لطالما حفل عالم الاستخبارات بعملياتٍ سرّية لا حصر لها لإضعاف العدو أو هزيمته. غير أنّ مشاريع الحكومة الأميركية السرية بدأت تتزايد بقوّة في منتصف القرن العشرين، ولا سيما إبّان الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة.
ومع شيوع التكنولوجيا المتقدمة، برزت أفكار جديدة حول كيفية توظيفها، فابتكرت الحكومة الأميركية مزيدًا من الطرق للتفوّق على الخصوم.
عمليات أميركية سريّة غريبة لدرجة يصعب تصديقها
بعض تلك العمليات كان مروّعًا، وبعضها الآخر غريبًا أو مجنونًا إلى حدّ السخرية. ومعظمها انتهى بالفشل.
1. مشروع "الأشعة السينية": ربط القنابل بالخفافيش لمهاجمة اليابانيين
قبل القنبلة الذرية، فكّر الجيش الأميركي بـ"قنبلة الخفّاش" التي تضمّنت استخدام خفافيش حقيقية تحمل قنابل حقيقية، تحت اسم "مشروع الأشعة السينية".
قامت الخطة عمومًا على وضع الخفافيش في حالة سبات ونقلها إلى حجرات مُبرّدة، ثم تزويدها بأجهزة حارقة مُوقّتة تنفجر بعد وصولها إلى وجهتها. وكان من المقرّر إسقاطها بالآلاف فوق المدن اليابانية، حيث ستختبئ في مرازيب وأسقف المباني الخشبية والخيزرانية، وتنفجر على الهياكل ثم تُحرق المدن، وفقًا لمجلة "warfarehistorynetwork".
أُجري اختبار رسمي لهذه الخطة المقترحة في 15 مايو/ أيار 1943 في قاعدة كارلسباد الجوية التابعة للجيش في نيو مكسيكو، إلا أنّ الأمور لم تسر كما هو مُخطط لها. فقد أُطلقت الخفافيش عن طريق الخطأ قبل الموعد المحدد، ما أدّى إلى إحراق حظيرة وسيارة جنرال.
وكان السبب الوحيد لعدم تنفيذ "قنبلة الخفافيش" هو أنّ قائد الأسطول إرنست ج. كينغ أُبلغ بأنّ المشروع لن يكون جاهزًا قبل منتصف عام 1945، لكنه لم يُرِد الانتظار كل هذا الوقت.
قبل ذلك، أُنفق أكثر من مليوني دولار على المشروع، أي ما يُعادل تقريبًا أكثر من 35 مليون دولار اليوم.
2. "مشروع A119": خطة لتفجير قنبلة نووية على القمر
خلال الحرب الباردة، كان الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة يخوضان منافسة على استكشاف الفضاء. وبعد إطلاق القمر الاصطناعي السوفيتي "سبوتنيك"، احتاجت الولايات المتحدة إلى وسيلة للتفوّق، وجاءت إحدى الأفكار المبكرة في شكل "مشروع A119" الذي يقوم على قصف القمر بقنبلة نووية، وفقًا لموقع "History".
وبالفعل، تواصلت القوات الجوية الأميركية مع علماء بارزين وسألتهم عمّا سيحدث إذا ضربوا سطح القمر بقنبلة نووية. أراد الأميركيون إحداث انفجار بسحابة فطرية على الجانب المظلم من القمر، بحيث تُنير الشمس السحابة، ما يجعلها مرئية لمليارات البشر حول العالم، وخاصة السوفييت.
بالطبع، كان هناك قلق من ترك حفرة عملاقة على سطح القمر، وكان هناك أيضًا خطر ردّ فعل شعبي عنيف. في النهاية، تُركت الخطة على طاولة النقاش ولم تُكشف إلا عام 2000.
ووصف المؤرخ النووي البريطاني ديفيد لوري المؤامرة بأنها "فاضحة"، لكن آخرين دافعوا عنها على اعتبار أنّ من شأنها أن تُقدّم فهمًا جديدًا لكيمياء القمر.
3. عملية "فانتازيا": تخويف اليابانيين بـ"ثعالب مضيئة"
خلال الحرب العالمية الثانية، استخدمت القوات الأميركية ثعلب "كيتسون" لشنّ حرب نفسية على الشعب الياباني الذي يرتبط في القصص الشعبية بكونه كائنًا خارقًا للطبيعة ومعروفًا بخداع الناس وسحرهم أحيانًا.
