الثلاثاء 17 فبراير / فبراير 2026
Close

ثائر ومتمرد ومبدع.. رحيل الموسيقار اللبناني زياد الرحباني

ثائر ومتمرد ومبدع.. رحيل الموسيقار اللبناني زياد الرحباني

شارك القصة

يعتبر زياد الرحباني عراب ما يعرف بالجاز الشرقي
يعتبر زياد الرحباني عراب ما يعرف بالجاز الشرقي- غيتي
الخط
خسر لبنان الفنان زياد الرحباني نجل السيدة فيروز الذي يعد من أكثر الموسيقيين تأثيرًا في أبناء جيله الذي ترك بصمة لا تمحى من خلال أعماله.

غيب الموت، اليوم السبت، الفنان اللبناني زياد الرحباني عن عمر ناهز 69 عامًا، بعد مسيرة فنية حافلة ترك فيها بصمته العميقة في الموسيقى والمسرح، وأحدث خلالها انقلابًا فنيًا في الساحتين اللبنانية والعربية، وارتبط اسمه لدى كثيرين بالتمرّد، والسخرية، والصدق المؤلم، والالتزام الصلب بقضايا الناس.

وزياد، الابن البكر للفنانة الكبيرة فيروز والراحل عاصي الرحباني، يُعد أحد أبرز المجددين في الموسيقى العربية والمسرح السياسي الساخر، وصاحب مدرسة فنية متفرّدة مزجت بين الموسيقى الشرقية والجاز والكلاسيك، وغاصت في أعماق الواقع اللبناني والعربي، سياسيًا واجتماعيًا، بعين ناقدة وساخرة.

البدايات.. موهبة مبكرة وتمرد فني

في السابعة عشرة من عمره، كتب زياد أول ألحانه لوالدته فيروز، أغنية "سألوني الناس"، التي غنّتها على المسرح بينما كان زوجها عاصي في المستشفى، فكانت تلك الأغنية بمثابة الإعلان عن ميلاد صوت فني جديد ومختلف.

لاحقًا، لحن لفيروز مجموعة من الأغاني التي أصبحت علامات في مسيرتها، مثل: "كيفك إنت"، "بلا ولا شي"، "صباح ومسا"، "وحدن"، "ع هدير البوسطة"، "يا جبل الشيخ"، "حبيتك تنسيت النوم"، وغيرها من الأغاني التي مثلت تحولًا في تجربتها بعد الأخوين رحباني.

وفي الوقت ذاته، كان زياد يرسم طريقًا خاصًا به، عبر المسرح، حيث قدم أولى مسرحياته "سهرية" عام 1973، ثم تبعتها أعمال أصبحت جزءًا من الذاكرة الجماعية اللبنانية، مثل: "نزل السرور" (1974)، "بالنسبة لبكرا شو؟" (1978)، "فيلم أميركي طويل" (1980)، "شي فاشل" (1983)، "بخصوص الكرامة والشعب العنيد" (1993)، و**"لولا فسحة الأمل" (1994)**.

تميّزت هذه المسرحيات بالسخرية اللاذعة، والحوار الحي، وتشريحها العميق للواقع اللبناني في ظل الطائفية والحرب الأهلية، ما جعلها أكثر من مجرد عروض فنية؛ كانت مواقف حادة، واستبصارات اجتماعية وسياسية في آن.

يُعَدّ زياد الرحباني صاحب مدرسة فنية متفرّدة مزجت بين الموسيقى الشرقية والجاز والكلاسيك - غيتي
يُعَدّ زياد الرحباني صاحب مدرسة فنية متفرّدة مزجت بين الموسيقى الشرقية والجاز والكلاسيك - غيتي

فنان الناس.. صوت المعذبين والمهمشين

عرف زياد الرحباني بانحيازه الواضح إلى الناس البسطاء، وإلى همومهم اليومية، التي عبّر عنها في أغانيه ومسرحياته ومقالاته. وكانت أعماله مرآة للبنانيين الذين أنهكتهم الحرب والانقسام والفساد، كما في أغنية "أنا مش كافر" أو في ألبومه الشهير "هدوء نسبي" الذي جمع فيه الجاز بالموقف السياسي.

