ترمب يثير التساؤلات بمصطلح غامض.. ماذا يقصد بـ"الغبار النووي"؟
في الأسابيع الأخيرة، أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب إثارة الجدل بتكراره الحديث عن ما أسماه "الغبار النووي" الإيراني، معتبرًا أنه يمثل مفتاحًا لإنهاء الصراع بين الولايات المتحدة وإيران.
هذا التعبير اللافت، الذي يبدو بسيطًا في ظاهره، يخفي وراءه تعقيدات علمية وسياسية كبيرة، ويطرح تساؤلات حول دقته ومعناه الحقيقي في سياق البرنامج النووي الإيراني.
وبحسب رواية ترمب، فإن الضربات الجوية الأميركية التي استهدفت منشآت نووية إيرانية خلال العام الماضي ألحقت أضرارًا جسيمة بالبنية التحتية، لدرجة أن ما تبقى، على حد وصفه، هو مجرد "مسحوق" تحت الأنقاض.
ما هو "الغبار النووي"؟
ويرى خبراء أن مصطلح "الغبار النووي" غير مستخدم في الأدبيات العلمية، ويعكس أسلوبًا بلاغيًا أكثر منه توصيفًا تقنيًا.
ويؤكد خبراء أن ما يشير إليه ترمب على الأرجح هو اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي درجة نقاء مرتفعة تقترب من المستوى المستخدم في تصنيع الأسلحة النووية (نحو 90%)، وفقًا لصحيفة "نيويورك تايمز".
وهذه المادة ليست "غبارًا". فهي عادة ما تكون غازًا عند تخزينها داخل الحاويات، على الرغم من أنها تتحول إلى مادة صلبة في درجة حرارة الغرفة.
وهي مادة متطايرة وسامة للغاية إذا لامست الرطوبة، وإذا أُسيء التعامل معها، فقد تُسبب تفاعلًا نوويًا.
ويُعد الوصول إلى نسبة تخصيب 60% مؤشرًا مقلقًا للمجتمع الدولي، لأنه يقلّص الزمن اللازم للوصول إلى مستوى تصنيع سلاح نووي، رغم أن العملية لا تزال تتطلب مراحل تقنية إضافية معقدة.
أين يتم تخزين هذه المواد؟
شنت الولايات المتحدة غارات على ثلاثة مواقع نووية رئيسية في يونيو/حزيران الماضي، من بينها مجمع نووي خارج أصفهان، حيث يُعتقد أن كميات كبيرة من المواد النووية شبه الجاهزة لصنع القنابل كانت مخزنة.
وقال ماثيو كرونيغ، المدير الأول لمركز "سكوكروفت" للإستراتيجية والأمن التابع للمجلس الأطلسي: "إنها ليست جاهزة لصنع القنابل بعد، لكنها في طريقها لذلك، وكانت مخزنة في المنشأة النووية في أصفهان. لذا، عندما قُصفت أصفهان، يُفترض أن هذه المواد كانت مدفونة هناك".
ويعتقد مسؤولو الاستخبارات الأميركية أن الإيرانيين حفروا للوصول إلى هذه المواد، على الرغم من عدم وجود أي دليل على نقل أي منها.
وتتم عملية تخصيب اليورانيوم عبر زيادة نسبة نظير اليورانيوم-235، وهو النظير القابل للانشطار. ويُنجز ذلك عادة باستخدام أجهزة الطرد المركزي الغازية، التي تدور بسرعات هائلة لفصل النظائر وزيادة تركيز المادة القابلة للاستخدام.
هذا المسار التقني ليس بسيطًا، ويتطلب بنية تحتية متطورة وخبرات عالية، ما يجعل أي حديث مبسط عن "بقايا مسحوق" بعيدًا عن الوصف الدقيق للواقع.
لماذا يُعد هذا الملف مهمًا؟
يرى ترمب أن السيطرة على هذا "الغبار النووي" تمثل خطوة حاسمة لإنهاء النزاع، بل وصرّح بأن إيران وافقت على تسليم هذه المواد، وهو ما نفته طهران.
وتأتي هذه المزاعم في سياق تاريخي بدأ مع انسحاب إدارة ترمب من الاتفاق النووي المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، والذي أُبرم خلال إدارة باراك أوباما.
ومنذ ذلك الحين، تصاعدت مستويات تخصيب اليورانيوم في إيران، كرد فعل على العقوبات الأميركية، وفقًا لصحيفة "نيويورك تايمز".
ويشير جاستن لوغان، مدير دراسات الدفاع والسياسة الخارجية في معهد كاتو، إلى أن الإيرانيين كانوا يخصبون اليورانيوم بمستويات منخفضة للغاية قبل انسحاب إدارة ترمب من الاتفاق النووي. لذا، فإن ما يسميه "غبارًا نوويًا" لم يكن موجودًا داخل إيران بعد توقيع الاتفاق النووي أو خلال الأشهر الأولى منه".
هل يمكن إزالة هذه المواد خلال الحرب؟
ويقر ترمب بصعوبة إزالة اليورانيوم المخصب الإيراني، وصرح هذا الأسبوع على موقع "تروث سوشيال" أن "استخراجه سيكون عملية طويلة وشاقة".
وقال لوغان: "ستستغرق هذه المهمة وقتًا طويلاً، وسيشارك فيها العديد من الخبراء غير المتخصصين في القتال. لذا، فإن فكرة القيام بذلك في ظل الحرب تبدو لي ضربًا من الجنون".
وأضاف أن استخراج المادة سيكون صعبًا بنفس القدر على الإيرانيين أثناء الحرب.
وتابع : "ترمب محق في قوله إننا نراقب الهدف باستمرار، ولا يمكن للإيرانيين ببساطة الانقضاض عليه في جنح الظلام وتهريبه؛ إنها مادة شديدة الخطورة"، لا نعلم حالة المخازن تحت الأرض. قد لا تكون الخزانات التي تم تخزينها فيها في حالة جيدة. سيتطلب الأمر وجود عدد كبير من الخبراء على الأرض. وهذا ينطبق على الإيرانيين كما ينطبق علينا".