الأربعاء 22 أبريل / أبريل 2026
Close

ثلاثة عقود من التحولات: رؤساء سوريا بين الانتداب والاستقلال والوحدة

ثلاثة عقود من التحولات: رؤساء سوريا بين الانتداب والاستقلال والوحدة محدث 24 سبتمبر 2025

شارك القصة

هاشم الأتاسي، أحد أبرز رؤساء سوريا ومهندس دستورها الأول، يضع إكليلاً من الزهور على ضريح الجندي المجهول في دمشق عام 1937
هاشم الأتاسي، أحد أبرز رؤساء سوريا ومهندس دستورها الأول، يضع إكليلاً من الزهور على ضريح الجندي المجهول في دمشق عام 1937 - غيتي
هاشم الأتاسي، أحد أبرز رؤساء سوريا ومهندس دستورها الأول، يضع إكليلاً من الزهور على ضريح الجندي المجهول في دمشق عام 1937 - غيتي
الخط
من الانتداب إلى الوحدة مع مصر، تعاقب رؤساء سوريا بين دساتير وانقلابات، من صبحي بركات إلى شكري القوتلي، قبل عهد الأسد الطويل.

تعاقب على رئاسة سوريا أكثر من 20 رئيسًا خلال مئة عام، بعضهم بصفة مؤقتة، واستمر آخرون في السلطة عدة سنوات، ومنهم من حكم لأكثر من ولاية.

والمفارقة أنّ البلاد التي حكمها في الـ54 سنة الماضية رئيسان فقط (حافظ الأسد وابنه بشار)، تناوب على رئاستها نحو 10 رؤساء في الـ30 عامًا الأولى من تأسيسها، ما بين إعلان الجمهورية أثناء الانتداب الفرنسي، ثم عهد الاستقلال، وصولًا إلى الوحدة مع مصر، باسم “الجمهورية العربية المتحدة” برئاسة جمال عبد الناصر.

هذه نبذة عن رؤساء سوريا في تلك الحقبة: من هم، وكيف ومتى تولّى كلّ منهم السلطة وغادرها؟

1- صبحي بركات

احتلّ الفرنسيون سوريا عام 1920، وقسّموها لتسهيل السيطرة عليها، فأنشؤوا دولة لبنان الكبير، ودولة دمشق، ودولة حلب، بالإضافة إلى إقليم علوي عاصمته اللاذقية، وإدارة ذاتية لجبل الدروز، ونظامًا إداريًا خاصًا في لواء إسكندرون. لكنّ الرفض الشعبي دفع فرنسا إلى إنشاء “الاتحاد السوري” في يونيو/ حزيران 1922، ويضمّ دولتي حلب ودمشق والإقليم العلوي، وتعيين مجلس اتحادي من 15 عضوًا، 5 ممثلين عن كلّ منها، وانتخب المجلس صبحي بركات رئيسًا للاتحاد.

وُلد صبحي بركات في أنطاكية عام 1882 لأسرة سياسية من نسل الصحابي خالد بن الوليد، وكان والده عضوًا في مجلس المبعوثان العثماني. تلقّى تعليمه في مدينته ثم في المدرسة الملكية في اسطنبول. وبدأ نشاطه السياسي نائبًا في المؤتمر السوري العام سنة 1919، وانضم إلى الثورة ضد الفرنسيين بقيادة إبراهيم هنانو، ثم انتقل إلى العمل السياسي في ظل الانتداب، فانتُخب عضوًا في المجلس التمثيلي لحلب فالبرلمان المركزي بدمشق عام 1922.

في عهده تأسست الجامعة السورية عام 1923 بدمج كليتَي الحقوق والطب، وتأسّس مصرف سوريا ولبنان، وصدرت أول عملة ورقية سورية. وعند حلّ الاتحاد وإعلان تأسيس دولة سوريا مطلع عام 1925، أصبح بركات أول رئيس للدولة السورية الوليدة، وبقي حتى اندلاع الثورة السورية الكبرى، فاستقال في ديسمبر/ كانون الأول 1925 احتجاجًا على قصف دمشق.

انتُخب عضوًا في الجمعية التأسيسية التي وضعت دستور سوريا الجمهوري الأول عام 1928، وخاض انتخابات 1932، وانتُخب رئيسًا للبرلمان. تحالف لاحقًا مع الكتلة الوطنية في نضالها ضدّ الانتداب، فتوتّرت علاقته بالفرنسيين، واعتزل الحياة السياسية. قضى سنواته الأخيرة في أنطاكية، وتوفي في اسطنبول عام 1949 عن 67 عامًا.

