في سابقة من نوعها في تاريخ تونس، وبمحاكمات تُجرى عن بُعد، أصدرت المحكمة الابتدائية المختصة في قضايا الإرهاب سلسلة من الأحكام بالسجن بحق عدد من السياسيين والمسؤولين السابقين، في ما يُعرف بقضية "التآمر على أمن الدولة 2".
ويشمل هذا الملف 21 متهمًا، من بينهم رئيس البرلمان السابق ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، ورئيس الحكومة الأسبق يوسف الشاهد، إضافة إلى سياسيين وعدد من القيادات الأمنية وموظفي الدولة، وسط دعوات من منظمات حقوقية بضرورة توفير ضمانات المحاكمة العادلة واحترام الإجراءات القانونية.
النهضة ترفض الأحكام
ورفضت حركة النهضة الأحكام الصادرة بحق عدد من قيادييها، معتبرة أنها تأتي في سياق ما وصفته بتصفية الخصوم السياسيين وتوظيف القضاء في معركة سياسية مفتوحة.
وشددت الحركة في بيانات وتصريحات رسمية على تمسكها ببراءة قياداتها، وعلى ضرورة احترام الحريات وحقوق الدفاع في غياب أدنى شروط المحاكمة العادلة.
كما قالت الحركة إن الأحكام والاتهامات مبنية على تلفيق وتوظيف سياسي فج، وتدار بمنطق الانتقام لا العدالة. وأنها بطبيعة الحال تمثل غطاء على فشل السلطة في إدارة الشأن العام.
ومع حضور اتهامات التآمر، ترتفع أصوات حقوقية في تونس مشيرة إلى غياب المحكمة الدستورية، ومؤكدة أن الخطاب الرسمي صار ميالًا إلى تأطير الأزمات السياسية والاجتماعية التي تعصف بالبلاد ضمن منطق التهديدات والمؤامرات.
والمحاكمات التي جرت بغياب معايير العدالة جزء من مشهد البلاد التي تدار بمنطق الحصار الداخلي. و"المؤامرة" هي القاموس الرسمي للدولة، تفسر كل حدث، وتبرر كل قمع، وتعيد صياغة الواقع بلغة الخوف، كما يقول الرافضون لخطوات السلطة.
"هيئة الدفاع تطالب بمحاكمات علنية"
وفي هذا الإطار، يقول سمير بن عمر، عضو هيئة الدفاع في قضية "التآمر على أمن الدولة"، إن "هذه المحاكمات تكتسي صبغة سياسية بحتة، كونها تفتقد إلى الحجج التي تدين المتهمين في هذه القضية".
ويضيف بن عمر، في حديث إلى التلفزيون العربي من تونس، أن هذه المحاكمة مشبوهة، وجمعت أشخاصًا لم يلتقوا في حياتهم، وجرى اتهامهم بالتآمر".
واعتبر أن تهمة التآمر أصبحت رياضة وطنية في تونس، حيث إنه منذ عهد (الحبيب) بورقيبة، لم يكن عدد المحاكمات على خلفية التآمر يتعدى أصابع اليد الواحدة.
ويقول: "اليوم هناك مؤامرة 1، ومؤامرة 2، ومؤامرة 3، وجميع هذه المحاكمات تُقام بزعم التآمر على السلطة القائمة وقلب نظام الحكم، ويتّهم فيها أشخاص بأنهم يريدون استخدام القوة لتغيير النظام وفرض توجهاتهم". واستدرك قائلًا: "لا توجد أي قرائن مادية يمكن أن تُقنع بوجود مؤامرة على أمن الدولة".
ويلفت بن عمر إلى أن "هيئة الدفاع طالبت بأن تكون المحاكمات علنية، وأن تُبث مباشرة على التلفزيون الرسمي، حتى يطّلع الناس على صدقية الاتهامات الموجهة للمتهمين".
