تونس في مونديال 2026.. هل يكسر "نسور قرطاج" عقدة الدور الأول؟
لم يعد ظهور منتخب تونس في كأس العالم حدثًا عابرًا أو استثنائيًا. فقد رسّخ "نسور قرطاج" حضورهم بين أبرز المنتخبات العربية والإفريقية في البطولة، بعد التأهل إلى النسخة المقبلة للمرة السابعة في تاريخهم، والثالثة تواليًا بعد نسختي روسيا 2018 وقطر 2022.
ومع النسخة الموسعة التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك بمشاركة 48 منتخبًا، يأمل "نسور قرطاج" في كسر العقدة التاريخية وبلوغ الدور الثاني للمرة الأولى.
لكن الطريق لتحقيق مثل هذا الإنجاز لن يكون سهلًا. فقد أوقعت القرعة تونس في مجموعة قوية تجمع بين الكرة الأوروبية والآسيوية والتجربة الهولندية الواسعة، ما يجعل الحلم مشروطًا ببداية مثالية وحسابات دقيقة.
مجموعة تونس في مونديال 2026
أوقعت قرعة كأس العالم 2026 المنتخب التونسي في المجموعة السادسة إلى جانب هولندا واليابان والسويد، وهي مجموعة لا تمنح "نسور قرطاج" أفضلية واضحة، لكنها لا تغلق الباب أمام الطموح.
فالهولنديون يدخلون البطولة بإرث كبير في كأس العالم وخبرة طويلة في الأدوار الإقصائية، بينما تمثل اليابان أحد أكثر منتخبات آسيا تطورًا وانضباطًا خلال العقدين الأخيرين. أما السويد، فتملك مدرسة أوروبية صلبة، وقد تكون مواجهة تونس معها مفتاح المشوار كله.
مباريات تونس في كأس العالم 2026
كيف تأهلت تونس إلى كأس العالم 2026؟
شقّ المنتخب التونسي طريقه إلى مونديال 2026 عبر مشوار تصفيات اتسم بصلابة دفاعية لافتة وانضباط تكتيكي واضح.
بدأ المنتخب مرحلة التصفيات تحت قيادة فوزي البنزرتي، قبل أن يتولى سامي الطرابلسي المهمة ويقود الفريق إلى صدارة سلسلة من الانتصارات المتتالي، لينهي "نسور قرطاج" التصفيات في صدارة مجموعتهم برصيد 28 نقطة من أصل 30 ممكنة.
وكان الجانب الدفاعي العلامة الأبرز في مشوار التأهل، بعدما حافظ المنتخب التونسي على شباكه نظيفة طوال 10 مباريات كاملة، في رقم يعكس صرامة التنظيم وقدرة الفريق على إدارة المباريات بأقل قدر من المخاطر.
وحسمت تونس بطاقة التأهل رسميًا بعد الفوز القاتل على غينيا الاستوائية بهدف سجله محمد علي بن رمضان.
لكن مرحلة ما بعد التأهل شهدت تغييرًا فنيًا مهمًا، بعد إقالة سامي الطرابلسي وتعيين صبري لموشي مدربًا للمنتخب. وبدأ لموشي سريعًا مرحلة اختبار الخيارات قبل المونديال، إذ أعلن في مارس/ آذار 2026 قائمة موسعة استعدادًا لمباريات ودية في أميركا الشمالية.
تاريخ تونس في كأس العالم
يُعد المنتخب التونسي من أكثر المنتخبات العربية انتظامًا في الحضور المونديالي، لكنه يحمل في الوقت نفسه عقدة واضحة: الخروج من الدور الأول في كل مشاركاته السابقة.
فمنذ الظهور الأول عام 1978، مرّت تونس بمحطات عدة في كأس العالم، بين بداية تاريخية في الأرجنتين، وعودة طويلة الانتظار في فرنسا 1998، ثم مشاركات متتالية نسبيًا في النسخ الحديثة.
ومع ذلك، لم يتمكن "نسور قرطاج" حتى الآن من بلوغ الدور الثاني، رغم تحقيق انتصارات بارزة تركت أثرًا مهمًا في الذاكرة العربية والإفريقية.