2- أحمد نامي

بعد استقالة بركات، عيّنت سلطات الانتداب الداماد أحمد نامي رئيسًا للدولة والحكومة سنة 1926.

وُلد نامي في بيروت عام 1878، وكان والده رئيسًا لبلديتها. عائلته شركسية قدمت من القوقاز إلى مصر في القرن التاسع عشر، وعمل جدّه محمود نامي في قصر محمد علي باشا، ثمّ مستشارًا لإبراهيم باشا أثناء حملته على سوريا، وبقي في بيروت بعد انسحاب الحملة المصرية.

انتسب أحمد نامي إلى الكلية الحربية في اسطنبول، لكنّه لم ينخرط في الجيش، وفضّل العمل الإداري في مكتب الديون العثمانية، ولُقّب بالدّاماد (صهر السلطان) بعد زواجه من إحدى بنات السلطان عبد الحميد.

استعان الرئيس نامي بشخصيات من التيار الوطني في حكومته، مثل فارس الخوري ولطفي الحفار، وطالب فرنسا بإطلاق المعتقلين السياسيين، وإجراء انتخابات جمعية تأسيسية تضع دستورًا للبلاد، وتحويل انتدابها على سوريا إلى معاهدة بين البلدين. ودعاها للحوار مع قادة الثورة السورية، فردّت بالتصعيد، وهاجمت السويداء وحيّ الميدان، واعتقلت ثلاثة وزراء بتهمة التعاون مع الثوار.

اشتدّت المعارضة ضدّ نامي، فاستقال في فبراير/ شباط 1928، وانتقل إلى فرنسا، ليعمل محاضرًا في تاريخ الشرق الأوسط في السوربون، حتى وفاته عام 1962.

أحمد نامي، ثاني رئيس للدولة السورية، متوسطًا أعضاء حكومته - ويكيبيديا
أحمد نامي، ثاني رئيس للدولة السورية، متوسطًا أعضاء حكومته - ويكيبيديا
أحمد نامي، ثاني رئيس للدولة السورية، متوسطًا أعضاء حكومته - ويكيبيديا

3- تاج الدين الحسني

بعد استقالة نامي، عيّن المندوب السامي بونسو الشيخ تاج الدين الحسني رئيسًا مؤقتًا، وهو من مواليد 1885، والده بدر الدين الحسني، أحد كبار علماء الدين في دمشق.

درس تاج الفقه الإسلامي واللغة العربية، وعمل مدرسًا في المدرسة السلطانية بدمشق سنة 1912، ثم رئيسًا لتحرير جريدة “الشرق” العثمانية، حتى انسحاب العثمانيين من سوريا سنة 1918. انتُخب عضوًا في المؤتمر السوري العام، وشارك في تتويج الأمير فيصل ملكًا، وعُيّن مديرًا للقصر الملكي. وبعد نهاية العهد الفيصلي، سافر إلى باريس، وبنى علاقات مع مسؤولي الخارجية الفرنسية، قبل العودة إلى دمشق.

نظّمت حكومة الحسني الموالية لفرنسا انتخابات الجمعية التأسيسية سنة 1928 من دون تفاهم بين المندوب السامي الفرنسي والوطنيين، لكن النتائج جاءت في صالحهم. وفي مايو/ أيار انعقدت الجمعية التأسيسية في دمشق، وانتخبت هاشم الأتاسي لرئاستها، وباشرت العمل على الدستور الأول للجمهورية السورية، وأقرّه أعضاؤها في أغسطس/ آب 1928.

لم يُعجب الدستورُ المندوبَ السامي، فطالب بتعديله ووافقه الحسني، لكنّ الجمعية رفضت، فعطّل المندوب أعمالها، ثمّ حلّها، وأصدر الدستور معدّلًا سنة 1930. أُجريت الانتخابات سنة 1932، وانتخب المجلس النيابي محمد علي العابد ليكون أول رئيس جمهورية في سوريا، وانتقل الشيخ تاج إلى المعارضة، حتى عودته إلى الرئاسة أثناء الحرب العالمية الثانية.

4- محمد علي العابد

وُلد في حيّ ساروجة عام 1867 لعائلة تجارية وسياسية خدمت العثمانيين لأجيال. كان جدّه هولو متصرّفًا في مناطق مختلفة، وأبوه أحمد عزت باشا السكرتير الثاني للسلطان عبد الحميد، وأحد السوريين الأكثر نفوذًا في السنوات الأخيرة من حكمه.