ووفقًا لمجلة "Smithsonian"، وُضعت خطة "عملية فانتازيا" لتخويف اليابانيين ودفعهم للهزيمة. قامت الفكرة أولًا على إطلاق بالونات على شكل ثعلب فوق القرى اليابانية لتخويف السكان المحليين. ولمرافقة البالونات وزيادة التأثير العام، اقتُرح أن يعزف الجنود أيضًا على آلات موسيقية تُحاكي صيحات الثعالب، ما يُوهم اليابانيين بأنهم يتعرّضون لهجوم من قِبل هذه الثعالب.
في النهاية، جرى التخلّي عن خطة البالون والصفارات لصالح خطة أخرى تقوم على صيد الثعالب الحية في الصين وأستراليا، ورشّها بطلاءٍ متوهّج في الظلام، وإطلاقها في اليابان.
لكنّ المشكلة كانت في كيفية إدخال الثعالب إلى اليابان. فقرّر مكتب الخدمات الاستراتيجية (OSS) إنزال الثعالب في خليج تشيسابيك قرب الشاطئ لمعرفة ما إذا كانت ستسبح إلى اليابسة. ونجح الأمر بالفعل، إلا أنه بمجرد وصول الثعالب إلى اليابسة، كان معظم الطلاء قد زال.
وجرى اقتراح نسخ أخرى من "عملية فانتازيا"، لكنها باءت جميعها بالفشل. وفي النهاية، ألغى مكتب الخدمات الاستراتيجية المشروع الحكومي السري.
4- عملية "مونوبولي".. حفر نفق تحت السفارة السوفيتية
عام 1977، نُقلت سفارة الاتحاد السوفيتي إلى مجمع مبانٍ جديد في واشنطن العاصمة. لكنّ قرب هذا الموقع الجديد من البيت الأبيض ومبنى الكابيتول أثار قلق بعض عناصر الاستخبارات الأميركية من استخدام تكنولوجيا جديدة للتجسّس على رئيس الولايات المتحدة ومسؤولين أميركيين بارزين آخرين.
وبلغت هذه المخاوف ذروتها في عملية "مونوبولي"، وهي خطة من شأنها أن تسمح لمكتب التحقيقات الفيدرالي بالتجسّس على السوفييت من تحت مبناهم، وفقًا لموقع "warhistoryonline".
اشترى المكتب منزلًا في مقابل السفارة السوفيتية، ثم بدأ بحفر نفق يؤدي إلى منطقة أسفل مبنى السفارة. ومن هناك، خطّط مكتب التحقيقات الفيدرالي لتركيب معدات مراقبة تنقل المعلومات من داخل السفارة السوفيتية إليهم.
بدأ بناء النفق بعد اكتمال بناء السفارة السوفيتية الجديدة بفترة وجيزة، ولكن كان من الواضح منذ البداية أنّ الأمور تسير على نحوٍ خاطئ: كان المشروع سيّئ التخطيط، وكانت المياه تتسرّب باستمرار إلى النفق، ما أدّى إلى تعطّل معظم التقنيات المُثبتة.
وكان من المرجّح أنّ السوفييت كانوا على علم دائم بما يُخطَّط له مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي، لا سيما وأن المبنى كان مُجهّزًا بكاميرات، وكانت الستائر مُسدلة في أغلب الأحيان، ولم يكن البريد يُسلّم إلى المنزل.
واستمرّ بناء النفق لأكثر من عقد، ولم يُسفر، على حدّ تعبير مساعد مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي جون إف. لويس، عن "أي معلومات من أي نوع".
كلّف المشروع المكتب مئات الملايين من الدولارات، من دون نتيجة. كما كشف تحقيق أُجري عام 2001 أنّ عميل مكتب التحقيقات الفيدرالي روبرت هانسن كان عميلًا مزدوجًا، وأنه أبلغ السوفييت بتفاصيل بناء النفق.
في النهاية، وُجّهت إلى هانسن 14 تهمة تجسس، وتهمة أخرى بالتآمر لارتكاب جريمة تجسس، وحُكم عليه بالسجن المؤبد. واليوم، تُذكر عملية "مونوبولي" كواحدة من أكبر عمليات إضاعة الوقت في تاريخ مكتب التحقيقات الفيدرالي.
5- مشروع "شاريوت".. خطة قصف ألاسكا بقنبلة نووية
قام مشروع "شاريوت" على تفجير قنابل نووية في ألاسكا لإنشاء ميناء.
وُضعت الخطة عام 1958، قبل عام واحد من حصول ألاسكا على الاستقلال، كجزء من مبادرة أوسع عُرفت باسم "عملية المحراث" التي سعت في جوهرها إلى البحث عن استخدامات "سلمية" بديلة للأسلحة النووية.
