض المشاركة في الحرب يعكس خشية رئيس الوزراء البريطاني من الانجرار إلى صراع جديد طويل الأمد، على غرار حرب العراق، التي استعاد ذكراها قائلًا:

جميعنا نتذكر الأخطاء التي ارتُكبت في العراق، وقد تعلمنا منها.

واستنادًا إلى ما يمكن اعتبارها "فوبيا العراق"، وإلى أسباب أخرى ربما تتصل بخلافات بين البلدين لم يعد بالإمكان كتمانها بشأن أوكرانيا وغرينلاند ومفهوم ترمب للأمن في أوروبا ودور حلف شمال الأطلسي، أعلن ستارمر، في الثالث من الشهر الحالي، رفضه أيضًا استخدام القوات الأميركية القواعد العسكرية البريطانية في قبرص ضد إيران.

ترمب ينتقد رفض ستارمر المشاركة في الحرب على ايران: ليس تشرشل- غيتي

ترمب ينتقد رفض ستارمر المشاركة في الحرب على إيران: ليس تشرشل - غيتي

وكان ردّ ترمب إعادة تقييم "مرتجلة"، قد تصبح جذرية، للعلاقات بين الحليفين، إذ خلص إلى أن العلاقة التاريخية مع المملكة المتحدة "لم تعد كما كانت".

وعبّر عن خيبة أمله، في مقابلة أجرتها معه صحيفة "ذي صن" البريطانية:

لم أتخيّل قط بأن أرى ذلك يحصل. لم أتصوّر بأن تتصرّف المملكة المتحدة هكذا. 

كانت هذه العلاقة (مع بريطانيا) الأقوى. والآن لدينا علاقات قوية مع بلدان أخرى في أوروبا.

إنه عالم مختلف في الحقيقة. إنها علاقة مختلفة كثيرًا عن تلك التي كانت تربطنا ببلدكم في السابق".

ستارمر يزور قاعدة أكروتيري في قبرص في ديسمبر 2024- غيتي

ستارمر يزور قاعدة أكروتيري في قبرص في ديسمبر 2024 - غيتي

وفي ذلك اليوم، الثالث من مارس/ آذار، استهدفت مسيّرة يُعتقد أن "حزب الله" أطلقها من لبنان إحدى القاعدتين البريطانيتين في قبرص، وهي قاعدة أكروتيري، فأعلن ستارمر رفضه استخدام الأميركيين لأي من القاعدتين ضد إيران، قائلًا:

هذه القواعد لم تُستخدم، ولن تُستخدم، من جانب الولايات المتحدة.

وأوضح ستارمر للبرلمان أن "قصف أكروتيري في قبرص لم يكن ردًا على أي قرار اتخذناه"، مضيفًا: "بحسب تقييمنا، أُطلقت المسيّرة قبل إعلاننا".

استخدام دفاعي مشروط للقواعد البريطانية


تُعدّ قاعدة أكروتيري أرضًا بريطانية فيما وراء البحار منذ استقلال قبرص عام 1960، وهي أكبر قاعدة لسلاح الجو الملكي البريطاني خارج البلاد، ويعمل فيها أكثر من 3500 شخص.

وأصيبت القاعدة بعد بضع ساعات من إعلان ستارمر أنه أجاز لواشنطن استخدام قاعدتين أخريين ضد إيران، هما "دييغو غارسيا" الواقعة في المحيط الهندي، و"فيرفورد" في جنوب غرب إنجلترا.

وقال ستارمر للبرلمان إن قراره بشأن استخدام هاتين القاعدتين اتُّخذ "بعد طلب منفصل" من الولايات المتحدة، قُدِّم "لأهداف دفاعية محددة، ولا سيما الدفاع المشترك المشروع عن حلفائنا وحماية الأرواح البريطانية".