درس العابد أصول الدين في بيروت على يد الشيخ محمد عبده، ثم انتقل إلى فرنسا وحاز شهادتين في الهندسة والقانون من السوربون. عُيّن بعد تخرجه مستشارًا في العدلية، ثم سفيرًا في واشنطن عام 1908، وعُزل بعد بضعة أسابيع عندما وقع الانقلاب على السلطان عبد الحميد.

المفارقة أنّ البلاد التي حكمها في الـ54 سنة الماضية رئيسان فقط (حافظ الأسد وابنه بشار)، تناوب على رئاستها نحو 10 رؤساء في الـ30 عامًا الأولى من تأسيسها

في عهد الرئيس العابد انطلقت مفاوضات الكتلة الوطنية وفرنسا لإنهاء الانتداب، فعطّل الفرنسيون البرلمان السوري بعد فشل المفاوضات، ووقع الإضراب الستيني الشهير احتجاجًا على إغلاق مكتب الكتلة واعتقال بعض الزعماء الوطنيين، ثم استؤنفت المفاوضات في باريس، وانتهت بتوقيع معاهدة 1936 التي أعطت سوريا استقلالًا تدريجيًا، مقابل امتيازات فرنسية.

أمام التأييد الجماهيري الكبير لزعماء الكتلة عند عودتهم إلى دمشق، استقال الرئيس العابد أواخر سبتمبر/ أيلول 1936، وجرت انتخابات مبكّرة فازت فيها الكتلة بغالبية مقاعد المجلس النيابي، وانتخب المجلس هاشم الأتاسي رئيسًا للجمهورية خلفًا للعابد، الذي اعتزل الحياة السياسية، وعاش سنواته الأخيرة في مدينة نيس الفرنسية، وتوفي فيها عام 1939، ونُقل جثمانه إلى دمشق، وحظي بجنازة رسمية، ووُضع على نعشه العلم السوري الذي أقرّه في بداية حكمه، وهو العلم السوري الحالي (علم الاستقلال).

5- هاشم الأتاسي

وُلد في مدينة حمص عام 1873 لأسرة اشتهرت بالقضاء وعلوم الدين؛ تولّى جدّه ووالده منصب مفتي المدينة، وشغل والده عضوية مجلس المبعوثان في إسطنبول. تلقّى علومه في حمص وبيروت وإسطنبول، وبدأ حياته العملية موظفًا في الدولة العثمانية، فشغل مناصب إدارية في مناطق مختلفة من بلاد الشام، وتميّز بالنزاهة والاستقامة.

مع انهيار الحكم العثماني، برز الأتاسي واحدًا من قادة الحراك الوطني، فانتُخب رئيسًا للمؤتمر السوري العام، الذي أعلن استقلال سوريا وبايع الأمير فيصل ملكًا. كان لهاشم الأتاسي بصمته في صياغة دستور “المملكة السورية” عام 1920، وترأس الجمعية التأسيسية عام 1928، فاكتسب لقب “أبو الدستور”.

بعد الثورة السورية الكبرى، أسّس الأتاسي وتزعّم الكتلة الوطنية التي قادت النضال السياسي ضد الانتداب، وترأس الوفد الوطني إلى باريس، ووقّع معاهدة 1936 التي اعترفت باستقلال سوريا وبنظامها الجمهوري، ليُنتخب بعدها رئيسًا للجمهورية.

من أبرز الأحداث في عهده فصل لواء إسكندرون عن سوريا وإلحاقه بتركيا، ووقوع اضطرابات في مناطق الساحل وجبل الدروز وشمال شرق البلاد، ومماطلة فرنسا في تنفيذ معاهدة 1936، وصولًا إلى رفض تصديقها.

في هذه الظروف، تقدّم الرئيس هاشم الأتاسي باستقالته إلى البرلمان في 7 يوليو/ تموز 1939 (سيعود إلى الرئاسة بعد الاستقلال)، فأمرت فرنسا بحلّ المجلس النيابي وتعطيل الدستور، وتولّي المفوض السامي الفرنسي السلطتين التشريعية والتنفيذية، فشكّل حكومة من مديري الوزارات المختلفة برئاسة مدير وزارة الداخلية بهيج الخطيب، ثم خالد العظم، فكانت حكومة تكنوقراط في غياب البرلمان ورئيس الجمهورية.

6- تاج الدين الحسني يعود للرئاسة

بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية واحتلال الألمان فرنسا، تشكّلت حكومة فيشي المتعاونة معهم، وأعلنت القوات الفرنسية في سوريا ولاءها لها، حتى يونيو/ حزيران 1941، حين دخلت القوات البريطانية وحليفتها قوات فرنسا الحرة بقيادة الجنرال ديغول سوريا ولبنان، وهزمت القوات الموالية لحكومة فيشي والألمان.

