شهد الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) خلال العقدين الأخيرين توسعًا متسارعًا غيّر بصورة جذرية بنية الاقتصاد العالمي، وأنماط الإنتاج، وآليات اتخاذ القرار. فقد أصبح عنصرًا أساسيًا في مجالات متعددة، مثل الصناعة، والرعاية الصحية، والنقل، وتحليل البيانات، والترجمة الآلية، والتنبؤات المعقّدة، بما يعزّز الإنتاجية ويُحدث تحولًا نوعيًا في المجتمعات الحديثة [1].
غير أن هذا التقدم التكنولوجي السريع يرافقه ثمن باهظ، يتمثل في تكاليف مالية ضخمة، وآثار بيئية متزايدة، وبطالة آخذة في التصاعد، بدأت تثير قلق الباحثين وصنّاع السياسات على المستوى العالمي. وكان من أحدث تجليات ذلك تسريح شركة "أمازون" العملاقة نحو 16 ألف موظف، نتيجة مزاحمة الخوارزميات الذكية للعنصر البشري في سوق العمل.
هنا يتقدّم سؤالان عمليان يفرضان نفسيهما:
للإجابة، لا بدّ من تفكيك الصورة إلى طبقاتها، عبر استعراض الاستثمارات الرأسمالية، وتكاليف البنية التحتية، والعتاد والقدرة الحسابية، ثم الكلفة التشغيلية اليومية (طاقة وتبريد وصيانة)، قبل الانتقال إلى الأثر البيئي (انبعاثات ومياه ونفايات إلكترونية) وما ينتج عنه من أعباء صحية واجتماعية، في مقدمتها بطالة ناتجة عن الإحلال التكنولوجي وتعويض الإنسان بالآلة.
ويبقى سؤال أكثر حساسية في الخلفية:
التكلفة المالية لتطوير ونشر الذكاء الاصطناعي
لا يقتصر الحديث عن "كلفة" الذكاء الاصطناعي على نماذج تُشغَّل على الشاشات. فخلف واجهة التطبيقات تقف منظومة استثمارات وبنى تحتية وعتاد وتشغيل يومي، تشكّل مجتمعة فاتورة مالية متصاعدة، قبل أن تتحول لاحقًا إلى ضغط بيئي واجتماعي.
الاستثمارات الرأسمالية والبنية التحتية
اعترف سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، مؤخرًا بأن استخدام الناس لعبارتي "من فضلك" و"شكرًا" عند التفاعل مع روبوتات الدردشة الذكية يكلّف الشركة مبالغ طائلة. وعند سؤاله عن حجم الخسائر الناتجة عن استهلاك الكهرباء بسبب ذلك، أجاب بأن التكلفة تبلغ "عشرات الملايين من الدولارات". [2]
يوفّر هذا التصريح لمحة عن الحجم الهائل لتكاليف البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ولا سيما مراكز البيانات العملاقة (Data Centers). إذ تستثمر شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل غوغل ومايكروسوفت وميتا، مئات المليارات من الدولارات سنويًا في بناء وتشغيل مراكز بيانات قادرة على دعم نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
وتشير التقديرات إلى أن الإنفاق العالمي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ربما تجاوز 320 مليار دولار في عام 2025 وحده، أي ما يقارب ضعف الإنفاق المسجّل عام 2023. [3]
تكاليف العتاد الحاسوبي والقدرة الحسابية
تعتمد نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة على معالجات فائقة الأداء، ولا سيما وحدات معالجة الرسومات (GPUs) ووحدات المعالجة المتخصصة. وتُعد هذه الشرائح من أبرز أسباب تضخم الكلفة، إذ تشير بعض التحليلات إلى أن نحو 39% من تكلفة مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تعود إلى العتاد الحاسوبي وحده. [5]
ومع خطط التوسع المستقبلية، مثل سعي بعض الشركات إلى تشغيل قدرات حاسوبية تصل إلى 250 جيغاواط بحلول عام 2033، يتزايد الاستهلاك الكهربائي إلى مستويات قد تعادل استهلاك دول كاملة، ما يضاعف العبء المالي والبيئي في آن واحد. [6]
التكاليف التشغيلية المستمرة
لا تقتصر تكلفة الذكاء الاصطناعي على البناء والتجهيز، بل تشمل أيضًا النفقات التشغيلية اليومية، مثل استهلاك الكهرباء، وأنظمة التبريد، والصيانة، والموارد البشرية.
وتشير دراسات معهد MIT Sloan إلى أن الطلب المتزايد على الطاقة بسبب الذكاء الاصطناعي قد يجعل القطاع الرقمي مسؤولًا عن نحو 21% من الطلب العالمي على الطاقة بحلول عام 2030، إذا استمرت الاتجاهات الحالية من دون تدخلات تنظيمية. [7]
وفي سياق تفكيك هذه الفاتورة، أشار تحقيق أجرته صحيفة “واشنطن بوست”، بالتعاون مع باحثين من جامعة كاليفورنيا، إلى أن إنشاء بريد إلكتروني واحد من 100 كلمة باستخدام الذكاء الاصطناعي يستهلك نحو 0.14 كيلوواط/ساعة من الكهرباء، أي ما يكفي لتشغيل 14 مصباح LED لمدة ساعة.
