ثورة الذكاء الاصطناعي.. كيف ترسم مستقبل سوق العمل؟
بات الذكاء الاصطناعي القوة الدافعة وراء ثورة تكنولوجية تُعيد تشكيل ملامح مستقبلنا. فمن "تشات جي بي تي" إلى "جيميني" و"ديب سيك"، أصبحت آلاف تطبيقاته في متناول الجمهور، تنجز خلال لحظات مهام طالما تطلّبت وقتًا طويلًا وجهدًا بشريًا مضاعفًا.
وقد انقسمت المواقف حيال أثره في سوق العمل بين من يرى فيه طاقة هائلة لإحداث تحولات إيجابية تشمل زيادة الإنتاجية، وتحسين الرعاية الصحية، وتوسيع فرص الوصول إلى التعليم؛ وبين من يعتبره تهديدًا مباشرًا لعشرات الملايين من الوظائف حول العالم.
يشير معهد ماكينزي العالمي إلى أنّه استنادًا إلى متوسط مستوى التبنّي العالمي والتقدّم المحرز في مجال الذكاء الاصطناعي، والذي تُظهره المحاكاة التي طوّرها الذكاء الاصطناعي نفسه، قد يسهم هذا القطاع في تحقيق نشاط اقتصادي إضافي بقيمة تقارب 13 تريليون دولار أميركي بحلول عام 2030، أي ما يعادل زيادة بنسبة 16% في الناتج المحلي الإجمالي التراكمي للولايات المتحدة مقارنة بالوضع الحالي.
ويُتوقّع أن يكون هذا الأثر مقارنًا بتأثير التقنيات العامة الكبرى عبر التاريخ، وأن يأتي أساسًا من استبدال العمالة البشرية بالأتمتة، ومن تعزيز الابتكار في المنتجات والخدمات.
كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد؟
تقول مجلة "فوربس" إن الذكاء الاصطناعي مرشّح لأن يكون من أكثر التقنيات تدميرًا للاقتصادات العالمية التي عرفها التاريخ الحديث. وترى أنّ مستقبله يحمل إمكانيات لا حصر لها في تبسيط حياتنا وتطوير مسارات البشرية إيجابًا. في المقابل، تشير شركة "برنارد مار آند كو" إلى أن أثره التحويلي سيمتد إلى الأبعاد الاقتصادية والقانونية والسياسية والتنظيمية، ليشمل معظم الوظائف والقطاعات، ما يفرض على المجتمعات الاستعداد لموجة التغيير المقبلة.
وتوضح جامعة نيكسفورد الأميركية أنّ للذكاء الاصطناعي قدرة ملموسة على إحداث تغييرات إيجابية في حاضرنا ومستقبلنا، من تعزيز الإنتاجية وتحسين الرعاية الصحية، إلى توسيع فرص التعليم والمساعدة في حل المشكلات المعقّدة وتبسيط الحياة اليومية.
في المقابل، يكشف تقرير صادر عن بنك الاستثمار "غولدمان ساكس" أن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى استبدال ما يعادل 300 مليون وظيفة بدوام كامل. وعلى الرغم من أنّ ربع مهام العمل في الولايات المتحدة وأوروبا مرشّحة للأتمتة الكاملة، فإن التقرير لا يستبعد أيضًا خلق وظائف جديدة وارتفاعًا ملحوظًا في الإنتاجية.
تقنيات تغيّر وجه أسواق العمل
قد يفضي الاعتماد المتزايد على الأتمتة إلى زيادة القيمة السنوية للسلع والخدمات عالميًا بنسبة 7%. ويُتوقّع أن تتعرض ثلثا الوظائف في الولايات المتحدة وأوروبا لمستوى من "أتمتة الذكاء الاصطناعي"، فيما قد تُدار ربع الوظائف بشكل كامل عبر الخوارزميات.