أعلنت قوات فرنسا الحرّة أنها ستمنح سوريا ولبنان استقلالهما، وزار ديغول سوريا، والتقى هاشم الأتاسي الذي رفض التعاون مع الفرنسيين وتوقيع معاهدة جديدة، فجدّد الفرنسيون إعلان استقلال سوريا في سبتمبر/ أيلول 1941، وعيّنوا تاج الدين الحسني الموالي لهم رئيسًا، وبقي حتى وفاته في يناير/ كانون الثاني 1943، فأصبح رئيس الحكومة جميل الألشي رئيسًا بالوكالة لشهرين، حيث أعاد الفرنسيون العمل بالدستور، وتشكلت حكومة مؤقتة مهمتها التحضير للانتخابات النيابية، وتولى عطا الأيوبي رئاسة الدولة والحكومة.

7- شكري القوتلي

جرت الانتخابات في يوليو/ تموز 1943، ونال مرشحو الكتلة الوطنية غالبية مقاعد البرلمان، وانتُخب شكري القوتلي رئيسًا للجمهورية.

وُلد القوتلي في حيّ الشاغور بدمشق عام 1891، لعائلة تعمل بالتجارة والزراعة. درس اللغة الفرنسية في مدرسة الآباء العازريين بحيّ باب توما، ونال الثانوية في مدرسة مكتب عنبر سنة 1908. انتقل إلى اسطنبول لدراسة العلوم السياسية في المعهد الملكي، وتخرج سنة 1913. كان عضوًا في “الجمعية العربية الفتاة” التي سعت إلى تحرير العرب من الاستبداد العثماني، فاعتُقل وعُذّب على أيدي الأتراك، وحاول الانتحار للحفاظ على أسرار الجمعية، وبقي معتقلًا حتى انسحاب العثمانيين من دمشق ودخول القوات العربية إليها.

عند سقوط الحكم الفيصلي واحتلال الفرنسيين سوريا، عارضهم القوتلي ودعم الثورات ضدهم، فحُكم بالإعدام مرتين، عام 1920 و1925، وفي الحالتين كان يقصد مصر لاجئًا سياسيًا، ويعود إلى سوريا بعد صدور عفو من سلطات الانتداب، ويواصل نشاطه الوطني. وفي سنوات المنفى، تنقّل القوتلي بين مصر والجزيرة العربية، ناسجًا علاقات سياسية متينة مع عبد العزيز آل سعود مؤسس المملكة العربية السعودية، وسيستمر هذا الحلف في مواجهة الأسرة الهاشمية في العراق والأردن طيلة حياة القوتلي السياسية.

في عهد القوتلي طالبت الحكومتان السورية واللبنانية فرنسا بتحويل المفوضية الفرنسية إلى بعثة دبلوماسية، ونقل الصلاحيات السيادية التي تحتفظ بها فرنسا إلى حكومتي البلدين، كما ألغى المجلس النيابي السوري المادة 116 من الدستور، التي أضافها المندوب السامي عام 1930 لتقييد سيادة سوريا وصلاحيات الرئيس، وبهذا أصبحت دولة مستقلة.

شكري القوتلي، مع زوجته بهيرة الدالاتي وابنتهما عام 1957 - ويكيبيديا
شكري القوتلي، مع زوجته بهيرة الدالاتي وابنتهما عام 1957 - ويكيبيديا

قاد القوتلي حراكًا دبلوماسيًا نشطًا لكسب الدعم الدولي لاستقلال سوريا، فراسل قادة كبريات دول العالم، كالولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وبريطانيا، والتقى رئيس الوزراء البريطاني تشرشل في مصر، وجرى الاتفاق على إعلان سوريا الحرب على ألمانيا وحلفائها ودعم المجهود الحربي البريطاني، مقابل دعوتها لحضور مؤتمر تأسيس الأمم المتحدة بمدينة سان فرانسيسكو في أبريل/ نيسان 1945.

بعد نقل الصلاحيات إلى الحكومة السورية، ماطل الفرنسيون في تسليم القوات العسكرية والشرطة، واستقدموا قوات إضافية، فانتفض السوريون وتعرّضت المواقع الفرنسية لهجمات. وفي أواخر مايو/ أيار 1945، استولى المنتفضون على معظم المقار الرسمية والمباني العامة، فقصف الفرنسيون دمشق، بما فيها مبنى البرلمان، وسقط مئات القتلى والجرحى. وبضغط بريطاني، جرى وقف إطلاق النار، وبدأ الفرنسيون تسليم الثكنات والمطارات العسكرية للحكومة السورية في يونيو/ حزيران 1945، وأعلن القوتلي الأول من أغسطس/ آب 1945 عيدًا وطنيًا بمناسبة تأسيس الجيش السوري. وفي 17 أبريل/ نيسان 1946، أنهى الفرنسيون سحب قواتهم من سوريا، واحتفل السوريون بعيد الجلاء.

