للعام الثاني على التوالي ومنذ بداية العدوان على غزة في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، تُعلّق الاحتفالات بعيد الميلاد في مدينة بيت لحم وبقية الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتقتصر على الشعائر الدينية.
وتسبب استمرار الحصار الاقتصادي على الفلسطينيين في تراجع السياحة، ووصول خسائر هذا القطاع إلى سبعين في المئة بحسب وزارة السياحة الفلسطينية. وغابت مظاهر الفرح و معها شجرة الميلاد عن ساحة المهد، باستثناء ترانيم وصلوات تدعو لوقف الحرب على قطاع غزة مع دخولها عامها الثاني.
وأعلن رئيس بلدية بيت لحم أنطون سلمان، أن الأعياد هذا العام ستقتصر على الشعائر الدينية فقط، نظرًا للأوضاع الصعبة في الأراضي المحتلة، مذكرًا بأن الشعب الفلسطيني يعاني كثيرًا جراء الهجمات التي يشنها الإسرائيليون ضد شعبنا في غزة.
فلم يكتف الاحتلال بحرب الإبادة التي ينفذها كل يوم في غزة بل فرض قيودًا على حجاج مدينة المهد، وعزل مدينة بيت لحم وضرب قطاع السياحة فيها.
ويرى جريس قمصيه رئيس جمعية أصحاب الفنادق في بيت لحم، أن القيود الإسرائيلية لم تضيّق على المسيحيين في احتفالاتهم بالأعياد فقط بل حرمت آلاف الأسر الفلسطينية في بيت لحم من مداخيلها السنوية من قطاع السياحة والخدمات، لتصل خسائرهم إلى نحو 70%.
خسائر اقتصادية ولا حجيج
وأوضح المتحدث باسم وزارة السياحة والآثار الفلسطينية إلياس العرجا، أنه بسبب الإجراءات العقابية الإسرائيلية في حق الفلسطينيين فإن أسرًا عريقة تحترف النقش على خشب الزيتون تركت ورشاتها في بيت لحم، المدينة التي تستضيف أكثر من 100 متجر و450 ورشة بحسب وزارة السياحة.
وتحل أعياد الميلاد هذا العام على بيت لحم بينما يعاني 50% من سكانها من البطالة.
وكان آلاف السياح يتقاطرون عادةً إلى ساحة كنيسة المهد في هذا الوقت من السنة، لكنّ داخل الكنيسة هذا العام فارغ مثل ساحتها، ولا تُسمَع سوى ترانيم الرهبان الأرمن التي تتردد من أمام المغارة التي ولد فيها يسوع المسيح وفق ما ورد في الإنجيل.
وقال حارس الكنيسة محمد صبح: "في مثل هذا اليوم، كنا نجد عادةً ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف شخص داخل الكنيسة".
حصار وتقييد وعزل لبيت لحم
وتوقفت بالكامل تقريبًا زيارات السياح الأجانب الذين يقوم عليهم اقتصاد بيت لحم، ليس بسبب الحرب فحسب، بل بفعل زيادة القيود المفروضة على الحركة فرضتها نقاط تفتيش للجيش الإسرائيلي، منعت أيضًا الكثير من الفلسطينيين من الزيارة.
وأضاف صبح: "المسيحيون في مدينة رام الله التي تبعد 22 كيلومترًا (من بيت لحم) والقريبة من مدينة القدس، لا يستطيعون المجيء، لأن ثمة نقاط تفتيش، ويعاملنا الجنود الإسرائيليون بشكل سيئ، وهذا أمر خطير ويتسبب باختناقات مرورية طويلة".
وأشار رئيس بلدية بيت لحم أنطون سلمان إلى أن "الجيش الإسرائيلي أقام بالإضافة إلى نقاط التفتيش التي كانت قائمة، حواجز طرق جديدة حول بيت لحم، مما أوجد "عقبة" أمام الراغبين في زيارتها.
وقال سلمان: "ربما ينجح قسم منهم في المجيء، لكنّ قسمًا آخر يواجه البوابات ونقاط التفتيش التي تضعها إسرائيل".
أجواء كئيبة واحتفالات بلا بهجة
ورأى سلمان أن "الأجواء الكئيبة التي أشاعتها حرب غزة" من شأنها أن تجعل الاحتفالات بلا بهجة، وأضاف: "نريد أن نظهر للعالم أن بيت لحم لا تحتفل بعيد الميلاد كالمعتاد".
وستستمر الصلوات في المدينة، وسيأتي بطريرك الكنيسة اللاتينية من القدس كالمعتاد، لكنّ الاحتفالات ستقتصر على الطابع الديني الصرف، من دون الجو الاحتفالي الذي تتسم به في المعتاد، وسيغيب هذا العام الموكب الاستعراضي المألوف، ولن تقام مسيرة كشافة ولا تجمعات كبيرة في الشوارع.
وقالت سعاد حنظل (55 عاما)، وهي مرشدة سياحية من مدينة بيت لحم، إن للمدينة "خصوصية كبيرة في عيد الميلاد وفي الأراضي المقدسة، لقد ولد المسيح هنا". مشيرة إلى أن "الوضع سيئ جدًا راهنًا، لأن اقتصاد المدينة يعتمد على السياحة".
أما جوزيف جقمان، وهو صاحب متجر في بيت لحم يقع مباشرة عند ساحة المهد، فأفاد بأنه يفتح محلّه حاليًا مرة أو مرتين فقط في الأسبوع "لتنظيفه"، بسبب قلّة الزبائن.
وشكا عبود، وهو صاحب متجر آخر للهدايا التذكارية، من أن "عائلات كثيرة خسرت أعمالها بسبب غياب السياح".
وانعدمت الزينة أيضًا في مدينة القدس الشرقية المحتلة التي تبعد ثماني كيلومترات عن بيت لحم، ولم تُقِم البلدية شجرة العيد المألوفة عند الباب الجديد، أحد أبواب المدينة، واقتصر الأمر على إقامة مغارات الميلاد داخل البيوت.
وقال غابي عبد الله، وهو مدير شركة سياحية في القدس: "الحقيقة لا يوجد ما يُفرح. الفرحة مسروقة وقلوبنا مكلومة، لذا لن أزيّن شجرة العيد في بيتي ".
وأضاف: "لا يوجد في القدس سبب لنراها منتعشة، فهي بلا أشغال ولا أعمال، لم يعد السياح يصلون اليها. إنهم يعتدون على الزوار (في إشارة إلى الشرطة الإسرائيلية)، والسياحة في المدينة منعدمة ولا يوجد بها ابتهاج بفرحة عيد ولادة المسيح".