استطاع العلماء على مر التاريخ ابتكار اختراعات لخدمة حياة الإنسان، لكن ملكية عدد كبير من هذه الاختراعات تبقى محل نزاع ساخن. فبعد 113 عامًا من وفاة المخترع الأصلي أنطونيو ميوتشي أثبتت المحكمة أن ألكسندر غراهام بيل لم يخترع الهاتف.
جدال مماثل ينطلق بشأن نظام تحديد المواقع العالمي "جي بي اس" الذي أصبح جزءًا لا غنى عنه في الحياة الحديثة. فهذا النظام مثبت في السيارات والسفن والطائرات والكاميرات ومعدات البناء وأجهزة الحاسوب المحمولة والهواتف الذكية وغيرها. فمن الذي اخترعه؟
روجر إل إيستون العقل المدبّر
لا يوجد إجماع حول الجهة التي ينسب إليها الفضل في إنشاء هذا النظام. وبحسب موقع "غو أوسوم"، ساهم 4 أشخاص باختراع هذه التكنولوجيا الثورية التي طورتها وزارة الدفاع الأميركية في نهاية المطاف لمساعدة القوات العسكرية.
فقد بدأت وزارة الدفاع الأميركية مشروع نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) في عام 1973، بحسب موقع "سيرفيينغ غروب".
كان روجر إل إيستون الرئيس السابق لفرع التطبيقات الفضائية في مختبر الأبحاث البحرية هو العقل المدبر وراء العديد من التطبيقات والتقنيات الهندسية التي مكنت من تطوير نظام تحديد المواقع العالمي.
عمل إيستون، وهو عالم من الحرب الباردة، على تكنولوجيا لتتبع الأقمار الصناعية مثل سبوتنيك في الاتحاد السوفيتي قبل أن يبتكر مفهومًا ملاحيًا قائمًا على الوقت يسمى "تايميشن" والذي يستخدم المدى السلبي والمدارات الدائرية والساعات عالية الدقة المحمولة في الفضاء والمتزامنة مع الساعة الرئيسية.
وحتى اليوم، تعتبر هذه الميزات حيوية في نظام تحديد المواقع العالمي الحديث.
وبحسب "غو أوسوم"، ففي عام 2004، حصل إيستون على الميدالية الوطنية للولايات المتحدة للتكنولوجيا والابتكار من الرئيس آنذاك جورج دبليو بوش. تم منحه هذا التكريم تقديرًا لـ"الإنجازات الرائدة واسعة النطاق في تكنولوجيا تتبع المركبات الفضائية والملاحة والتوقيت التي أدت إلى تطوير نظام تحديد المواقع العالمي نافستار".
ومع ذلك، لم تعترف قاعة مشاهير المخترعين الوطنية حتى عام 2010 بجهود إيستون في إنشاء نظام تحديد المواقع العالمي.
إيفان غيتينغ ومفهوم نظام تحديد المواقع العالمي
وتنسب قاعة مشاهير المخترعين الفضل إلى الدكتور إيفان غيتينغ في المضي قدمًا في "مفهوم استخدام نظام متقدم من الأقمار الصناعية للسماح بحساب بيانات تحديد المواقع الدقيقة بشكل رائع للمركبات سريعة الحركة، بدءًا من السيارات إلى الصواريخ".
وقد اعترفت الأكاديمية الوطنية الأميركية للهندسة بجهود غيتنغ الرئيس المؤسس لشركة "آيروسبيس كوربورايشن". ومنحته الأكاديمية جائزة تشارلز ستارك دريبر للهندسة في عام 2003 عن "مفهوم نظام تحديد المواقع العالمي وتطويره".
وبشكل أكثر تحديدًا، تنسب الأكاديمية الفضل لغيتينغ لعمله على "تصميم نظام تحديد المواقع العالمي وقيمته التشغيلية والتخطيط والتفاوض والتوصل إلى اتفاقيات مع جميع أصحاب المصلحة في النظام".
فقد اقترح غيتينغ نظامًا ثلاثي الأبعاد لتحديد المواقع بفارق وقت الوصول للملاحة وباعترافه الشخصي، "كان أحد المقترحات التي طرحتها شركة الفضاء... هو في الأساس ما يعرف الآن بنظام تحديد المواقع العالمي (GPS)".