8- شكري القوتلي في ولايته الثانية

انتهت ولاية القوتلي الأولى سنة 1947، فعمل حلفاؤه على حشد أصوات النواب لتعديل الدستور، بحيث يُتيح له الترشح لولاية ثانية. وهكذا، أُعيد انتخابه في أغسطس/ آب 1947، ليواجه تحديات جسيمة مثل قرار تقسيم فلسطين، وإرسال جيش الإنقاذ إليها، ثم قيام دولة إسرائيل، ودخول الجيش السوري والجيوش العربية حربًا ضدها في مايو/ أيار 1948، انتهت بهزيمة العرب وضياع فلسطين.

وقعت اضطرابات في الشارع نتيجة التأثر الشعبي بالهزيمة وتحميل الحكومة المسؤولية، كونها خفّضت عدد الجيش وقصّرت في إعداده للحرب. ومع اشتداد المظاهرات، استعان الرئيس بالجيش لفرض الأمن. ومع تبادل السياسيين وقادة الجيش الاتهامات بالمسؤولية عن “النكبة”، بدأ الجيش يتدخّل في الحياة السياسية. وعلى خلفية التوتر المتصاعد بين السياسيين والعسكر، وانكشاف فضيحة فساد تتعلق بتموين الجيش، وقع أول انقلاب عسكري ليلة 29-30 مارس/ آذار 1949، بقيادة رئيس الأركان حسني الزعيم.

اعتُقل الرئيس القوتلي ليلة الانقلاب في سجن المزة، قبل أن يُنقل إلى المشفى بسبب حالته الصحية. وفي 6 أبريل/ نيسان 1949، استقال بنص مكتوب وجّهه إلى الشعب السوري، وسُمِح له بمغادرة البلاد إلى منفى يختاره، فمضى إلى سويسرا ثم مصر، حيث ابتعد عن السياسة إلى حين، وسيعود بعد خمس سنوات إلى ولاية رئاسية ثالثة.

9- حسني الزعيم

وُلد حسني الزعيم لعائلة كردية في مدينة حلب سنة 1889، ودرس في مدارسها ثمّ التحق بالجيش العثماني، ورُقّي إلى رتبة ملازم أول سنة 1917. وقع في أسر الإنجليز خلال الحرب العالمية الأولى، وبعد إطلاق سراحه تطوّع في الجيش العربي بقيادة الأمير فيصل.

بعد احتلال الفرنسيين سوريا، التحق بالكلية العسكرية وتنقّل في قطعات الجيش مترقّيًا حتى رتبة عقيد عام 1941، حيث سُرّح وحوكم بقضايا فساد. أمضى الزعيم سنوات في السجن، قبل أن يُطلق الرئيس شكري القوتلي سراحه، ويعيده للخدمة برتبة زعيم (أي عميد)، ويعيّنه مديرًا للشرطة والأمن العام، ثم رئيسًا للأركان سنة 1948.

دشّن انقلاب الزعيم تدخّل القوى الخارجية في الجيش؛ فالأميركيون ساهموا في التحضير للانقلاب، لأنهم أرادوا تصديق “اتفاقية التابلاين” لمرور أنابيب نقل النفط السعودي عبر الأراضي السورية وفق شروط الشركة الأميركية، التي كان القوتلي يرفضها، إضافةً إلى توقيع الهدنة مع إسرائيل بشروطها. ووُقّعت اتفاقية التابلاين في 16 مايو/ أيار، والهدنة في 20 يوليو/ تموز 1949، وكانت سوريا آخر من وقّعها بعد مصر ولبنان والأردن.

عطّل الزعيم الدستور وحلّ البرلمان، وفرض الأحكام العرفية، وشكّل حكومة برئاسته واحتفظ بوزارة الدفاع، وكلّف لجنة بكتابة دستور جديد. وأجرى استفتاء على انتخابه رئيسًا للجمهورية بتصويت مباشر من الشعب، وكلّف محسن البرازي برئاسة الحكومة.