ستارمر يجيز استخدام واشنطن قاعدتين لبلاده لأهداف دفاعية محدودة- غيتي

 ستارمر يجيز لواشنطن استخدام قاعدتين لبلاده لأهداف دفاعية محدودة - غيتي

ومنذ بداية الحرب على إيران، تقتصر العمليات البريطانية على المهام الدفاعية انطلاقًا من قاعدة أكروتيري، عبر إسقاط طائرات مسيّرة فوق الأردن، وأخرى في الأجواء العراقية أو متجهة إلى قطر.


ترمب يرفض الدعم البحري البريطاني 


بدأت الولايات المتحدة، في السابع من الشهر الجاري، استخدام قاعدتي "فيرفورد" و"دييغو غارسيا" في عمليات دفاعية محددة، كما أعلنت وزارة الدفاع البريطانية، "لمنع إيران من إطلاق صواريخ على المنطقة، وهو ما يعرّض أرواح بريطانيين للخطر".

وفي الثامن من الشهر نفسه، أجرى ترمب وستارمر مباحثات هاتفية تطرقت إلى الحرب على إيران، وقالت متحدثة باسم داونينغ ستريت إنهما بحثا "الوضع الحالي في الشرق الأوسط والتعاون العسكري بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة، لا سيما من خلال استخدام قواعد سلاح الجو الملكي دعمًا للدفاع الجماعي عن النفس لشركائهما في المنطقة".

ترمب يرفض الدعم البحري البريطاني- غيتي

ترمب يرفض الدعم البحري البريطاني - غيتي

لكن ترمب قال، في اليوم نفسه، إنه لم تعد هناك حاجة إلى دعم بحري بريطاني، وكتب على منصته "تروث سوشال" أن المملكة المتحدة "تفكر جديًا أخيرًا في إرسال حاملتي طائرات إلى الشرق الأوسط". وأضاف:

لا بأس يا رئيس الوزراء كير ستارمر، لسنا في حاجة إليهما بعد الآن. لسنا في حاجة إلى أشخاص ينضمون إلى الحروب بعد أن نكون قد انتصرنا.

وجاء منشور ترمب وسط تقارير إعلامية بريطانية أفادت بأن البحرية الملكية تستعد لتجهيز حاملة الطائرات "إتش إم إس برينس أوف ويلز"، الراسية في بورتسموث بجنوب إنجلترا، لاحتمال نشرها في الشرق الأوسط.

ومع تواصل الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، تواصلت انتقادات ترمب لستارمر، إذ انتقد الإثنين ما وصفه بافتقار بعض الحلفاء "للحماسة" للمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز، الذي يمرّ عبره خُمس إنتاج النفط العالمي. وقال:

لم أكن راضيًا عن موقف المملكة المتحدة. أعتقد أنهم سينخرطون، نعم، ربما. ولكن يجب أن ينخرطوا بحماسة.

قلت: أنتم أقدم حليف لنا، ونحن ننفق الكثير من المال، كما تعلمون، على حلف شمال الأطلسي، وكل هذه الأمور لحمايتكم.

وكان ستارمر قد قال، في وقت سابق من اليوم نفسه، إن بلاده تعمل مع حلفائها لوضع خطة "قابلة للتنفيذ" لإعادة فتح مضيق هرمز، لكن ليس تحت مظلة حلف شمال الأطلسي، وشدّد على أن بلاده لن تنجرّ إلى "الحرب الأوسع" في الشرق الأوسط.

لندن ترفض الانجرار إلى الحرب الأوسع


يأتي رفض ستارمر المشاركة في "حرب أوسع" تقودها واشنطن في سياق خلافات كبيرة بين الحليفين منذ وصول الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير/ كانون الثاني 2025، ورفعه شعار "أميركا أولًا".

يُضاف إلى ذلك تراجعه عن دعم أوكرانيا، وضغوطه المتواصلة على دول حلف شمال الأطلسي في ما يتعلق بإنفاقها الدفاعي، وصولًا إلى محاولاته السيطرة على جزيرة غرينلاند الدنماركية، التي أثارت مخاوف أوروبية واسعة بشأن أمن القارة.