وكجزء من هذه المبادرة، كان هدف "مشروع شاريوت" استخدام خمسة انفجارات نووية حرارية لإنشاء ميناء عميق على بحر تشوكشي، أملًا في تعزيز الاقتصاد من خلال إتاحة تصدير الفحم خلال الأشهر الثلاثة من العام التي لا تتجمد فيها المياه القريبة، وفقًا لموقع "nuclearprinceton".
ولم يمضِ وقت طويل حتى قُوبلت الخطة بالرفض، إذ اعترض عليها النشطاء والعلماء والسكان المحليون الذين كانوا قلقين من أن تقضي الانفجارات على أسلوب حياتهم، حيث كانوا يعتمدون بشكل كبير على صيد الرنة والأسماك والحيتان، وكلها أنشطة ستتأثر سلبًا في حال وقوع انفجارات نووية.
وأشار أحد تقارير هيئة الطاقة الذرية إلى أنّه سيكون "مبالغة كبيرة في الخيال" أن نحاول التنبؤ بنتيجة انفجارٍ نووي افتراضي على بحر تشوكشي.
بحلول عام 1962، كان مشروع "شاريوت" قد انتهى.
6- مشروع 1794.. بناء طبق طائر أسرع من الصوت
بينما يدّعي كثيرون أن الأطباق الطائرة تقنيات من صنع كائنات فضائية، هناك من افترضوا أنّ الأجسام الطائرة المجهولة قد تكون في الواقع من صنع الإنسان، وربما مركبات سرّية طوّرتها حكومات عالمية.
ومن بين هذه المحاولات، "مشروع 1794" الذي نفّذه سلاح الجو الأميركي ويهدف إلى صنع طائرة على شكل صحن طائر. كان من المفترض أن تكون هذه الطائرة أسرع من الصوت وجاهزة للقتال، ويمكن استخدامها لإسقاط القاذفات السوفيتية، إلا أنّ المشروع لم يُكتب له النجاح.
بدأ المشروع في خمسينيات القرن الماضي كتعاون مشترك بين القوات الجوية الأميركية وشركة "أفرو إيركرافت" الكندية. حدّدت القوات الجوية هدفًا طموحًا: طائرة تشبه الصحن الطائر، تسافر عبر طبقة الستراتوسفير بسرعة قصوى تبلغ 2600 ميل في الساعة، وتصل إلى ارتفاع 100 ألف قدم، وتُقلع وتهبط عموديًا. يمكن نشرها في أي مكان تقريبًا، وشكلها مثالي لعمليات التخفي.
إلا أنّ هذه الطائرة لم تستطع القيام بمعظم ما كان من المفترض أن تفعله.
قدّمت طائرات مماثلة ممولة عسكريًا مثل "VZ-9 أفروكار" وعودًا مبهرة؛ إذ كان من المفترض أن تُحلّق بسرعات تصل إلى 300 ميل في الساعة. لكن، وفقًا لمجلة "The National Interest"، لم تصل إلا إلى 35 ميلًا في الساعة، ولم ترتفع عن الأرض إلا ببضعة أقدام، وكانت غير صالحة للاستخدام عمليًا بسبب تأرجحها وميلانها المستمر.
أُغلق "مشروع 1794" في أوائل الستينيات، ومن الطريف أنّ فشله زاد من الغموض المحيط بـ"الأطباق الطائرة"، إذ يُظهر مدى تعقيد هذه التكنولوجيا.
7- "مصّاصو دماء" تابعون لوكالة الـCIA في الفلبين
بعد فترة وجيزة من طرح موظفي مكتب الخدمات الاستراتيجية (OSS) أفكار "عملية فانتازيا" في اليابان، وضعت مجموعة أخرى من مسؤولي وكالة المخابرات المركزية (CIA) خطة مماثلة في الفلبين.
قامت الخطة الأميركية على استثمار أسطورة "أسوانغ"، وهو مخلوق أسطوري يُشبه مصّاصي الدماء، في الحرب النفسية في الفلبين التي كانت تُواجه حربًا أهلية ضد تمرّد "هوك" الشيوعي.
بعد أن حلّقت طائرات فوق القرى وأطلقت لعنات عبر مكبّرات الصوت، زاعمةً أن مَن يواصل مساعدة "الهوك" سيُصاب باللعنة، اختطف عناصر من القوات الأميركية مقاتلًا من الهوك وقتلوه، وثقبوا رقبته بثقبين يُشبهان لدغات مصّاص الدماء، ثم علقوه رأسًا على عقب لاستنزاف دمه. وبعد فترة وجيزة، كشف رفاق "الهوك" عن الجثة ورأوا آثار العضّ.
