قبل أكثر من خمسة آلاف عام، بدأ سكان الحضارة السومرية في بلاد ما بين النهرين بتدوين سجلاتهم باستخدام الخط المسماري، الذي يُعدّ أقدم نظام كتابة معروف في التاريخ.
وبعد نحو ألف عام من ظهور هذا النظام الكتابي، بدأت كاهنة تُدعى "إنخيدوانا" باستخدامه بطريقة جديدة تمامًا، إذ تُعدّ نصوصها الفريدة أقدم مثال معروف على الكتابة بضمير المتكلم، وربما تكون أول كاتبة معروفة تدّعي صراحةً تأليف أعمالها.
من هي إنخيدوانا؟
وُلدت إنخيدوانا في بلاد ما بين النهرين خلال القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد. كانت ابنة سرجون الأكادي، المعروف أيضًا بـ"سرجون الكبير"، وهو الملك الذي أسّس الإمبراطورية الأكدية، التي جمعت بين الشعبين الأكادي والسومري تحت حكم موحّد.
عيّن سرجون ابنته إنخيدوانا كاهنة عليا للإله "نانا" (إله القمر) في مدينة أور السومرية، وهو منصب ديني وسياسي رفيع كانت تتولاه عادةً بنات الملوك، لما له من رمزية وقوة نفوذ.
وخلال عهد أخيها ريموش، شهدت بعض المناطق السومرية تمردات ضد الحكم، وتورّطت إنخيدوانا في هذه الاضطرابات السياسية، مما أدى إلى عزلها من منصبها على يد الملك السومري لوجال-آن، الذي أجبرها على النفي.
تجربة النفي والإبداع الأدبي
كتبت إنخيدوانا عن عزلها في قصيدتها الشهيرة "تمجيد إنانا"، حيث وصفت الانقلاب وتوسّلت إلى الإلهة إنانا لاستعادة منصبها. وجاء في أحد مقاطع القصيدة:
"جعلني أسير في أرضٍ شائكة. نزع عني تاجَ منصبي المقدّس، وأعطاني خنجرًا. وقال: هذا ما يُناسبك تمامًا".
وصفت إنخيدوانا ما تعرّضت له خلال الإطاحة بها بطريقة توحي بمعاملة مهينة، بل إن بعض الباحثين يلمحون إلى أنها كانت تشير إلى انتهاك جنسي في سياق تلك الأحداث، وإن كان التعبير غير مباشر.
وفي "تمجيد إنانا"، تقول أيضًا إنها استعادت منصبها ككاهنة عليا، وتنسب الفضل في ذلك إلى الإلهة نانا. وقد تأملت في عملية الكتابة بوصفها عملية ولادة، فقالت:
"لقد ولدتُ لكِ، أيتها السيدة الجليلة".
أقدم امرأة كاتبة
يعتبرها المؤرخون وعلماء الأدب أقدم امرأة كاتبة معروفة في التاريخ، كما تُعدّ أول من كتب شعرًا دينيًا وشخصيًا يتناول موضوعات الحب، والتضرّع، والقوة، والهوية.
كانت إنخيدوانا تذيّل اسمها على ألواح قصائدها، في حين كانت النصوص الشعرية التي سبقتها لا تحمل أسماء مؤلفيها، بل تُنسَب أحيانًا إلى ناسخيها فقط.
تراث أدبي خالد
تركت إنخيدوانا مجموعة من الأعمال الأدبية، من بينها أشعار مكرسة للإلهة نانا، ومجموعة من التراتيل المعروفة باسم "تراتيل المعبد السومري".
ومن أبرز أعمالها:
-
"إنّينساغورا" (Inninsagurra): ويُترجم إلى "العشيقة ذات القلب العظيم".
-
"إنّينميهوسا" (Inninmehusa): وتعني "إلهة القوى المخيفة".
ورغم أنها لم تكن أول من كتب القصائد أو الترانيم، فإن ما يُميز أعمالها هو أنها صيغت بضمير المتكلم، وتعكس مشاعرها الشخصية، من إحباطات وآمال، وتفانٍ ديني، وتفاعل مع الحروب، وتأملات في واقعها ومحيطها.
وفي أحد النصوص المنسوبة إليها، كتبت:
"مؤلّف هذه اللوحة هو إنخيدوانا. يا ملكي، خُلق شيء لم يخلق أحد مثله من قبل".
أثر طويل بعد الوفاة
استمر تأثير أعمال إنخيدوانا قرونًا بعد وفاتها، فقد أصبح نص "تمجيد إنانا" من النصوص الأساسية في مدارس الكتابة السومرية، وبقي يُدرَّس لأكثر من 500 عام، مما أدى إلى بقاء حوالي 100 نسخة مختلفة منه.
وقد اكتشف علماء الآثار البريطانيون نسخًا من أعمالها عام 1927، لكن الاعتراف بها كمؤلفة لتلك النصوص استغرق عقودًا طويلة.
وفي القرن العشرين، قام عالم السومريات الشهير صموئيل نوح كريمر، بالتعاون مع الشاعرة الأميركية ديان وولكستين، بترجمة أعمال إنخيدوانا، وجمعها في كتاب موحّد بعنوان: "إنانا، ملكة السماء والأرض: قصصها وتراتيلها من سومر" (Inanna, Queen of Heaven and Earth: Her Stories and Hymns from Sumer)، وقد نُشر هذا الكتاب عام 1983 عن دار "هاربر بيرنيال".
كما أصبحت أعمال إنخيدوانا مصدر إلهام للعديد من الكاتبات والشاعرات المعاصرات، مثل:
-
"ملكة السيوف" (The Queen of Swords) للشاعرة الأميركية جودي غران.
-
"بين الآلهة" (Among the Goddesses) للشاعرة آن فينتش.
كما كانت إنخيدوانا محورًا لحلقة "الخالدون" (The Immortals) ضمن سلسلة "الكون: ملحمة في الفضاء والزمن" (Cosmos: A Spacetime Odyssey)، وقد أدّت الإعلامية كريستيان آمانبور صوتها.
تكريم معاصر
في مناسبة اليوم العالمي للمرأة عام 2014، نظّمالمجلس الثقافي البريطاني احتفال "نِنيتي" للأدب العالمي في مدينة أربيل بالعراق، حيث قدّمت الكاتبة رايتشل هولمز عرضًا بعنوان "تيد لخمسـة آلاف سنة من النسوية"، تضمن إشادة بإسهامات إنخيدوانا الأدبية والدينية.
وفي عام 2015، قام الاتحاد الفلكي الدولي بتكريمها بطريقة غير مألوفة، إذ أطلق اسمها على فوهة بركانية على سطح كوكب عطارد.