وفي برامج إذاعية مثل "العقل زينة" و**"بعدنا طيبين قول الله"**، أطلّ الرحباني بنكهته الخاصة، الساخرة والعميقة في آن، وطرح أفكاره حول الواقع اللبناني، ما جعله جزءًا من الوعي الشعبي والسياسي لجيل بأكمله.

عرف زياد بمواقفه السياسية الحادة والصريحة، إذ كان يساريًا ملتزمًا، مناصرًا للقضية الفلسطينية، مناهضًا للطائفية والاحتلال والاستغلال. وعبّر مرارًا عن إعجابه بصمود الفلسطينيين، وصرّح في إحدى المقابلات: "الفلسطينيين هني كل يوم واقفين... ما بيصح إلا الصحيح".

عرف زياد الرحباني بانحيازه الواضح إلى الناس البسطاء، وإلى همومهم اليومية
عرف زياد الرحباني بانحيازه الواضح إلى الناس البسطاء، وإلى همومهم اليومية - غيتي

حزن وصدمة على وفاة زياد الرحباني

خبر رحيل زياد الرحباني نزل كالصاعقة على اللبنانيين، الذين يرون بزياد الرحباني امتدادًا متجددًا لآل الرحباني، ولاسيما أبناء جيله من اليسارييين الذين كان زياد "عرابًا" لهم، عبر طرحه السياسي في أعمال سواء الغنائية أو المسرحية. 

وبحسب تقارير صحافية، فإنّ زياد عانى من مرض في الكبد لمدة طويلة قبل رحيله، فيما احتل اسمه سريعًا مواقع التواصل الاجتماعي، واستعاد الناشطون أقواله وأعماله، وسط حالة حزن عارمة.

وقد نعاه كبار المسؤولين والسياسيين والفنانين، وامتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بصوره وأغانيه وأقواله، حيث كتب رئيس مجلس الوزراء نواف سلام: "يفقد لبنان فنانًا مبدعًا استثنائيًا وصوتًا حرًا ظل وفيًا لقيم العدالة والكرامة"، مضيفًا: "من على خشبة المسرح، وفي الموسيقى والكلمة، قال زياد ما لم يجرؤ كثيرون على قوله".

وقال رئيس الجمهورية جوزيف عون: "لم يكن مجرد فنان، بل حالة فكرية وثقافية متكاملة"، فيما رثاه رئيس مجلس النواب نبيه بري، قائلًا: "لبنان من دون زياد... اللحن حزين والكلمات مكسورة".

برحيل زياد الرحباني، يفقد لبنان أحد أبرز رموزه الفنية المعاصرة - غيتي
برحيل زياد الرحباني، يفقد لبنان أحد أبرز رموزه الفنية المعاصرة - غيتي

وكتبت جريدة الأخبار التي كان له فيها عمود دائم: "لم يكن قدَر زياد أن يكون مجرّد امتداد لعائلة الرحابنة. لقد اختار باكرًا أن يكون انشقاقًا ناعمًا، وصوتًا متفرّدًا".

وشاركت الممثلة كارمن لبّس، التي جمعها به تاريخ شخصي وفني، في رثائه بمرارة: "كل شي راح... حاسة إنو لبنان فاضي".

وحتى لحظة إعداد هذا المقال، لم يُعلن رسميًا عن موعد التشييع، لكن مصادر رجّحت أن تتم مراسم الدفن في بيروت، بمشاركة رسمية وشعبية واسعة.

ذاكرة موسيقية لا تشبه أحدًا

برحيل زياد الرحباني، يفقد لبنان أحد أبرز رموزه الفنية المعاصرة، وصوتًا ظلّ طوال أكثر من خمسة عقود مرآة لوجع الناس، وأحد أندر من صاغوا الحزن السياسي والوجودي بلغة ساخرة، وبموسيقى بقيت عصيّة على التصنيف.

لم يكن زياد صدى لعائلة الرحابنة، بل كان صوته الخاص، المختلف، المنكسر، المتفائل بمرارة، والمتجذّر في وجدان وطن لم ينصفه، لكنه خلد فيه.

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي / وكالات