استشهد 13 مدنيًا وأصيب 24 آخرون بنيران إسرائيلية في جنوب سوريا، خلال عملية توغل نفذها جيش الاحتلال في بلدة بيت جن في ريف دمشق الغربي.
وهذه العملية هي الأكثر دموية منذ سقوط نظام بشار الأسد قبل نحو عام.
هجوم بيت جن
من جهته، أعلن الجيش الإسرائيلي إصابة ستة جنود إسرائيليين، ثلاثة منهم إصاباتهم بالغة، في تبادل إطلاق النار خلال تنفيذه العملية.
وقال جيش الاحتلال الإسرائيلي، إن قواته تعرضت لإطلاق نار من مسلحين خلال العملية التي جرت ليلًا لاعتقال مشتبه بهم ينتمون إلى مجموعة يطلق عليها اسم "الجماعة الإسلامية".
ووصف الجيش الهجوم بأنه جزء من العمليات الاعتيادية التي يقوم بها في المنطقة منذ أشهر.
كما فتح الاحتلال تحقيقًا في أسباب الفشل الميداني، بعد وقوع قوة عسكرية في كمين أسفر عن إصابة ستة 6 عسكريين، وسط ترجيحات بتسرب معلومات حساسة قبل العملية، وفق موقع واللا.
إلى ذلك، وصفت الخارجية السورية ما جرى في بيت جن بجريمة مكتملة الأركان، مؤكدة أن استمرار الاعتداءات يشكل تهديدًا خطيرًا للسلم والأمن الإقليمي، ويستوجب موقفًا دوليًا حازمًا لوقف هذه الانتهاكات.
كما دانت دولة قطر التوغل الذي قامت به القوات الإسرائيلية في ريف دمشق، وما رافقه من قصف أدى إلى سقوط عدد من الضحايا المدنيين، واعتبرته انتهاكًا صارخًا لسيادة سوريا والقانونين الدولي والإنساني.
بدورها، أدانت الأمم المتحدة الهجوم الإسرائيلي، مضيفة أن هذه الأعمال تزيد من زعزعة الاستقرار في بيئة هشة بالفعل.
"نقطة تحوّل"
تعليقًا على المشهد، يقول مروان قبلان، مدير وحدة الدراسات السياسية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات: "للمرة الأولى ربما، تتكبّد قوات الاحتلال خسائر بشرية منذ أن بدأت اعتداءاتها الواسعة على سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي”.
ويضيف في إطلالة على شاشة التلفزيون العربي من استديوهاته في لوسيل، أن "الدخول إلى سوريا والخروج منها لم يعد نزهة بالنسبة لقوات الاحتلال، وبات عليها أن تحسب ألف حساب"، وهو الأمر الذي يصفه بـ"تطور إيجابي".
ويشير قبلان إلى أن المقاربة السابقة في التعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية كانت خاطئة، شارحًا أن "إظهار الضعف زاد أطماع إسرائيل، التي كلما أظهر خصمها ضعفًا ازدادت شراسة وصعدت اعتداءاتها".
ويؤكد أن "الخطر الذي يهدد سوريا اليوم، وحدةً وسيادةً وأرضًا، يأتي من إسرائيل بلا شك".
ورغم "الثمن الباهظ" الذي دُفع اليوم، يرى قبلان أن الحدث مهم للغاية، مضيفًا أن بيان وزارة الخارجية كان الأعلى سقفًا خلال الأشهر الماضية، بعدما كانت البيانات السابقة "ضعيفة وخجولة، وتقدم تبريرات غير مقبولة بحجة الانشغال بالتنمية وكأنها نقيض لمقاومة الاحتلال".
"خطر حقيقي"
بدوره، يؤكد عصمت العبسي، الخبير الأمني والإستراتيجي، أن هذا الاشتباك لم يكن الأول جنوبي سوريا، فإسرائيل تدخل برًا إلى مناطق منزوعة السلاح وفق اتفاقية عام 1974، لكنها لم تدخل أي منطقة غير منزوعة السلاح بحسب الاتفاق نفسه، إلا وتعرضت لضربات.
ويضيف العبسي في حديث للتلفزيون العربي من دمشق: عدد الشهداء في بيت جن هو الأعلى، والأضرار الإسرائيلية كانت الأعلى أيضًا.
ويلفت العبسي إلى أن شراسة الأهالي في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي زادت بعدما بات ينفذ اعتقالات تعسفية، إذ يوجد معتقلون سوريون في سجون الاحتلال منذ نحو ستة أو سبعة أشهر.
ويوضح أن الأهالي، في بداية الأحداث، كانوا ينظرون إلى دخول القوات الإسرائيلية على أنه مجرد محاولة لفرض السيطرة أو الضغط على الحكومة، لكن بعد سلسلة من الممارسات باتوا ينظرون إلى ما تفعله إسرائيل على أنه خطر حقيقي، ولم يعد الأمر مجرد قضية سياسية.
ويشير إلى أن المقاومة في بلدات كويا ثم نوى ثم بيت جن كانت تزداد ضراوة كلما تزايدت الاعتداءات الإسرائيلية.
كما يوضح أن مناطق مثل بيت جن ونوى كانت من مراكز الاشتباك القوية ضد قوات الأسد، وما زال شباب هذه المناطق يحتفظون بسلاحهم، ويرفضون دخول أي قوة إسرائيلية.
ويقول العبسي إن الأمور باتت أقرب إلى الفزعة أو المقاومة الشعبية، إذ إن الأهالي يتواصلون فور دخول أي دورية إسرائيلية، ويتسابق الشباب للتصدي لها.
"رغبة إسرائيلية بمنع تشكّل أي مقاومة شعبية"
من جانبه، يعتبر امطانس شحادة، مدير برنامج "دراسات إسرائيل" في مركز مدى الكرمل في حيفا، أن إسرائيل تسعى إلى فرض معادلة أن لديها الحرية المطلقة للعمل العسكري أينما تريد وفي التوقيت الذي تراه مناسبًا، على المنطقة والإقليم، فهي تفعل ذلك في غزة والضفة الغربية ولبنان - في كل المناطق اللبنانية وليس فقط الجنوب - وكذلك في الجنوب السوري الذي أصبح قسم منه تحت الاحتلال.
ويضيف شحادة في حديث للتلفزيون العربي من حيفا، أن إسرائيل باتت تعمل وفق فرضية أو عقيدة أمنية جديدة تختلف عمّا كانت عليه قبل السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
مفاد تلك العقيدة هي أن أي تهديد أو أي أمر يحتمل أن يتحول مستقبلًا إلى تهديد يجب التعامل معه منذ البدايات، وفق ما يقول.
ويشرح أن إسرائيل تفعل ذلك أولًا لأنها تملك فائض قوة ولم تواجَه بأي ردع أو أثمان لعملياتها العسكرية حتى الآن، وثانيًا بسبب التراجع في "الثقة بالنفس الإسرائيلية".
ويردف: "بعد السابع من أكتوبر، ورغم ما تعتبره إنجازات عسكرية، إلا أنه يعكس عدم ثقة بأنها قادرة على التعامل مع تهديدات مستقبلية، ولذلك تسعى إلى القضاء عليها وهي في مرحلة التكوين".
ويضيف شحادة أن إسرائيل تشخص إمكانية نشوء مقاومة شعبية في الجنوب السوري من قبل السكان، وتريد منع ذلك تمامًا، فهي تدرك أن بقاءها العسكري هناك لا يمكن أن يستمر من دون مواجهة، وأن نشوء مقاومة شعبية مسألة وقت لا أكثر.