يشكّل ارتفاع منسوب سطح البحر، الناتج عن التغيّر المناخي، تهديدًا وجوديًا للدول المنخفضة، خصوصًا الجزر الصغيرة والدول الساحلية، وفق ما أشار إليه كل من المنتدى الاقتصادي العالمي (World Economic Forum) ومعهد لوي (Lowy Institute).
وتواجه هذه الدول بشكل متصاعد فيضانات متكررة، وتآكلًا للسواحل، وتسرّب مياه البحر إلى مصادر المياه العذبة، إلى جانب فقدان تدريجي للأراضي الصالحة للسكن.
وتُعرّض هذه التغيّرات البيئية سكان تلك الدول للخطر، ليس فقط من حيث سبل عيشهم وأمانهم الجسدي، بل أيضًا من حيث ثقافاتهم الفريدة وسيادتهم الوطنية.
دول مهددة بالزوال بفعل التغيّر المناخي
خلال العقود المقبلة، وخصوصًا في النصف الثاني من هذا القرن، تواجه العديد من هذه الدول احتمالية قاتمة بأن يتم غمرها جزئيًا أو كليًا، ما قد يُفضي إلى موجات تشريد جماعية، وربما اختفاء دول عن الخارطة الجغرافية بالكامل.
ورغم استمرار الجهود الدولية للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة، إلا أن التوقعات تشير إلى أن منسوب البحر سيواصل ارتفاعه بشكل ملحوظ، ما يبرز الحاجة الملحّة إلى استراتيجيات للتخفيف من آثار المناخ والتكيّف معها لحماية هذه المجتمعات المعرّضة للخطر.
على مدار القرن العشرين، ارتفع منسوب سطح البحر عالميًا بحوالي 7.5 بوصات، وتحذّر الأمم المتحدة من احتمال ارتفاعه بمقدار ثلاثة أقدام إضافية بحلول نهاية القرن الحادي والعشرين، حسب موقع "climate.gov".
ولا يقتصر هذا التهديد على الغرق المحتمل للدول الجزرية الصغيرة، بل يتفاقم بفعل الأنماط الجوية العنيفة، بما في ذلك تكرار العواصف المفاجئة، التي تُغرق المزيد من الأراضي وتُعطّل سبل الحياة.
ويُعد ارتفاع منسوب البحر وتغيّر المناخ من أبرز آثار الاحترار العالمي، الذي يُعزى في المقام الأول إلى النشاط البشري، لا سيما في الدول الأكثر تلويثًا للبيئة.
وتعاني العديد من الدول الجزرية من غياب الحماية الكافية ضد الكوارث الطبيعية، وتتشارك هشاشة الاعتماد على اقتصاد معيشي بسيط يعتمد على السياحة، إضافة إلى الارتباط المالي بالتجارة الدولية.
كما تُعيق القوى الطبيعية العنيفة، مثل العواصف والفيضانات، وسائل الاتصال وتطوير البنية التحتية، مما يُهدد أساسيات البقاء الإنساني في هذه المناطق.
وتضم بعض جزر المحيط الهادئ حواجز مرجانية طبيعية، لكنها تشهد الآن تدهورًا سريعًا تحت وطأة ارتفاع مستوى البحر، وهو ما يجعل السكان والأراضي أكثر عرضة للتغيّر المناخي.
ثماني دول مهددة بالاختفاء
في ما يلي أبرز الدول التي يهددها التغيّر المناخي بالغرق أو التلاشي الجغرافي خلال العقود القادمة:
جزر مارشال
جمهورية جزر مارشال هي دولة صغيرة تقع في منطقة ميكرونيزيا، وتبلغ مساحتها 181 كيلومترًا مربعًا، وتتكوّن من خمس جزر رئيسية و29 جزيرة مرجانية.
اكتشفها القبطان جون مارشال عام 1788، ولم تحصل على استقلالها الكامل من الولايات المتحدة إلا في عام 1990.
ومع تعداد سكاني يبلغ نحو 60,000 نسمة، يواجه بعض السكان خطر الغرق بسبب ارتفاع منسوب البحر، الذي بدأت آثاره بالظهور فعليًا.
ومن المرجّح أن تُهدّد تداعيات التغيّر المناخي، خلال هذا القرن، وجود هذه الدولة برمّتها.