وإذا أُرسل بريد إلكتروني واحد أسبوعيًا على مدار عام، فسيصل الاستهلاك إلى 7.5 كيلوواط/ساعة، وهو رقم يعادل تقريبًا استهلاك تسعة منازل في واشنطن العاصمة للكهرباء لمدة ساعة واحدة. [8]
الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي
لا تقتصر كلفة الذكاء الاصطناعي على المال والعتاد والبنية التحتية، بل تمتدّ إلى "بصمة" بيئية آخذة في الاتساع مع تضخّم أحجام النماذج وتزايد عدد المستخدمين، واتساع الاعتماد على مراكز البيانات.
استهلاك الطاقة والانبعاثات الكربونية
يُعد استهلاك الطاقة أبرز أوجه التأثير البيئي للذكاء الاصطناعي، إذ تستهلك مراكز البيانات حاليًا ما بين 1% و2% من إجمالي الكهرباء العالمية، مع توقعات بارتفاع هذه النسبة مع توسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي. [9]
وتشير تقارير حديثة إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يمثل نحو 49% من إجمالي استهلاك الطاقة في مراكز البيانات بحلول عام 2025. [10]
أما من حيث الانبعاثات، فقد قدّرت دراسات أوروبية أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي قد تطلق ما بين 32 و80 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، وهو ما يعادل انبعاثات دول صغيرة أو مدن صناعية كبرى. [11]
استهلاك المياه وأنظمة التبريد
يرتبط استهلاك الطاقة ارتباطًا وثيقًا باستخدام المياه، إذ تعتمد مراكز البيانات على كميات كبيرة من المياه لتبريد الخوادم. وتشير دراسات أجرتها جامعة جنوب كاليفورنيا إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يستهلك ما بين 4.2 و6.6 مليارات متر مكعب من المياه سنويًا بحلول عام 2027، وهي كمية تفوق الاستهلاك السنوي لبعض الدول الصغيرة. [12]
كما كشفت دراسة حديثة أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تستهلك ما يصل إلى 500 مليلتر من الماء، أي ما يعادل زجاجة ماء واحدة، لكل محادثة قصيرة مع المستخدم، أو لكتابة رسالة بريد إلكتروني من 100 كلمة. ويشمل هذا الرقم المياه المستخدمة في تبريد الخوادم، إضافة إلى المياه المستهلكة في محطات توليد الكهرباء اللازمة لتشغيل هذه الأنظمة.
وأوضح باحثون من جامعتي كولورادو ريفرسايد وتكساس أرلينغتون أن البصمة المائية لهذه النماذج، وإن بدت محدودة على مستوى الاستخدام الفردي، تصبح هائلة عند احتساب مليارات المستخدمين حول العالم، ولا سيما في المناطق التي تعاني من شح المياه أو الجفاف المتكرر، ما يثير أسئلة عن العدالة البيئية وتوزيع الموارد.
دورة حياة الأجهزة والنفايات الإلكترونية
يمتد الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي إلى ما هو أبعد من التشغيل، ليشمل استخراج المواد الخام، وتصنيع الشرائح الإلكترونية، والتخلص من الأجهزة القديمة، إذ تعتمد صناعة الرقائق على عناصر نادرة يُستخرج كثير منها بطرق مدمّرة بيئيًا، كما يؤدي قِصر العمر الافتراضي للعتاد إلى زيادة النفايات الإلكترونية، التي تشكّل خطرًا طويل الأمد على البيئة والصحة العامة. [14]
التكاليف الصحية والاجتماعية الخفية
تشير أبحاث حديثة إلى أن الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي يترجم أيضًا إلى تكاليف صحية مباشرة. فقد أظهرت دراسة مشتركة لمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا أن التلوث الناتج عن تشغيل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى آلاف الوفيات المبكرة سنويًا، وتكاليف صحية تُقدّر بمليارات الدولارات. [15]
كما تشير تقديرات أخرى إلى أن تدريب نموذج لغوي كبير واحد قد ينتج ملوثات هوائية تعادل تلك الناتجة عن آلاف الرحلات الجوية الطويلة، ما يسلّط الضوء على العبء الصحي غير المرئي لهذه التكنولوجيا. [16]
أما اجتماعيًا، فيُعد إحلال الآلة محل الإنسان في سوق العمل من أبرز المخاطر المصاحبة لانتشار الذكاء الاصطناعي.
ويشير تقرير لشبكة CNBC إلى أن الذكاء الاصطناعي كان مسؤولًا عن نحو 55 ألف حالة تسريح في الولايات المتحدة خلال عام واحد، وفقًا لشركة الاستشارات "تشالنجر، غراي آند كريسمس"، من أصل 1.17 مليون حالة تسريح سُجلت حتى عام 2025، وهو أعلى مستوى منذ جائحة كوفيد-19. [17]
وعلى الرغم من ذلك، ترى بعض الدراسات أن نطاق الوظائف المهددة لا يزال محدودًا نسبيًا، إذ تشير تقديرات مركز غولدمان ساكس إلى أن نحو 2.5% فقط من الوظائف في الولايات المتحدة قد تكون معرضة لخطر الاستغناء عنها في حال التوسع الكامل في استخدام الذكاء الاصطناعي.
وتتركز المهن الأكثر عرضة للتأثر في مجالات البرمجة، والمحاسبة، والخدمات القانونية والإدارية، وخدمة العملاء، والتدقيق اللغوي، في حين تبقى مهن أخرى أقل عرضة، مثل مراقبي الحركة الجوية، والأطباء المتخصصين، والرؤساء التنفيذيين، ورجال الدين. [18]
هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقلل الضرر البيئي؟
ما فائدة الذكاء الاصطناعي إذا كان يهدد الموارد التي نحتاجها للبقاء؟[21]
مصادر ومراجع: