Skip to main content

توفي عن 35 عامًا في باريس.. نساء مودلياني و"عارياته" بعيونهن المطفأة

السبت 8 أغسطس 2026
عاش موديلياني في الفقر، وأصبحت لوحاته بعد رحيله من أشهر أعمال الفن الحديث وأغلاها ثمنًا - غيتي

في الرابع والعشرين من يناير/ كانون الثاني 1920، توفي الفنان والنحّات الإيطالي أميدو موديلياني بعد معاناة طويلة مع مرض السل، كان آنذاك في الخامسة والثلاثين من عمره. ويعيش وحيدًا في باريس مع رفيقته الفرنسية جين هيبوتيرن.

كانت جين في الحادية والعشرين من عمرها، وحاملًا بطفلهما الثاني وقريبة من نهاية حملها. وكانت قد تركت كل شيء وراءها، بما فيه عائلتها الكاثوليكية لتلتحق به وتعيش معه في باريس.

لم تتحمّل جين رحيل الفنان، البوهيمي والمتمرد، فألقت نفسها من الطابق الخامس، في اليوم التالي لوفاته، لتلحق به في عالم الموت، مع طفلهما الذي لم يولد.


كانت هيبوتيرن أشهر عارضات موديلياني، وظهرت في لوحاته أكثر من أي امرأة أخرى؛ إذ رسمها في أكثر من 20 لوحة، لكنها لم تظهر عارية في أي منها، رغم أن "عاريات موديلياني" تُعدّ من أشهر أعماله في تاريخ الفن الحديث.

ولد موديلياني عام 1884 في مدينة ليفورنو بمقاطعة توسكاني الإيطالية، لعائلة يهودية كانت مشرفة على الإفلاس. 

تروي سيرته أن ولادته أنقذت عائلته من الإفلاس التام. فعندما جاء رجال تنفيذ القانون للحجز على أملاكها، جمعت والدته، التي كانت في أواخر حملها، أصول العائلة ومقتنياتها ووضعتها على سريرها. وامتنع رجال التنفيذ عن مصادرتها امتثالًا لقانون محلي قديم يحظر الحجز على سرير امرأة حامل أو أم تحمل طفلًا حديث الولادة.


موديلياني.. حياة قصيرة بين الفقر والمرض


لكن حظ العائلة "السعيد" بولادته لم يتكرّر معه، إذ عاش موديلياني معظم سنوات حياته يعاني الفقر والأمراض الصدرية، ولم تحظ أعماله بإقبال يُذكر لدى مقتني الفن في باريس، التي كانت آنذاك موئلًا لواحدة من أخصب مراحل الفن التشكيلي في القرن العشرين.

لم يبتسم له القدر إلا بعد وفاته، حين أصبح أحد أبرز رموز الفن الحديث، وبيعت بعض أعماله بأسعار قياسية، كان ثمن واحدة منها كفيلًا بتغيير مصيره جذريًا لو ظل على قيد الحياة.


"عارية مستلقية".. لوحة بيعت بـ170.4 مليون دولار


في عام 2015، أصبحت إحدى لوحاته ثاني أغلى عمل فني يُباع في مزاد علني حتى ذلك الوقت، بعد لوحة "نساء الجزائر" لبابلو بيكاسو، التي بيعت في وقت سابق من العام نفسه مقابل 179.4 مليون دولار لدى دار كريستيز في نيويورك.

بيعت لوحة موديلياني "عارية مستلقية" مقابل 170.4 مليون دولار في مزاد نظّمته الدار نفسها، واشتراها رجل الأعمال الصيني ليو يي تشيان، علمًا أن كريستيز كانت تقدّر سعرها بنحو 100 مليون دولار.

تُظهر اللوحة، التي أُنجزت بين عامي 1917 و1918، امرأة عارية مستلقية على أريكة حمراء ووسادة زرقاء.

كانت اللوحة ضمن سلسلة من "العاريات" رسمها موديلياني في باريس بين عامي 1916 و1919، بتشجيع من الشاعر البولندي وجامع الأعمال الفنية وتاجرها ليوبولد زبوروفسكي.


عاريات موديلياني وصراعهن الداخلي


يقدّر بعض نقاد الفن ومؤرخيه عدد هذه اللوحات بنحو 30 لوحة، أي ما يقارب عُشر إنتاج موديلياني من اللوحات الزيتية، وأصبحت الأعلى ثمنًا بين أعماله.

تميّزت هذه اللوحات بحسيّتها العالية التي عدّها بعض معاصريه متطرفة و"فاجرة"، ولا سيما أن كثيرًا من عارياته، مثل شخصيات بورتريهاته، تميّزن بعيون مطفأة. ورأى بعض النقاد أن هذه العيون تنظر إلى الداخل، وربما ضاعف ذلك من تأثير العري في مشاهديها.



