تمسك بالسلطة رغم تصدع حزب العمال.. ستارمر يراهن على التوجه نحو أوروبا
بعد سنوات من القطيعة السياسية التي فرضها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، تبدو المملكة المتحدة وكأنها تعيد رسم علاقتها مع أوروبا من جديد.
وفي خطاب حمل أبعادًا سياسية واقتصادية واضحة، أرسل رئيس الحكومة البريطانية كير ستارمر إشارات عن رغبته في إعادة تموضع المملكة المتحدة داخل أوروبا. ويأتي هذا التحول بعد نحو عقد من استفتاء "بريكست" الذي أعاد رسم علاقة لندن بالقارة الأوروبية.
ورغم أن الخطاب لم يتضمن سياسات جديدة كثيرة، فإنّه حمل وعودًا بإحداث "تغييرات جذرية" في البلاد، شملت تعزيز العلاقات مع أوروبا، وتوفير فرص عمل أفضل للشباب، إلى جانب تعهدات بتوسيع تدخل الدولة في بعض القطاعات الاستراتيجية، ومنها قطاع صناعة الصلب البريطاني.
مسار بريطاني جديد
وتعهّد ستارمر بإعادة بلاده إلى "قلب أوروبا"، مؤكدًا أن حكومته ستعمل على بناء علاقة أوثق مع الاتحاد الأوروبي بما يعزز الاقتصاد البريطاني والتبادل التجاري والتعاون الدفاعي، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية وضغوطًا اجتماعية متزايدة.
قال ستارمر إن حكومته ستتبنى "مسارًا جديدًا لبريطانيا" خلال القمة المرتقبة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، والمتوقع عقدها أواخر يونيو/حزيران أو مطلع يوليو/تموز المقبلين، في خطوة تعكس توجّه حزب العمال نحو تقارب أكبر مع بروكسل بعد سنوات من التوتر السياسي.
واعتبر ستارمر أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي جعل البلاد "أفقر" و"أضعف"، في انتقاد مباشر للتيار المؤيد لـ"البركيست"، وعلى رأسه زعيم حزب "إصلاح المملكة المتحدة" نايجل فاراج المعروف بمواقفه المتشددة تجاه الاتحاد الأوروبي والهجرة.
وألمحت الحكومة إلى إعداد تشريعات تسمح بما وصفته بـ"المواءمة الديناميكية" للمعايير البريطانية مع نظيراتها الأوروبية، خصوصًا في قطاع الأغذية، بهدف تسهيل حركة التجارة وتقليل القيود التنظيمية بين الجانبين.
كما تأمل لندن وبروكسل التوصل إلى اتفاق بشأن برنامج لتنقل الشباب، إلى جانب إعادة انضمام المملكة المتحدة إلى برنامج التبادل الطلابي الأوروبي "إيراسموس+" اعتبارًا من 2027، في خطوة تُعد مؤشرًا إضافيًا على إعادة فتح قنوات التعاون مع الاتحاد الأوروبي.
ومن المنتظر أن يعلن الملك تشارلز الثالث رسميًا تفاصيل هذه التوجهات خلال "خطاب الملك" أمام البرلمان، وهو الخطاب الذي يحدد الأولويات التشريعية للحكومة خلال المرحلة المقبلة.
رفض التنحي
وفي موازاة رهانه على إعادة التقارب مع أوروبا، يُحاول ستارمر احتواء أزمة داخلية متصاعدة داخل حزب العمال، بعد النتائج السيئة التي مُنِيَ بها الحزب في الانتخابات المحلية الأخيرة، والتي اعتُبرت الأسوأ لحزب حاكم منذ أكثر من ثلاثة عقود.
وسعى رئيس الوزراء البريطاني، في خطابه الحماسي، إلى تهدئة الغضب داخل حزبه والتأكيد على تمسكه بالسلطة، قائلاً بشكل واضح: "لن أنسحب"، في إشارة إلى رفضه الدعوات المتزايدة للتنحي أو التشكيك بقدرته على قيادة الحزب والحكومة.
وأقرّ ستارمر بوجود حالة إحباط داخل الشارع البريطاني، قائلًا إن المواطنين "محبطون من وضع بريطانيا، ومحبطون من السياسة، وبعضهم محبط مني شخصيًا"، مضيفًا أنه يدرك وجود مشككين بقدرته على قيادة المرحلة المقبلة، لكنه تعهد بـ"إثبات أنهم مخطئون".
كما حاول استمالة نواب حزب العمال الذين تصاعدت انتقاداتهم لقيادته عقب الخسائر الانتخابية الأخيرة، محذرًا من أن الحزب لا يستطيع تحمّل المزيد من الانقسامات الداخلية في وقت يواجه فيه صعود حزب "إصلاح المملكة المتحدة" الشعبوي، إضافة إلى تنامي نفوذ حزب الخضر.
ومنذ عودة حزب العمال إلى السلطة في يوليو 2024، بدأت الحكومة البريطانية خطوات تدريجية لإعادة التقارب مع الاتحاد الأوروبي، وهو مسار تسارع في الأشهر الأخيرة، خاصة مع سعي لندن إلى تنويع شراكاتها الاقتصادية والسياسية في ظل التوترات الدولية المتصاعدة.