وبحسب باحثين من جامعة بنسلفانيا وشركة "أوبن آي آي"، فإن موظفي المكاتب الذين يتقاضون رواتب تقارب 80 ألف دولار سنويًا من بين الأكثر عرضة للتأثر. كما أشار تقرير صادر عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة بوسطن إلى أنّ ما يصل إلى مليوني عامل في قطاع التصنيع الأميركي قد يُستبدلون بالذكاء الاصطناعي بحلول عام 2025.
أما دراسة معهد ماكينزي العالمي فتقدّر أنّ ما لا يقل عن 14% من الموظفين حول العالم قد يضطرون إلى تغيير مساراتهم المهنية بسبب الرقمنة والتطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتحذّر وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) من أنّ حجم سوق الذكاء الاصطناعي العالمي قد يبلغ بحلول عام 2033 نحو 4.8 تريليون دولار، أي ما يعادل تقريبًا حجم اقتصاد ألمانيا، وهو ما سيؤثر على ما يقارب نصف الوظائف عالميًا.
وظائف مرشحة للأتمتة
تشمل الوظائف الأكثر عرضة للاستبدال وفقًا لدراسات جامعة "نيكسفورد":
-
خدمة العملاء: حيث يمكن للأنظمة الآلية إدارة معظم الاستفسارات.
-
الاستقبال: تستخدم الروبوتات بالفعل في أقسام الاستقبال والمكالمات الهاتفية.
-
المحاسبة: بفضل الأنظمة السحابية وخوارزميات التحليل المالي.
-
المبيعات: مع انتقال الإعلان إلى المنصات الرقمية.
-
التحليل والبحث: إذ تُطبّق خوارزميات الذكاء الاصطناعي لاستخلاص البيانات وتفسيرها.
-
إدارة المستودعات: بدعم التجارة الإلكترونية والأنظمة المؤتمتة.
-
اكتتاب التأمين: مع قدرة الأتمتة على تقييم المخاطر بكفاءة.
-
التجزئة: كما في محطات الدفع الذاتي المنتشرة بالمتاجر الكبرى.
ويُقدّر المنتدى الاقتصادي العالمي أنّ الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى استبدال 85 مليون وظيفة بحلول عام 2025، فيما ترى شركات مثل "فري ثينك" و"بي دبليو سي" أنّ ما بين 30% و65% من الوظائف في قطاعات كبرى كالتجزئة قد تخضع للأتمتة بحلول منتصف ثلاثينيات هذا القرن.
وبحسب جامعة "نيكسفورد"، يقول الخبراء إن الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي سيساعدان العمال من خلال خلق وظائف أكثر. ومع ذلك، لكي يتمكن العاملون من مواكبة هذا التطور وبناء مسار مهني جديد، شرط اكتساب المهارات اللازمة لإنجاز العمل. كما أن إظهار المعرفة في تطوير الذكاء الاصطناعي يمكن أن يمنح الموظف أفضلية.
وظائف يصعب استبدالها
رغم الزخم الكبير، يبقى الذكاء الاصطناعي عاجزًا عن إلغاء عدد من المهن المرتبطة جوهريًا بالمهارات الإنسانية، ومنها:
-
التعليم: حيث يظل المعلم مصدر إلهام لا يمكن الاستعاضة عنه رقميًا بالكامل.
-
المحاماة والقضاء: بسبب الحاجة إلى التفاوض والخبرة القانونية والتقدير الإنساني.
-
الإدارة والقيادة التنفيذية: لارتباطها بالكاريزما والقدرة على تحفيز الفرق.
-
الموارد البشرية: التي تتطلب مرونة وتعاملًا بشريًا في شؤون العمل.
-
الطب النفسي: إذ تظل اللمسة الإنسانية ضرورية لدعم الصحة النفسية.
-
الجراحة: رغم دقة الروبوتات، يبقى القرار الإنساني الحاسم جوهريًا.