 صورة تعود إلى عام 1910 لموديلياني في مرسمه بباريس - غيتي

عاريات موديلياني جريئات وعاديات يمكن أن يصادفهن المرؤ في أي مكان، والأهم من ذلك أن عريهن "الفج" يعكس ثقة بالنفس وسعادة واحتفالًا بالجسد نفسه، ما يضفي على اللوحات حسّية واضحة من دون أن يحصرها في الإثارة الإيروسية.

أما لماذا، فذلك بسبب نظرات عيونهن، المطفأة، الخالية غالبًا من البؤبؤ، ما يكسر حدّة النظرة الشهوانية إلى الجسد العاري، ولهذا تبدو عارياته المعلّقات في المتاحف كأنهن في صراع لا ينتهي بين شهوانية أجسادهن وتأملات أرواحهن وانشغالاتهن الداخلية.  


ارتبطت عاريات موديلياني بمعرضه الوحيد الذي أشرف على إقامته صديقه الشاعر البولندي زبوروفسكي عام 1917 ومُنع قبل افتتاحه، إذ أغلقت الشرطة الفرنسية المعرض بعد انتقادات للوحات باعتبارها تخدش الحياء، ما أثار ضجة كبرى في باريس آنذاك، وضاعف من جاذبية موديلياني في الأوساط الثقافية.

أعناق طويلة وعيون مطفأة


لم تكن تلك سوى محطة في رحلة الفنان الفريدة في تاريخ الفن الحديث. فعلى خلاف عدد من أقرانه، من بيكاسو إلى كاندينسكي، حافظ موديلياني على نزعته التعبيرية وأسلوبه الخاص وألوانه المميزة. ولم ينضوِ كليًا تحت التكعيبية أو الوحشية أو سواهما من الحركات التشكيلية الناشئة والقوية الحضور آنذاك، ولم يكن معنيًا بالتنويع بقدر ما بدا كمن يحفر في المكان نفسه بحثًا عن أعماق أخرى.

ذلك ما يفسّر ربما أن أغلب لوحات موديلياني بورتريهات (نحو 90% من لوحاته)، وتظهر فيها النساء أو الرجال بأعناق طويلة لافتة للانتباه بطولها (تظهر جمال الجسد وهشاشته أيضًا وتضاعف الشعور بوحدته)، وبأنوف مستطيلة تبدو منحرفة على نحو ما، مع انحناء الجسد نفسه أو الوجه بحيث يبدو مائلًا وغير معني بالثبات، أما العيون فمطفأة بلا بؤبؤ غالبًا.

كان ذلك يبدو للوهلة الأولى تمردًا على "المقياس" أو المعيار، وتمردًا على ضرورة مراعاة النسب بين عناصر الوجه بل حتى في أي عنصر منه منفردًا، ما يعكس ربما اضطرابًا نفسيًا وفكريًا لدى الفنان وجد تمثلاته في لوحاته ووجوه نسائه.

دفع ذلك النقاد إلى البحث في أثر الفنون الإفريقية، ولا سيما الأقنعة، إلى جانب الفن المصري القديم، في أعماله، في مرحلة شهدت اهتمام بيكاسو وعدد من فناني الحداثة بالمصادر نفسها.



 يبدو الوجه في بورتريهات موديلياني كأنه قناع يُخفي بقدر ما يكشف، وكأن اللوحة ليست سوى طبقة من طبقات أخرى حجبها الفنان عن المتلقي، ودعاه إلى مواصلة الحفر للوصول إليها.

كيف حضر الفن الإفريقي في أعمال موديلياني؟


تعرّف موديلياني في باريس عام 1909 إلى النحّات الروماني قسطنطين برانكوسي (1876-1957)، أحد أبرز نحّاتي القرن العشرين. وتوثقت علاقتهما، فتزايد اهتمام موديلياني بالنحت المباشر في الحجر وبالفنون الإفريقية والمصرية القديمة، وكرّس جانبًا كبيرًا من عمله بين عامي 1909 و1914 للنحت، قبل أن تتدهور صحته ويعود إلى الرسم.

أنتج موديلياني في تلك المرحلة نحو 26 منحوتة حجرية، معظمها رؤوس ووجوه طويلة ذات ملامح مختزلة، عُدّ بعضها فريدًا ومبتكرًا. ومن بينها منحوتة "رأس"، التي بيعت مقابل 70.7 مليون دولار في مزاد أقامته دار سوذبيز في نيويورك عام 2014، مسجلة آنذاك رقمًا قياسيًا لأعماله.



بيعت منحوتة موديلياني "رأس" مقابل 70.7 مليون دولار عام 2014 - غيتي

نساء في حياة موديلياني 


لازم المرض، من التيفوئيد إلى السل، موديلياني منذ طفولته. وربما لذلك كانت رموزه الكبرى في لوحاته قليلة ومتكررة وواضحة؛ فالعيون المطفأة والأعناق الطويلة والأنوف المستطيلة قد تجسّد التناقض بين القوة والضعف، والصراع بين الرؤية والرؤيا، وتُخفي هشاشة الإنسان المعاصر الذي ربما رأى الفنان نفسه فيه.