الأرجنتين 1978.. بداية صنعت التاريخ
في مدينة روساريو، قلب المنتخب التونسي تأخره أمام المكسيك إلى فوز تاريخي بنتيجة (3-1)، بفضل أهداف علي الكعبي ونجيب غميض ومختار ذويب. وبذلك أصبح أول منتخب إفريقي يحقق انتصارًا في كأس العالم، في محطة فتحت الباب أمام حضور إفريقي أكثر ثقة في البطولة.
واصل "نسور قرطاج" ظهورهم القوي رغم الخسارة أمام بولندا بهدف نظيف، ثم فرضوا التعادل السلبي على ألمانيا الغربية، بطلة العالم آنذاك، في نتيجة بقيت من أبرز البصمات العربية والإفريقية في تلك الحقبة.
ورغم الخروج من دور المجموعات، تركت تونس انطباعًا عالميًا مبكرًا، وقدّمت نفسها كمنتخب قادر على منافسة مدارس كروية عريقة.
قطر 2022.. فوز على فرنسا لم يكفِ للعبور
دخلت تونس مونديال قطر 2022 ضمن مجموعة قوية ضمت فرنسا والدنمارك وأستراليا، ولم تكن مرشحة بقوة للمنافسة على التأهل.
لكن المنتخب التونسي قدّم أداءً قويًا منذ البداية، فاستهلّ مشواره بتعادل سلبي أمام الدنمارك، في مباراة أظهر فيها تنظيمًا دفاعيًا واضحًا وروحًا عالية. ثم خسر أمام أستراليا بهدف دون رد، وهي نتيجة جعلت مهمة العبور أكثر تعقيدًا قبل الجولة الأخيرة.
وفي الجولة الأخيرة، صنع "نسور قرطاج" واحدة من أبرز مفاجآت البطولة، بعدما فازوا على فرنسا بطلة العالم بهدف سجله وهبي خزري، في لحظة بقيت راسخة في الذاكرة التونسية والعربية.
لكن الفوز لم يكن كافيًا. فقد انتصرت أستراليا على الدنمارك، وغادرت تونس الدور الأول بأربع نقاط، لتتكرر المفارقة التي رافقتها في أكثر من نسخة: أداء مشرف، لحظة كبيرة، وخروج مبكر.
وهبي خزري.. الهداف التاريخي لتونس في المونديال
ما الذي تحتاجه تونس لعبور الدور الأول؟
تدخل تونس مونديال 2026 بخبرة أكبر من نسخ سابقة، وبثقة مستمدة من مشوار تصفيات قوي دفاعيًا. لكن العبور يحتاج إلى أكثر من الصلابة.
تحتاج تونس إلى بداية ناجحة أمام السويد، لأن المباراة الأولى قد تحدد سقف الطموح في المجموعة. كما تحتاج إلى فاعلية هجومية أكبر، خصوصًا أن المنتخب لطالما امتلك القدرة على تقليل خطورة الخصوم، لكنه عانى أحيانًا في تحويل التنظيم الدفاعي إلى فرص وأهداف.
كذلك سيكون على صبري لموشي إيجاد توازن واضح بين الحذر والجرأة. فمجموعة تضم اليابان وهولندا والسويد لا تسمح بالانكفاء الدائم، ولا تكافئ الأخطاء الصغيرة.
هل تنتهي عقدة الدور الأول؟
تونس ليست وافدًا جديدًا على كأس العالم، لكنها تدخل نسخة 2026 وهي تطارد إنجازًا لم يتحقق بعد. فقد صنعت لحظات مهمة في تاريخ البطولة، من فوز المكسيك عام 1978 إلى الانتصار على فرنسا في قطر 2022، لكنها لم تنجح حتى الآن في تحويل تلك اللحظات إلى عبور.
لهذا، تبدو نسخة أميركا الشمالية اختبارًا مختلفًا. فالمنتخب يملك خبرة مونديالية متراكمة، ومسار تأهل قويًا، وجيلًا اعتاد المنافسة القارية والدولية. لكنه يواجه أيضًا مجموعة صعبة ومدربًا جديدًا مطالبًا بإنجاز سريع.
بين صلابة الدفاع وحلم الهجوم، وبين ذاكرة 1978 وفرصة 2026، يقف "نسور قرطاج" أمام سؤالهم التاريخي الأهم: هل يكون المونديال السابع هو موعد كسر عقدة الدور الأول؟