-
تحليل الأنظمة: للحاجة الدائمة إلى تدخل بشري في صيانة البرمجيات.
-
الفنون والكتابة: حيث يظل الإبداع مجالًا عصيًّا على الاستبدال الكامل.
خسارة وفرص
يُقدّر المنتدى الاقتصادي العالمي أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى استبدال نحو 85 مليون وظيفة بحلول عام 2025.
وتشير شركة "فري ثينك" إلى أنّ ما يقارب 65% من وظائف قطاع التجزئة قد تخضع للأتمتة بحلول العام نفسه، موضحة أن ذلك يرتبط إلى حدّ كبير بالتقدم التكنولوجي، وارتفاع التكاليف والأجور، وضيق أسواق العمل، فضلًا عن انخفاض إنفاق المستهلكين.
كما تُقدّر شركة "بي دبليو سي" أنّه بحلول منتصف ثلاثينيات القرن الحالي قد تُؤتمت ما يصل نسبته إلى 30% من الوظائف، مع تأثير أكبر قليلًا على الرجال على المدى الطويل، إذ ستتولى المركبات ذاتية القيادة وأنواع أخرى من الآلات القيام بالعديد من المهام اليدوية التي يهيمن عليها الذكور تقليديًا.
وفي المقابل، ترى التقديرات أنّ النساء قد يكنّ أكثر عرضة في الموجتين الأولى والثانية من الأتمتة، نظرًا لارتفاع نسبة تمثيلهن في الوظائف الكتابية والإدارية التي يسهل على الذكاء الاصطناعي التعامل معها.
كيف يمكن تبني مهارات الذكاء الاصطناعي؟
وبالنظر إلى هذه التوقعات، يصبح لزامًا على العامل أن يتعرّف إلى الذكاء الاصطناعي في مجال عمله من أجل تطوير مساره المهني. ويشير موقع "لينكدإن" إلى أنّ الجميع يملكون بالفعل خبرة سابقة في التعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، حتى وإن لم يدركوا ذلك.
فعلى سبيل المثال، يعتمد طرح الأسئلة على المساعدين الصوتيين مثل "أليكسا" و"سيري" على الذكاء الاصطناعي. كما أن العديد من تطبيقات الهواتف الذكية توظّف هذه التقنية. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي يتصدر عناوين الأخبار في الآونة الأخيرة، فيُعد الخطوة التالية والأكثر تقدمًا في هذا المجال.
وتؤكد الشركة أنّ البقاء في الطليعة بعصر الذكاء الاصطناعي يتطلب تطوير مهارات جديدة باستمرار، والتكيف مع سوق العمل المتغيّر بوتيرة متسارعة.
ففي هذا العصر، لا بد من التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات وأساليب العمل الحديثة، وهو ما يعني الانخراط في الدورات التدريبية، والمشاركة في ورش العمل والمؤتمرات، ومتابعة أحدث التوجهات في مجال التخصص.
ورغم براعة الذكاء الاصطناعي في أداء المهام الروتينية، فإنه لا يزال عاجزًا عن محاكاة الذكاء العاطفي والإبداع البشري. لذلك، يبقى تطوير المهارات الشخصية مثل التواصل، وحل المشكلات، والتعاون أمرًا أساسيًا للنجاح في بيئة العمل.
كما أن القدرة على التكيف السريع مع الظروف المتغيرة تظل من أهم الشروط. فذلك يعني الاستعداد لاكتساب مهارات جديدة، وتحمّل مسؤوليات إضافية، وخوض مسارات مهنية مختلفة عند الحاجة.
ومع انتشار الذكاء الاصطناعي على نطاق أوسع، سيزداد الطلب على الكفاءات ذات المهارات المتخصصة والمعارف الدقيقة. ومن هنا، فإن تطوير الخبرة في مجال محدد يعزز قيمة الفرد لدى أصحاب العمل، ويمنحه ميزة تنافسية واضحة في سوق العمل.