سواء اعتقدوا حقًا بوجود "أسوانغ" أم لا، فقد فرّ المقاتلون من المنطقة. هكذا حقق "مصّاصو دماء" وكالة المخابرات المركزية الهدف النفسي. لكنها كانت بالتأكيد طريقة وحشية وغريبة للتعامل مع الأمور.
8- القنبلة المثلية.. مؤامرة لإيقاع جنود الأعداء في غرام بعضهم البعض
درس الجيش الأميركي بجدّية بالغة عام 1994 مفهومًا افتراضيًا يقوم على إمكان توقّف الجنود عن القتال إذا أصبحوا جميعًا "مثليين فجأة" ووقعوا في الحب.
كانت الفكرة ابتكار سلاح كيميائي "غير قاتل" لا يقتل جنود العدو، بل يُشتّت انتباههم لفترة كافية تُضعِف فاعليتهم القتالية. تصوّر المخططون تصنيع "قنبلة المثلية" تُحوّل جنود العدو إلى مثليين جنسيًا، عبر وضع كميات كافية من المنشطات الجنسية بحيث ينجذبون لبعضهم البعض إلى درجة أنهم لن يتمكّنوا من التحكّم بأنفسهم.
بالطبع، لم تكن هناك دراسات حقيقية تدعم الفكرة؛ فلا توجد مادة كيميائية مثبَتة قادرة على تغيير التوجّه الجنسي للشخص. ولحسن الحظ، لم تتجاوز الخطة مرحلة التخطيط الأولية.
9- "ترسانة إيدجوود".. تجارب بشرية في حقبة الحرب الباردة
لا تقتصر العمليات السرية للحكومة الأميركية على كونها سخيفة أو غريبة فحسب، بل كانت في بعض الحالات مروّعة للغاية، وبرنامج "ترسانة إيدجوود" خير مثال على ذلك.
خلال الحرب الباردة، وفي منشأة بولاية ماريلاند تُعرف باسم "ترسانة إيدجوود"، أجرى الجيش الأميركي بشكل سرّي تجارب مروّعة على جنوده. شملت إحداها تعريض الجنود لغاز السارين، وهو مادة كيميائية قاتلة طوّرها النازيون ويمكن أن تقتل شخصًا في غضون دقائق. كما تعرّض جنود آخرون للغاز المسيل للدموع وغاز الخردل وأدوية خطيرة.
ووفقًا لمجلة "New Yorker"، أُعطي بعض الجنود، من دون علمهم، عقار "LSD" وهو مادة مهلوسة قوية تؤثّر في العقل. تعرّض معظم الجنود الذين التحقوا بـ"ترسانة إيدجوود" للتضليل، إذ قيل لهم إنهم يُجرون اختبارًا لمعدات عسكرية.
خلّفت التجارب آثارًا نفسية وجسدية على العديد من المتطوّعين. نُقل بعضهم إلى المستشفى، وظلّ آخرون يُعانون من جنون العظمة لأسابيع بعد زوال مفعول الأدوية، بينما أصيب آخرون بالعمى المؤقت أو هلوسات طويلة الأمد. وفي كثير من الحالات، شعر المتطوعون بآثار التجارب لسنوات لاحقة، وعانوا من الاكتئاب وأفكار انتحارية، حتى أنّ بعضهم أصيب باضطرابات في الجهاز العصبي.
استمرّ البرنامج بين عامي 1948 و1975، ولم ينتهِ إلا عندما كشف تحقيق أجراه الكونغرس عن عملية التجنيد القسرية التي اتبعتها "ترسانة إيدجوود" وفشلها في الحصول على موافقة متطوعيها.
10- "مشروع كابريشوس"..إيقاف الفيلق الأفريقي الألماني باستخدام فضلات الماعز
"مشروع كابريشوس" هو خطة وُضعت في أوائل عام 1942، لمواجهة "فيلق أفريقيا" بقيادة الجنرال الألماني إروين روميل، والذي شكّل تهديدًا كبيرًا للقوات الأميركية في القارة السمراء خلال الحرب العالمية الثانية، وفقًا لموقع "weirduniverse".
واقترح مكتب الخدمات الاستراتيجية استخدام الذباب لنشر الأمراض بين جنود روميل في المغرب، من خلال استخدام روث ماعز صناعي محمّل بمسبّبات الأمراض لجذب هذه الحشرات.
وخطّطت الولايات المتحدة لإلقاء هذا البراز الصناعي جوًا في منتصف الليل، مع وجود خطر إصابة المدنيين الأبرياء بالمرض أيضًا.
وفي النهاية، تم إلغاء خطة روث الماعز بعد انسحاب الألمان من المغرب للانتشار في ستالينغراد.