ثمن الهوية: قراءة في اقتصاد الأوراق الرسمية
مع بدء الحديث عن تأسيس الدولة في شكلها الحديث، صاغ ابن خلدون نظريته حول شروط وجودها على أساس المال والعدل والجند، إلى جانب عناصر أخرى مثل الإقليم والقدرة على فرض الأوامر وسواها من المسائل(1) اللازمة لقيام الدولة، إذ يقول:
كما تناول أبو الحسن الماوردي هذه الفكرة في القرن الحادي عشر، في كتابه الشهير "الأحكام السلطانية"، مؤكدًا أن الملك يقوم على الجند والمال. وفي القرن العشرين، بدأ الاقتصاديون يبحثون في سبل تعزيز المال في خزينة الدولة، أو ما بات يُعرف لاحقًا بالموازنة العامة التي تضعها الحكومات للإنفاق على الجيش والأمن والقضاء وسواها من الوظائف العامة.
ورأى الاقتصادي جوزيف شومبيتر أن الدولة الحديثة هي "دولة ضرائب" (Tax State)(3)، أي إن تخلي الدولة عن أموال الأمير الخاصة يجعلها دولة بالمعنى الحرفي. وبالنسبة إليه، تشكل المالية العامة نقطة رئيسية في دراسة المجتمع والدولة. وفي اتجاه قريب، ذهب المفكر الألماني نوربرت إلياس، في كتابه "عملية التحضر"، إلى أن احتكار جمع الضرائب والرسوم هو من صميم مسؤولية الدولة، بل من أسس قيامها.
ما نريد قوله هنا هو أن الدول لا يمكن أن تقوم من دون موارد مستقلة، وإلا كانت دولًا تابعة أو ناقصة أو متأخرة، حتى لو جرى الاعتراف بها دوليًا. فالقيام بالمهام المناطة بها لا يتم بلا مال:
بيت المال
ظهرت فكرة بيت المال، أو الخزانة، في وقت مبكر من نشوء الدولة. لكن العلم المتعلق بإدارة الخزانة نفسه بدأ بالتبلور في القرون الوسطى، حين دفعت الحروب والتوسعات الملوك إلى الاستعانة بالمستشارين لتنظيم الموارد العامة وتعظيمها.
ففي ألمانيا مثلًا، ظهر ما عُرف بـ"الكاميرالية"، وهي المدرسة المرتبطة بإدارة الخزانة، وقد وُضعت أسسها في القرن السادس عشر تقريبًا. واشتهر عن نابليون بونابارت قوله إن "الجيوش تزحف على بطونها"، في إشارة إلى أن الجيوش تحتاج إلى المال كما تحتاج إلى الطعام.
ثم جاء آدم سميث، مؤسس علم الاقتصاد الحديث كما يُعرف اليوم، فخصّص في كتابه الشهير "ثروة الأمم" فصلًا كاملًا للموارد العامة ومصادرها، وبحث في الآثار الاقتصادية للضرائب والجبايات. وكانت هذه الأفكار تطويرًا لما طرحه ابن خلدون في وقت سابق، قبل أن يبدأ علم المالية العامة في الظهور بوصفه حقلًا مستقلًا له مؤلفاته وأبحاثه.
ولفهم ما تحتاجه الدولة من أموال، ينبغي التمييز بين مفهومين: الدولة المحايدة، والدولة الوظيفية. فالدولة المحايدة تقوم على حماية المجتمع والأرض من خلال مهام الأمن والدفاع والقضاء، ما يعني أنها تحتاج إلى موارد لتمويل الجيش والشرطة والجهاز القضائي. وهنا تبدو الدولة أقرب إلى "الحارس الليلي" الذي يحمي ويحتكم إليه الناس عند النزاع.
أما الدولة الوظيفية، فهي مسؤولة أيضًا عن رفاه المجتمع وتنميته وتطويره، ولذلك تنشئ وتدير خدمات رئيسية مثل الكهرباء والمياه، وتصون الأسواق، وتبني السدود والجسور، وتدعم الفئات الضعيفة، فضلًا عن مهام الأمن والحماية. وهذا يعني أن الدولة الوظيفية تحتاج إلى أموال أكبر بكثير من الدولة المحايدة.
وتأتي الدولة بالمال عادة من ثلاثة مصادر رئيسية:
الضرائب:
تحصل الدولة على جزء من أرباح الشركات والأفراد، وتختلف هذه النسبة من بلد إلى آخر. ففي بعض الدول، تصل الضرائب على الشركات إلى أكثر من 40%، فيما لا تتجاوز في دول أخرى 10%.
وتختلف هذه النسب تبعًا لسياسة الدولة ورغبتها في جذب الاستثمارات، أي إن الضريبة تُستخدم ليس فقط لتحصيل المال، بل أيضًا لتعزيز الاستثمار أو تنشيط الأسواق.