أنجزت اللجنة المكلّفة إعداد مشروع الدستور الجديد مهامها، لكنّ هذا الدستور لم يرَ النور بسبب سقوط حكم الزعيم. ذلك أنّ الاستياء بدأ في صفوف الجيش نتيجة علاقة الرئيس الجديد بالأميركيين وفساده واستبداده. وكان ممّا عجّل في نهايته قضية أنطون سعادة زعيم الحزب السوري القومي؛ إذ استضافه حسني الزعيم وأكرمه، ثم غدر به وسلّمه إلى السلطات اللبنانية التي حكمت عليه بالإعدام على خلفية تمرّد مسلح نفّذه حزبه في لبنان، ما أثار نقمة الضباط السوريين المنتسبين إلى حزب سعادة.

في 14 أغسطس/ آب 1949، قاد الزعيم سامي الحناوي انقلابًا بدعم عراقي، وقُتل حسني الزعيم ورئيس وزرائه البرازي برصاص الانقلابيين، وتحديدًا ضباط من الحزب السوري القومي، ليُطوى عهد الانقلاب الأول الذي لم يتجاوز مئة وسبعة وثلاثين يومًا.

دشّن انقلاب حسني الزعيم تدخّل القوى الخارجية في الجيش - غيتي
دشّن انقلاب حسني الزعيم تدخّل القوى الخارجية في الجيش - غيتي

10- عودة هاشم الأتاسي إلى الرئاسة

خلافًا لمجريات الانقلاب الأول، سارع سامي الحناوي وقادة الانقلاب الثاني إلى تسليم السلطة للسياسيين المدنيين، وكُلّف الرئيس هاشم الأتاسي بتشكيل حكومة مؤقتة تُجري انتخابات جمعية تأسيسية تضع دستورًا للبلاد. جرت الانتخابات في نوفمبر/ تشرين الثاني وفق قانون انتخابي جديد يمنح حق التصويت للنساء السوريات الحاصلات على الشهادة الابتدائية.

أقرّت الجمعية التأسيسية دستورًا مؤقتًا في أول اجتماع لها، يوم 12 ديسمبر/ كانون الأول 1949، وبمجرّد اعتماده قدّم الأتاسي استقالة حكومته، وبعدها بيومين انتُخب رئيسًا مؤقتًا. ونتيجة اندفاع الحكومة باتجاه العراق الملكي، نفّذ ضباط مناهضون لهذا التوجه انقلابًا جديدًا بعد أيام من انتخاب الأتاسي، لكنّ الانقلابيين أبقوه رئيسًا للدولة، واكتفوا بعزل سامي الحناوي من قيادة الجيش، ليحلّ محلّه العقيد أديب الشيشكلي. انتقل الحناوي إلى بيروت، واغتيل فيها على يد شخص من عائلة البرازي، في 31 أكتوبر/ تشرين الأول 1950، انتقامًا لمقتل محسن البرازي.

في سبتمبر/ أيلول 1950 اعتُمد الدستور الجديد، وبموجبه انتهت الولاية المؤقتة للرئيس هاشم الأتاسي، وانتخبته الجمعية رئيسًا للجمهورية.

لم تهدأ الأزمات بين العسكر والسياسيين طيلة عام من ولاية الأتاسي الجديدة، وكانت ذروتها خلاف الجيش والحكومة حول قيادة الأمن الداخلي؛ فالحكومة تريدها بإشراف وزارة الداخلية لا الدفاع، والشيشكلي يرفض. فاستقالت الحكومة وتشكّلت وزارة جديدة في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني 1951 تجاهلت طلبات الشيشكلي، فقام بالانقلاب الثاني له والثالث في سوريا، واعتقل رئيس الوزراء والوزراء، فاستقال الرئيس الأتاسي من رئاسة الجمهورية (وسيعود لها لاحقًا ليكمل ولايته). وكلّف الانقلابيون رئيس الأركان فوزي سلو بمهام رئاسة الدولة والحكومة، وصدرت مراسيم بحلّ البرلمان وتولّي الأمناء العامين في الوزارات مهام الوزراء، وحُلّت الأحزاب السياسيّة.

11- فوزي سلو

وُلد فوزي سلو عام 1905 في دمشق، وكان والده ضابطًا في الجيش العثماني. في فترة الانتداب انتسب إلى الكلية الحربية، وبعد تخرّجه سنة 1924 التحق بالقوات الخاصة التي أنشأها الفرنسيون، وبعد الجلاء تولّى إدارة الكلية الحربية في حمص. شارك في حرب فلسطين عام 1948، وكان ضمن الوفد السوري للتفاوض مع إسرائيل على اتفاقية الهدنة سنة 1949.