كأنما اللوحة نفسها قناعه، يختفي خلفه ويُخفي ما يراه، فيما تنظر شخصيات بورتريهاته إلى داخلها وتعيش فيه.

كانت والدته مصدر قوة وإلهام له، وحبلًا سريًا لم ينقطع مع الحياة ولا مع موهبته التي رعتها وشجّعته على ملاحقتها، حتى حين قادته بعيدًا عنها من إيطاليا إلى باريس.


رغم تأثر موديلياني الكبير بوالدته، فإنها لم تظهر في أي من لوحاته - غيتي 

كانت يوجيني غارسان، المولودة في مدينة مرسيليا الفرنسية عام 1855، امرأة قوية ومثقفة تتقن عدة لغات. وتوفيت عام 1927، بعد رحيل ابنها أميدو بسبع سنوات.

بعد إفلاس زوجها، أسّست مدرسة خاصة بما نجحت في إنقاذه من أموال عائلتها اليهودية.

بعد إصابته بالتيفوئيد في طفولته، تولّت تعليمه في المنزل حتى العاشرة من عمره. وعندما عبّر خلال نوبات الهذيان التي رافقت مرضه عن رغبته في رؤية لوحات فلورنسا وروما، اصطحبته في مراهقته في رحلة عبر إيطاليا شاهد خلالها أبرز أعمال عصر النهضة، ثم ألحقته بمدرسة الرسام غولييلمو ميكيلي في مدينة ليفورنو، مسقط رأسه.

لبّت بعد ذلك رغبته في الانتقال إلى فلورنسا للالتحاق بالمدرسة الحرة للرسم العاري، ومنها إلى البندقية، قبل أن يقرر عام 1906 الذهاب إلى باريس، حيث واصلت دعمه ماليًا.


باريس.. من آنا أخماتوفا إلى جين هيبوتيرن


في باريس، أُعجب موديلياني بأعمال بول سيزان، وتعرّف إلى بيكاسو وجان كوكتو ودييغو ريفيرا وسواهم. والتقى أيضًا الشاعرة الروسية آنا أخماتوفا، التي كانت متزوجة من الشاعر نيكولاي غوميليوف، ونشأت بينهما صلة وثيقة أثارت لاحقًا تكهنات بشأن طبيعتها العاطفية.

لم تظهر أخماتوفا في أي من لوحاته الزيتية، لكنها كانت عارضة له في نحو 16 رسمًا تخطيطيًا نفّذها بأقلام الرصاص.



بعد ذلك، ارتبط موديلياني بالناقدة والشاعرة البريطانية بياتريس هاستينغز لنحو عامين. وعاشا علاقة عاطفية عاصفة تخللتها خلافات حادة وإفراط في الشراب والمخدرات.

كانت بياتريس موضوعه في عدد من اللوحات، يُقدّر بنحو 14 عملًا.

بعد انفصاله عنها، تعرّف موديلياني إلى جين هيبوتيرن، التي أصبحت رفيقته وظهرت في أكثر من 20 من لوحاته.

كانت في التاسعة عشرة من عمرها عندما التقاها في حي مونبارناس بباريس. وكانت طالبة فنون شابة، جميلة، ذات شعر كستنائي طويل، وامتلكت بدورها موهبة في الرسم.



كانت جين في التاسعة عشرة من عمرها عندما تعرّفت إلى موديلياني - غيتي

لم تكن جان صورة أخرى لأمه المثقفة، القوية، المستقلة بذاتها، كما اختلفت أيضًا عن أخماتوفا وبياتريس اللتين صنعت كل منهما مسارها الأدبي والفكري.

اختلفت جين عن أمه القوية والمستقلة، وعن أخماتوفا وبياتريس اللتين صنعت كل منهما مسارها الأدبي.

كانت مجرد طفلة، وفي بداية طريقها الفني، حين فُتنت بالفنان الإيطالي ودخلت عالمه.

تركت كل شيء وراءها ما إن التقته. تركت عائلتها وطبقتها ومعتنقها الديني من أجله، فهجرتها عائلتها البورجوازية الكاثوليكية لارتباطها بموديلياني اليهودي، وعندما مات بسبب السُل كانت آخر وجه يراه.


 تركت كل شيء وراءها ما إن التقته. تركت عائلتها وطبقتها ومعتنقها الديني من أجله، فهجرتها عائلتها البورجوازية الكاثوليكية لارتباطها بموديلياني اليهودي، وعندما مات بسبب السُل كانت آخر وجه يراه.


في اليوم التالي لوفاته في 24 يناير/كانون الثاني 1920، ألقت جان بنفسها من الطابق الخامس، ما أكمل أسطورة موديلياني، صنيع النساء، الذي رسمهن بعيون مطفأة، بلا بؤبؤ، وتركهن بعده معلّقات في لوحاته على جدران المتاحف، كأنهن أحلامه، كأنهن احتمالاته في هذه الحياة.    
المصادر:
موقع التلفزيون العربي
شارك القصة