-
الرسوم والجبايات:
هي مبالغ مالية تحصل عليها الدولة مقابل تقديم خدمات معينة، مثل إصدار جواز السفر، أو وثيقة الهوية، أو تسجيل دعوى قضائية.
-
موارد وأرباح الاستثمارات:
الحكومات قد تشغّل منشآت وخدمات تدرّ عليها دخلًا، مثل الكهرباء والمياه في الشركات المملوكة للدولة، أو رسوم الطرق المدفوعة، وغيرها.
وعلى الرغم من أن هذه هي الموارد الرئيسية للدولة، فإن القروض والتبرعات والهبات تبقى من العناصر المهمة في التمويل؛ إذ توجد دول تعتمد على ديون بمليارات الدولارات لتمويل برامجها.
وبين الدول تفاوت كبير في حجم الموارد. فبعضها يملك موازنات ضخمة تصل إلى مئات المليارات، مثل المملكة العربية السعودية التي بلغت موازنتها نحو 350 مليار دولار أميركي عام 2025، فيما تملك دول أخرى موازنات أصغر بكثير، مثل الأردن التي بلغت موازنتها في العام نفسه نحو 17 مليار دولار.(4)
ولنأخذ فرنسا مثالًا: إذ يأتي الجزء الأكبر من إيراداتها من الضرائب، فيما يأتي جزء آخر من شركات تمتلكها الدولة أو تمتلك حصصًا فيها، مثل شركة الكهرباء "إي دي إف". كما تحصل فرنسا على نحو ملياري يورو سنويًا من مخالفات المرور، إضافة إلى رسوم التسجيل العقاري والمستندات، حيث تجني نحو 3.5 مليارات يورو من الطوابع الجبائية المتعلقة أساسًا بالمعاملات الحكومية. وبالطبع، تقترض فرنسا أيضًا من مواطنيها وبنوكها وشركاتها وحكومات أجنبية لتمويل نفقاتها، لأن مواردها أقل من حاجاتها.
وعلى الجانب الآخر، نجد أن بعض الدول الصغيرة التي تعتمد على التخفيضات الضريبية لجذب الشركات والأفراد، ترتكز أكثر على الرسوم بوصفها آلية رئيسية لتحصيل الموارد. فسنغافورة مثلًا تفرض رسومًا مرتفعة على بعض الخدمات؛ فلو اشترى أجنبي عقارًا فيها، قد يدفع أكثر من نصف قيمة العقار رسمًا لتسجيله(5). كما تفرض رسومًا كبيرة على تسجيل السيارات. وعلى نحو مشابه، تأتي معظم موارد جزر العذراء البريطانية من رسوم تسجيل الشركات في سجلات الحكومة المحلية.
موارد مقابل منح الجنسية أو رسوم جواز السفر
التفتت دول كثيرة إلى هذه المسألة وسعت إلى جمع الأموال لصالح خزائنها، حتى بات بعضها يحصل على موارد كبيرة من منح الجنسية أو من رسوم جوازات السفر والوثائق الرسمية أو الإقامة.
ففي دبي تأتي 50 مليار درهم (13 مليار دولار) لخزينة الإمارة من الرسوم التي تشكل رسوم إدارة الإقامات وشؤون الأجانب الجزء الأكبر في هذه التشكيلة. وفي تركيا يدفع قرابة 1.5 مليون شخص رسومًا للإقامة في البلد (رسوم إقامة طالب
كما بدأت دول كثيرة تطرح برامج الجنسية على الجمهور بوصفها وسيلة لجذب الأموال والموارد. ففي حالة تركيا، يُتوقع أن تدخل إلى البلاد سنويًا أموال تقارب 5 مليارات دولار أميركي من شراء العقارات مقابل الجنسية، فيما تحصل دول الكاريبي على الأموال مباشرة لخزائنها مقابل منح الجنسية، وقد شكّلت عائدات بيع جواز السفر نحو 50% من موارد دولة سانت كيتس. كذلك تحصل كل من البرتغال وإسبانيا واليونان ومالطا على مليارات الدولارات مقابل التجنيس أو الإقامات المميزة.
وفي عام 2015، بدأ النظام السوري السابق الالتفات إلى أن عدد المغادرين خارج البلاد صار بالملايين، بعدما ترك أكثر من 10 ملايين شخص البلاد بسبب الحرب. ففرض رسومًا تصل إلى 800 دولار أميركي للحصول على جواز السفر خلال بضعة أيام، و400 دولار لمن يريد الحصول عليه خلال أشهر.