الامير هاري خلال مشاركته في حرب افغانستان- غيتي

 الأمير هاري خلال مشاركته في حرب أفغانستان - غيتي

وترافق ذلك مع سخرية ترمب من دور حلفائه، ومن بينهم بريطانيا، في الصراعات الكبرى التي خاضتها بلاده، ومنها الحرب في أفغانستان، واعتبارهم عبئًا على واشنطن، التي قال إنها تحميهم، بينما لا يفعلون هم شيئًا في المقابل.

ففي الثاني والعشرين من يناير/ كانون الثاني الماضي، انتقد الرئيس الأميركي، في مقابلة مع قناة "فوكس نيوز"، دور الدول الأعضاء في الناتو خلال النزاع في أفغانستان، قائلًا إن بلاده "لم تكن بحاجة إليهم أبدًا"، ومشيرًا إلى أنهم "بقوا على مسافة من خطوط المواجهة" هناك.

وندّد ستارمر، في حينه، بتصريحات ترمب، واعتبرها "مهينة" وتستوجب اعتذارًا. وقال لوسائل الإعلام البريطانية: "أعتبر تصريحات الرئيس ترمب مهينة وبصراحة صادمة، ولم أتفاجأ بتسببها بهذا القدر من الأذى لأحبّاء الذين قُتلوا أو أُصيبوا". 

ونشرت بريطانيا أكثر من 150 ألف عنصر من قواتها المسلحة في أفغانستان بين سبتمبر/ أيلول 2001 وأغسطس/ آب 2021، ومن بين هؤلاء الأمير هاري، الابن الأصغر للملك تشارلز الثالث.

وقُتل 457 جنديًا بريطانيًا هناك، في ثاني أكبر حصيلة خسائر في أفغانستان بعد الولايات المتحدة، التي فقدت أكثر من 2400 جندي.


تعويل على أوروبا وانعطافة نحو الصين


ستارمر في الصين يناير الماضي لتوثيق العلاقات- غيتي

 ستارمر في بكين في يناير الماضي لتوثيق العلاقات - غيتي

بعد ما اعتبره ستارمر إهانة من ترمب لحلفائه الغربيين بنحو ثلاثة أسابيع، ألقى ستارمر، في 14 فبراير/ شباط الماضي، كلمة في منتدى ميونيخ للأمن شدّد فيها على ضرورة تعزيز "القوة العسكرية" البريطانية وجاهزيتها.

كما دعا ستارمر إلى تكامل دفاعي أقوى داخل القارة الأوروبية للحد من اعتماد حلف شمال الأطلسي المفرط على الولايات المتحدة.

وفي رأي محللين، فإن عهد "العلاقات الخاصة" بين واشنطن ولندن ربما أصبح جزءًا من الماضي، وأن ثنائيات من نمط تشرشل - روزفلت، وتاتشر - ريغان، وبلير - جورج بوش، لم تعد مرشحة للاستمرار منذ وصول الرئيس ترمب إلى البيت الأبيض. فسياسات الأخير "الانعزالية"، وابتعاده التدريجي عن حلفائه الأوروبيين في ما يتعلق بالأمن والتجارة الخارجية، من شأنها أن تدفع هذه الدول إلى تنويع خياراتها الخارجية، ومنها التقارب مع الصين، العدو الاقتصادي اللدود للولايات المتحدة.

وهذا تحديدًا ما شهده مطلع هذا العام، حين زار ستارمر الصين في أول زيارة لرئيس وزراء بريطاني منذ عام 2018، ليصبح ثالث مسؤول غربي كبير تستقبله بكين في الأشهر القليلة الماضية، بعد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ما جعل ترمب يصف تعامل ستارمر التجاري مع بكين بأنه أمر خطير جدًا.

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي
المزيد من