كيريباتي
تمتد جمهورية كيريباتي على مساحة 3 ملايين كيلومتر مربع في المحيط الهادئ شمال شرق أستراليا، وتتكوّن من 33 جزيرة مرجانية وجزيرة واحدة.
ويبلغ متوسط ارتفاع أراضيها ثلاثة أمتار فقط، وقد بدأت بعض القرى فعليًا في الاختفاء تحت الماء، حسب موقع "مخاطر المناخ العالمية".
كما أدى تسرب المياه المالحة إلى مصادر المياه العذبة إلى تدهور وفشل المحاصيل الزراعية.
وتشير التقديرات إلى أن هذه الدولة ذات الكثافة السكانية العالية قد تختفي تحت الماء بحلول نهاية القرن، ما سيخلّف وراءه آلاف المهاجرين المناخيين دون ملاذ.
فيجي
تضم جمهورية فيجي أكثر من 330 جزيرة وتُعد وجهة سياحية شهيرة، لكنها تواجه تهديدًا مزدوجًا يتمثّل في ارتفاع منسوب البحر والظروف الجوية القاسية.
في عام 2009، تسببت عاصفة عنيفة في وفاة 19 شخصًا ونزوح نحو 9,000، وألحقت أضرارًا بمزارع قصب السكر والبنية السياحية.
وفي 2016، دمّر الإعصار وينستون قطاعات واسعة، بينما تحوّلت قرية فونيدوغولوا إلى منطقة مغمورة بالكامل، تُغطيها المياه حتى عمق 300 قدم.
وتتوقع الحكومة أن تخسر ما لا يقل عن 5% من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا بسبب هذه الكوارث.
ساموا
تتألّف ساموا من سبع جزر تحيط بها شعاب مرجانية، وتبلغ مساحتها أقل من 3,000 كيلومتر مربع.
يهددها اليوم ارتفاع حرارة المحيط، الذي تسبب في ظاهرة "ابيضاض المرجان"، ما أفقدها حواجزها الطبيعية، وجعل أراضيها مكشوفة لمياه البحر.
وقد أثّر هذا التدهور على قطاعي السياحة والزراعة، ما يُعمّق من هشاشة اقتصادها.
جزر سليمان
تضم جزر سليمان نحو 990 جزيرة ضمن أرخبيلَي سليمان وسانتا كروز، ويبلغ عدد سكانها أكثر من 728,000 نسمة.
وقد غرقت ست جزر منها بالفعل، مع وجود مؤشرات على أن المزيد منها في طريقه إلى المصير نفسه، وفق صحيفة "التلغراف" البريطانية.
وتواجه السلطات تحديًا وجوديًا حقيقيًا لحماية السكان من آثار تغيّر المناخ.
جزر المالديف
المالديف هي أخفض دولة في العالم، إذ يبلغ متوسط ارتفاعها 1.5 متر فقط، ما يجعلها شديدة الهشاشة أمام ارتفاع منسوب البحر، حسب موقع "climatecosmos".
وتشير التقديرات إلى أن العديد من جزرها الـ1,200 ستغرق تدريجيًا، ما يهدد مستقبل أكثر من 562,000 نسمة، ويقوّض أحد أعمدة اقتصاد البلاد: السياحة.
توفالو
تتكوّن توفالو من تسع جزر مرجانية منخفضة، ويقدّر عدد سكانها بنحو 12,000 نسمة فقط.
ورغم أنها من أقل الدول إصدارًا للانبعاثات الكربونية، إلا أنها تدفع الثمن الأكبر، إذ تفتقر إلى الحماية الطبيعية وتعاني من تسرب المياه وغياب البنية التحتية، ما يجعلها في طليعة الدول المعرضة للزوال، وفق موقع "EBSCO".
فانواتو
جمهورية فانواتو، التي تضم 83 جزيرة، تُعد وفق الأمم المتحدة الدولة الأكثر عرضة للكوارث الطبيعية على مستوى العالم.
وقد دمر الإعصار "بام" 90% من مباني العاصمة، بينما يُسرّع ارتفاع منسوب البحر من وتيرة الخطر.
ومع تزايد عدد السكان، تحذّر التقديرات من أن أي كارثة مستقبلية قد تتحول إلى لحظة انهيار شامل للدولة، ما يجعل بقاءها، بصيغتها الحالية، موضع شك وجودي في العقود المقبلة.