وتابع: "لقد أصرت الدولة على التعتيم الإعلامي بشأن هذه المحاكمات، حيث لا تنشر وسائل الإعلام مرافعات المحكمة، وهو أمر لم يحدث حتى في عهدي بورقيبة وبن علي، ما يعكس ضعف الملف، وخوف السلطة من اطلاع الرأي العام على مجريات المحاكمة".
ونوّه إلى أن "المحاكمة عن بُعد لا تستند إلى أي إطار قانوني في مثل هذه القضايا، بل أصبحت جميع المحاكمات السياسية تُجرى بهذه الطريقة".
ويضيف بن عمر أن "السلطات القضائية قدّمت مبررات تتعلق بالمخاطر الأمنية، لكن تونس، بوجه عام، تُعد من أكثر العواصم العربية أمنًا واستقرارًا، فنحن لا نعيش تحت وطأة الرصاص أو القنابل، وبالتالي لا توجد تهديدات حقيقية؛ بل إن ما اتخذته السلطات ليس إلا شماعة".
ويلمح إلى أن "هيئة الدفاع ركزت على دحض هوية الشاهد السرّي والطعن في شهادته، لكن في ظل هذه المحاكمات لا يمكن توفير أبسط ضمانات العدالة، فمثلًا لا توجد أي اتصالات بين بعض المتهمين".
"خطاب سلطوي مهيمن"
من جانبه، يرى الباحث السياسي طارق الكحلاوي أن "محاكمات بهذه الأهمية ينبغي أن تُعرض على الرأي العام، لكن تم تضييع الفرصة، ولا سيما أن محتوى الملفات معروض بدقة لدى المحكمة".
ويوضح الكحلاوي، في حديث إلى التلفزيون العربي من تونس، أن "ملف قضية التآمر 1 و2 -وهي تسميات إعلامية - لا علاقة لهما ببعضهما البعض".
ويشير إلى أن مضمون الملفين ليس مرتبطًا، بل إن ما يجمع بينهما هو التكييف القضائي ضمن قانون مكافحة الإرهاب، إلى جانب واقع أن أغلبية المتهمين هم شخصيات محترمة تمثل تيارات سياسية.
وينوّه الكحلاوي إلى أن مثل هذه المحاكمات، وبهذه الطريقة، ترمز إلى أن المشهد السياسي يهيمن عليه خطاب سلطوي تمثله السلطة السياسية والأحزاب التي تدافع عن هذا المسار.
ويضيف: "أما المعارضة التي تعارض هذا المسار، فهي تعاني من مناخ من الخوف، وسط حالة من الإحباط، خصوصًا بعد الانتخابات الأخيرة".
وختم بالقول: "المشهد الحالي هو مشهد سياسي راكد، ولا يُمثّل نقطة إيجابية للبلاد، إذ يمكن أن يؤثر ذلك سلبًا على الاقتصاد".
"المحاكمة مطلب شعبي"
بدوره، يقول عبد الرزاق الخولي، المحامي والناشط السياسي: "نحن أمام أحكام صادرة عن القضاء، ويمكن لأي طرف أن يتخذ موقفًا منها".
ويضيف الخولي، في حديث إلى التلفزيون العربي من تونس، أن "هذا الملف يُعدّ من الملفات المطروحة في إطار المحاسبة في تونس، وهي مطلب شعبي. واليوم يتم تنفيذها من قِبل القضاء، الذي تعهّد بهذه القضايا واطّلعت عليها كل من النيابة العامة وهيئة الدفاع والمحامون".
وتابع: "هناك إجراءات تم احترامها في إطار المحاكمة العادلة، وهو ما أدى إلى صدور قرار المحكمة، حتى وإن كانت المحاكمة تُجرى عن بُعد؛ حيث قدّرت المحكمة أن ذلك ضروري للحفاظ على الأمن القومي، نظرًا لوجود مخاطر معيّنة تُقيَّم ضمن صلاحياتها المنصوص عليها في القانون"، حسب قوله.