توطّدت علاقة سلو بأديب الشيشكلي، الذي أصرّ على توليته وزارة الدفاع في الحكومات التي تشكّلت بعد الانقلاب على الحناوي. وبعد الانقلاب على الرئيس الأتاسي، كانت رئاسة سلو للدولة والحكومة شكلية، فالسلطة الفعلية بيد الشيشكلي رئيس الأركان، وحين أراد الرئاسة لنفسه، استقال سلو في يوليو/ تموز 1953.

تعاقب على رئاسة سوريا أكثر من 20 رئيسًا خلال مئة عام، بعضهم بصفة مؤقتة، واستمر آخرون في السلطة عدة سنوات، ومنهم من حكم لأكثر من ولاية

أُحيل سلو إلى التقاعد، وغادر إلى السعودية ليعمل مستشارًا عسكريًا للملك، وبعد إسقاط الشيشكلي، أصدرت محكمة عسكرية حكمًا بإدانة سلو بجرم الفساد واستغلال المنصب وتجاوز الدستور، وصدر بحقه حكم غيابي بالإعدام، لكنه نال عفوًا بعد سنوات، وعاد إلى دمشق متقاعدًا بعيدًا عن الحياة السياسية، وتوفي عام 1972.

12- أديب الشيشكلي

وُلد الشيشكلي في حماة سنة 1909، والتحق بالكلية العسكرية سنة 1930، وانشقّ عن الفرنسيين لينضمّ إلى الثورة ضدهم عام 1945. اهتمّ بالسياسة باكرًا، وانتسب في شبابه للحزب السوري القومي الاجتماعي. لمع نجمه في حرب فلسطين، وشارك في انقلاب حسني الزعيم، الذي أبعده لاحقًا عن الجيش.

في يوليو/ تموز 1953 جعل دستور الشيشكلي نظام الحكم في سوريا رئاسيًا، وجمع بيده صلاحيات واسعة. وخلال حكمه القصير، سعى إلى تطوير الجيش وتحويله إلى قوّة محاربة حديثة، فأحال ضباطًا مسنّين إلى التقاعد، وعيّن ضباطًا شبّانًا في مراكز المسؤولية، وأرسل بعضهم للتدريب في أوروبا. وبعد حلّ الأحزاب، أنشأ تنظيمًا سياسيًا مواليًا له باسم “حركة التحرير العربي”، بمثابة حزب السلطة، وسُمّي مأمون الكزبري أمينًا عامًا للحركة. وجرت انتخابات نيابية سُمِح فيها للنساء بالترشح لأول مرة، وحازت حركة التحرير غالبية المقاعد، وأصبح أمينها العام الكزبري رئيسًا للمجلس النيابي.

الرئيس السوري أديب الشيشكلي والرئيس المصري محمد نجيب
الرئيس السوري أديب الشيشكلي والرئيس المصري محمد نجيب - ويكيبيديا

نتيجة القمع السياسي وتقييد الحريات تصاعدت المعارضة ضدّ الشيشكلي، وجاءت نهايته بعد إرساله الجيش لقمع الاحتجاجات في السويداء؛ فقاد ابن السويداء العقيد أمين أبو عساف انقلابًا ضده، انطلاقًا من حلب يوم 25 فبراير/ شباط 1954. أذاع النقيب مصطفى حمدون بيان الانقلاب مطالبًا الشيشكلي بمغادرة البلاد تجنبًا لسفك الدماء، فغادر الشيشكلي دمشق بعدما بعث إلى رئيس مجلس النواب استقالته، موضحًا أنه كان باستطاعته سحق الثائرين ولكن على حساب إحداث انشقاق في الجيش وإضعاف دفاع سوريا في وجه العدو. ودعا الانقلابيون الرئيس الأتاسي للعودة إلى الحكم وإتمام ولايته.

أمضى الشيشكلي سنواته الأخيرة في البرازيل، إلى أن اغتاله نواف غزالة في 27 سبتمبر/ أيلول 1964 ثأرًا لأهله الذين قضوا في حملة الشيشكلي على جبل الدروز، فكانت نهاية حياة قادة الانقلابات الثلاثة الأولى القتل.