ومع الاعتراف بأن البحرية قد طورت بالفعل نظامًا جيدًا جدًا للملاحة الفضائية عندما تم طرح هذا الاقتراح على وزارة الدفاع، يقول غيتينغ: "كان الاستنتاج الذي توصل إليه مدير أبحاث الدفاع والهندسة هو أن نظامًا واحدًا كان مطلوبًا وأنه يجب أن يعتمد على مفهوم القوات الجوية/الفضاء الجوي المسمى جي بي أس والذي طورته القوات الجوية بالتعاون مع جميع الخدمات الثلاث".
ومع ذلك، فقد جادل ريتشارد، نجل إيستون، بشدة بأن مساهمات غيتينغ، في أحسن الأحوال، تقتصر على دعم برنامج نظام تحديد المواقع العالمي، لذا لا ينبغي أن يُنسب إليه الفضل في كونه مخترعه.
برادفورد باركنسون مهندس النظام
كان باركنسون في طليعة مكتب برنامج "نافستار جي بي أس" المشترك من عام 1972 إلى عام 1978. وبحسب قاعة مشاهير المخترعين "فبصفته أول مدير للبرنامج، كان باركنسون المهندس الرئيسي لنظام تحديد المواقع العالمي طوال فترة تصور النظام والتطوير الهندسي والتنفيذ. وقد أكسب هذا أيضًا باركنسون لقب "أبو نظام تحديد المواقع العالمي"، بحسب موقع "غو أوسوم".
تم تكليف باركنسون، الذي كان عقيدًا في القوات الجوية في ذلك الوقت، بإحياء برنامج منظمة أنظمة الفضاء والصواريخ المسمى 621B الذي يوفر الارتفاع، بالإضافة إلى خطوط الطول والعرض لأغراض الملاحة. وبمجرد أن قررت وزارة الدفاع أنها تريد تطوير برنامج مشترك بالتعاون مع جميع الخدمات العسكرية، تم تكليف باركنسون بمهمة تنسيق هذا البرنامج.
ويقول باركنسون في خطاب ألقاه في جامعة ستانفورد إن هذا البرنامج الجديد استخرج الساعات من "تيمايشن" الخاص بإيستون، وبنية الإشارة لـ 621B، وطريقة التنبؤ المداري من نظام ملاحي بحري آخر يسمى "ترانزت" والذي تم تطويره في مختبر الفيزياء التطبيقية بجامعة جونز هوبكنز. وشكل هؤلاء معًا نظام تحديد المواقع العالمي "نافستار".
غلاديس ويست
كذلك تعد غلاديس ويست شخصية نسائية رئيسية في اختراع نظام تحديد المواقع العالمي، بحسب صحيفة "الغارديان".
كانت الرحلة للاعتراف بها كإحدى الشخصيات الرئيسية وراء اختراع نظام تحديد المواقع العالمي طويلة. ففي عام 1956، بدأت ويست العمل في مختبر الأسلحة البحرية الأميركية.
وكان هذا المختبر في طليعة سباق الفضاء في فترة ما بعد الحرب الباردة وموطنًا لمركز مراقبة الفضاء البحري حتى عام 2004 عندما تولى سلاح الجو زمام الأمور في الفضاء. وكانت ويست، عالمة رياضيات، تقوم بجمع الأرقام ومعالجة البيانات من الأقمار الصناعية للمساعدة في تحديد موقعها الدقيق.
وفي ديسمبر/ كانون الأول 2018، أُدخلت ويست أخيرًا في قاعة مشاهير رواد الفضاء والصواريخ بالقوات الجوية - وهي واحدة من أعلى مراتب الشرف في قادة الفضاء بالقوات الجوية.
وفي حفل التقديم، اعترفت القوات الجوية بمساهمة ويست في برمجة كمبيوتر "IBM 7030 "Stretch لتقديم "حسابات منقحة بشكل متزايد لنموذج جيوديسي دقيق للغاية للأرض، وهو مجسم أرضي، مُحسّن لما أصبح في النهاية مدار نظام تحديد المواقع العالمي.
ويوجد ما لا يقل عن 31 قمرًا صناعيًا عاملاً لنظام تحديد المواقع العالمي "جي بي أس" تدور حول الأرض وتؤثر على كل جانب من جوانب حياتنا.