كما كان حجز الدور للحصول على الجواز يصل إلى أكثر من 300 دولار أميركي، وكل ذلك مقابل جواز سفر لا تتجاوز مدة صلاحيته سنتين(8). ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أصبحت معظم الأوراق الحكومية المستخرجة خارج البلاد تتطلب مبالغ ضخمة، تضاف إليها مبالغ أخرى لحجز الدور. ووفق تقديراتنا، حصل النظام السوري السابق على أكثر من نصف مليار دولار أميركي من موارد الوثائق الحكومية وجوازات السفر(9)، وهو ما شكّل نحو 15% من موازنة حكومته السنوية.
ويندرج لبنان أيضًا ضمن هذا السياق، إذ يحتاج إلى الدولار الأميركي، فيسعى إلى تحصيل إيرادات عبر جواز السفر، ولا سيما من خلال الجواز البيومتري الذي تصل كلفته إلى نحو 600 دولار أميركي في بعض الحالات. كما فتحت مصر باب دفع 5000 دولار لإنهاء أوضاع بعض المغتربين الخاضعين للخدمة الإلزامية في الجيش المصري.
ومن ناحية أخرى، ولصالح تنظيم سوق العمل أو تعظيم الموارد، تفرض دول مثل السعودية رسومًا مرتفعة على المقيمين وذويهم، إذ يدفع الوافد مبلغ 4800 ريال سنويًا تقريبًا لإقامة أحد أفراد أسرته.
وفي الحقيقة، يمكن تقسيم الدول، في نظرتها إلى رسوم جوازات السفر والخدمات الحكومية، إلى أربعة أنماط رئيسية:
-
دول التكلفة مقابل الخدمة:
وهي دول تفرض رسومًا محدودة مقابل إصدار جواز السفر أو الوثيقة الحكومية، بهدف تغطية كلفة الخدمة وجعلها في متناول الجميع، من دون أن تكون مجانية بالكامل. ومن أمثلة ذلك ألمانيا وكندا.
-
الدولة الشركة أو الدولة التاجر:
وهي دول تمنح المقيمين فيها مزايا مثل خدمات عالية الجودة أو بيئة أعمال جاذبة أو تخفيضات ضريبية، لكنها تتقاضى في المقابل رسومًا مرتفعة. وهي، بهذا المعنى، أقرب إلى جهة تقدم خدمة ممتازة بسعر مرتفع، كما في بعض نماذج الإمارات وسنغافورة.
-
دولة الجباية:
وهي التي تتصرف باعتبار أن امتلاكها "الختم" يمنحها حق فرض ما تشاء من رسوم، فتجعل من الخدمة موردًا رئيسيًا لخزينتها، كما حصل في سوريا سابقًا، وفي لبنان وغيره من الدول التي فرضت أو تفرض رسومًا مرتفعة على الأوراق الرسمية.
- دول الاشتراكات والعضويات:
وهي الدول التي تتيح، عمليًا، دخول "عضويتها" عبر الحصول على جنسيتها مقابل المال، كما في بعض دول الكاريبي.
الدولة المفترسة
ولكن هل هذه الأدوار كلها أو بعضها تتعارض مع فلسفة وجود الدولة وقيامها؟
الدولة بالأساس مهمتها حماية المواطنين وليس تحصيل الموارد منهم، ولكنها على جانب آخر تحتاج للموارد من أجل هذه الحماية والمهام الأخرى التي تضطلع بها.
يحذّر ابن خلدون من أن تتحول الدولة إلى جابية، لأن ذلك "إيذان بخراب العمران" على حد تعبيره. فزيادة الجبايات والضرائب والرسوم تقوض قدرة الفرد على الإنتاج، وتدفعه إلى الاستكانة حين يشعر بأن أمواله تُنتزع منه باستمرار.
وعندها لا يعود ينظر إلى الدولة بوصفها حاميًا، بل بوصفها جابيًا يريد أن يعيش على حسابه. وهذا ما حصل بالفعل في سوريا في سنوات النظام السابق، كما أن أنظمة أخرى سارت، بدرجات متفاوتة، في النهج نفسه.
وقد أطلق دوغلاس نورث على هذا المفهوم اسم "الدولة المفترسة" (Predatory State)، وهو مفهوم حاضر أيضًا في بعض الدول الغربية، وعند حكومات(10) تريد تعظيم مكتسباتها حتى لو جاء ذلك على حساب رفاه المجتمع.
في المقابل، تنظر دول أخرى إلى المواطن أو الزائر بوصفه "عميلًا"، فتقدم له خدمات مقابل ما يدفعه من مال. وضمن هذه الفلسفة، تستطيع الدولة أن ترفع أسعار الخدمات لتحقيق موارد إضافية، فتقترب أكثر فأكثر من منطق الشركة التجارية. وهنا تتراجع العدالة الاجتماعية، ويغدو معيار النجاح هو تحقيق العائد ورفع مؤشرات الأداء، لا حماية المواطنين أو ضمان المساواة بينهم.