13- هاشم الأتاسي يستأنف ولايته الثانية

في 1 مارس/ آذار 1954 عاد هاشم الأتاسي إلى رئاسة الجمهورية، واجتمع البرلمان القديم، وأُلغي دستور 1953، وأُعيد العمل بدستور 1950، وكأنّ عهد الشيشكلي لم يكن. ومع اقتراب نهاية ولاية الأتاسي، تشكّلت حكومة تكنوقراط للإشراف على الانتخابات النيابية وضمان حياد السلطة. انتخب البرلمان الجديد شكري القوتلي رئيسًا للجمهورية، وكانت تلك المرة الأولى والوحيدة في تاريخ سوريا تنتقل فيها السلطات بين رئيس الجمهورية المنتهية ولايته (هاشم الأتاسي) ورئيس الجمهورية المنتخب (شكري القوتلي) انتقالًا دستوريًا أنيقًا ومنظّمًا.

أمضى الأتاسي سنوات تقاعده في حمص، وتوفي يوم 6 ديسمبر/ كانون الأول 1960، وأُعلن الحداد العام في الجمهورية العربية المتحدة. وشُيّع في جنازة كبيرة تليق برمزيته الوطنية وإخلاصه لبلده؛ فقد ظلّ هاشم الأتاسي مثالًا لرجل الدولة الذي جمع بين النزاهة والاعتدال والإيمان بالدستور.

14- شكري القوتلي في ولايته الثالثة

تميّزت ولاية القوتلي الثالثة بالانفتاح على الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية، فجرى تبادل السفراء مع العديد منها، وزار موسكو أثناء العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، وطلب دعمًا عسكريًا لمصر. ونتيجة ذلك، توتّرت العلاقات السورية الأميركية، وحاولت المخابرات المركزية الأميركية ترتيب انقلاب ضدّ القوتلي عام 1957، لكنّ المؤامرة انكشفت، وطُرد السفير الأميركي من دمشق، وردّت واشنطن بطرد السفير السوري.

لم يُكتب للقوتلي أن يُنهي ولايته الثالثة بصورة طبيعية؛ ذلك أنّ وفدًا عسكريًا سوريًا يقوده رئيس الأركان عفيف البزري زار القاهرة سرًا في يناير/ كانون الثاني 1958، والتقى الرئيس جمال عبد الناصر لبحث توحيد القيادة العسكرية بين البلدين. لكن الوفد دفع باتجاه وحدة سياسية، ليصبح توحيد الجيشين مقدمة لوحدة البلدين، وكلّ ذلك من دون علم الرئيس القوتلي وحكومته؛ إذ وجد أنّ العسكر ومن ورائهم حزب البعث قد وضعوه أمام الأمر الواقع.

رغم ذلك، لم يتخذ موقفًا سلبيًا، بل سار في طريق إنجاز الوحدة حتى النهاية، وجرت الأمور وفق شروط عبد الناصر، بأن تكون وحدة اندماجية في دولة واحدة عاصمتها القاهرة، وأن تُحلّ الأحزاب السياسية وتُقيّد حرية الصحافة. وهكذا، سافر القوتلي إلى القاهرة، وأعلن من هناك تنازله عن رئاسة الجمهورية للرئيس عبد الناصر وقيام “الجمهورية العربية المتحدة”، وجرى تكريمه بلقب “المواطن العربي الأول”.

لكن العلاقات بينهما ساءت بسبب الهيمنة المصرية على سوريا، وسياسات عبد الناصر الاستبدادية، لذلك دعم القوتلي انقلاب الانفصال عام 1961، وخرج في كلمة متلفزة ينتقد بها تجربة الوحدة بشدة، لكنه لم يعد للعمل السياسي، وأمضى سنواته الأخيرة في بيروت، وتوفي فيها في 30 يونيو/ حزيران 1967 نتيجة أزمة قلبية أصابته بعد هزيمة يونيو، ونُقل جثمانه إلى دمشق، وشُيّع بجنازة شعبية كبيرة، لتنتهي سيرة واحد من كبار مؤسسي الدولة السورية.


المصادر:

  • كريم أتاسي، سوريا قوّة الفكرة المشروع الوطني والهندسات الدستورية للأنظمة السياسية، ترجمة معين رومية، ط1 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2022)
  • فيليب خوري، سوريا والانتداب الفرنسي سياسة القومية العربية 1920 – 1945، ترجمة مؤسسة الأبحاث العربية، ط1 (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1997)
  • عبد اللطيف اليونس، شكري القوتلي تاريخ أمّة في حياة رجل، ط1 (القاهرة: دار المعارف، 1959)
  • عبد الله فكري الخاني، سوريا بين الديمقراطية والحكم الفردي، ط1 (دمشق: دار النفائس، 2004)
  • كمال ديب، تاريخ سوريا المعاصر، ط2 (بيروت: دار النهار، 2012)
تابع القراءة

المصادر

خاص موقع التلفزيون العربي
تغطية خاصة
المزيد من