أما "دولة العضوية"، فهي قد تواجه معضلة أخلاقية أكثر من كونها معضلة وظيفية؛ إذ تبيع امتيازات معينة تمنح الشخص "مفتاح الدخول إلى النادي"، لكنها قد تحتفظ ببعض الحقوق الأساسية للمواطن الأصلي. بل إن بعض دول الكاريبي لا تسمح للمواطن الجديد غير المقيم بالتصويت.(11)
كيف تمول الدول موازنتها؟
وفي الحقيقة، حتى حين تمنح بعض الدول التي تبيع جنسيتها المواطنَ الجديد حقوقًا كاملة، فإن هذا المواطن غالبًا ما لا يكون راغبًا أصلًا في التأثير الكامل في الحياة العامة، ولا في الاندماج التام في المجتمع. فهو يرى غالبًا أن المواطن الأصلي أحق منه بذلك، كما أنه لا يخضع عادة لمسارات اندماج حقيقية، مثل الإقامة الطويلة أو تعلم اللغة، ما يجعل الجنسية أقرب إلى عضوية ذات مزايا محددة.
أما الحالة الأخيرة، أي حين تقدم الدولة خدماتها مقابل رسوم تغطي الكلفة فقط، فهي الحالة الأكثر قبولًا. فالحكومة هنا تريد تغطية نفقات خدمة يستفيد منها المواطن، مثل جواز سفر بقيمة 25 دولارًا لمدة 10 سنوات، أو رسم قدره 5 دولارات لاستخراج شهادة ميلاد.
إذًا، من حق الدولة أن تقدم الخدمة العامة للمواطن، مثل الوثيقة الرسمية، وأن تحصل في المقابل على رسم يغطي كلفتها.
وفي بعض الحالات، قد يحق لها أيضًا رفع هذه الرسوم لتحقيق أهداف عامة أخرى، لا لتعظيم الإيرادات فقط. كأن يكون رسم تسجيل المولود الثاني أعلى من الأول، ورسم تسجيل الثالث أعلى بكثير، في محاولة للحد من النمو السكاني. أو أن تفرض رسمًا مرتفعًا على تسجيل سيارة ثانية باسم الشخص نفسه للحد من التلوث والازدحام المروري. هنا تصبح الجباية أداة سياسة عامة، لا مجرد وسيلة لجباية المال.
لكن ليس من المنطقي أن تتحول الدولة إلى جابٍ وجامع أموال يرى في مواطنيه أو زواره "خرافًا" يجب جزّ صوفهم كلما نبت. فهذا يناقض مفهوم الدولة نفسه، ويناقض فكرة الخدمة العامة. وهو يهبط بالحكومة إلى مستوى مؤسسة تجارية توظّف وتفصل، وتمنح وتمنع، وفق معايير الربح والخسارة لا وفق مقتضيات الحق العام.
إذًا، في رحلة البحث عن إجابة لسؤال "كيف تموّل الدول موازناتها؟"، نجد أنفسنا أمام مشهد عالمي شديد التباين، لم يعد فيه المال مجرد وسيلة لحماية الدولة، كما نظّر ابن خلدون قديمًا، بل أصبح في بعض الحالات غاية تبرر تحويل "الختم الرسمي" إلى سلعة.
فبينما ترى دولٌ كفرنسا وأميركا أن رسوم الجوازات ورخص القيادة هي مجرد "تغطية تكاليف" إدارية، طورت دولٌ أخرى نماذج اقتصادية كاملة قائمة على "بيع الورق"؛ لتقدم نموذج "الدولة التاجر" ببراعة، حيث تدفع رسومًا مرتفعة مقابل خدمات فائقة الجودة وكأنك في شركة عالمية لا دولة تقليدية.
وعلى النقيض من ذلك، يظهر الوجه الأكثر قسوة لهذا الاقتصاد في دول الأزمات، مثل سوريا ولبنان، حيث تحولت السيادة إلى أداة جباية، وصار جواز السفر "نفطًا جديدًا" يُباع للمغتربين بأسعار فلكية، لا لشيء إلا لأنهم في أمسّ الحاجة إليه.
وبين هذا وذاك، تبرز دول الكاريبي وتركيا، حيث لا يُباع "الورق" فقط، بل "الهوية" نفسها، من خلال برامج الجنسية والاستثمار، مع فصل واضح بين الجواز وصندوق الاقتراع.
وهكذا، يضعنا هذا التنوع أمام حقيقة واحدة: لم تعد الدولة مجرد "حارس ليلي" يحميك، بل قد تصبح تاجرًا يبيعك الخدمة، أو، في أسوأ الأحوال، محتكرًا يبيعك حقك الطبيعي في الهوية.