لفظت الرضيعة الفلسطينية مكة صلاح الغرابلي (عام) أنفاسها الأخيرة، في أحد أقسام مستشفى شهداء الأقصى وسط قطاع غزة.
وجاء استشهاد الرضيعة مكة، بعد معاناة مريرة مع الجوع وسوء التغذية، وهو مصير يهدد عشرات آلاف الأطفال الرضع دون عمر السنة الواحدة، وفق مكتب الإعلام الحكومي بغزة.
وفشلت كل محاولات إنقاذ مكة، جراء انعدام الحليب العلاجي ونقص الأدوية الأساسية؛ بسبب حصار إسرائيلي خانق.
والحليب العلاجي مصمم لتلبية الاحتياجات الغذائية للأطفال الرضع الذين يعانون مشاكل صحية معينة، مثل سوء التغذية الحاد أو الارتجاع المعدي المريئي أو الحساسية تجاه اللاكتوز.
أيام "مكة" الأخيرة
وذبلت مكة في حضن أسرتها ببطئ، وهي تنتظر جرعة حليب علاجي لم تأتِ، ما فاقم حالتها الصحية، لتفارق حياة لم تعش فيها سوى عام كله معاناة.
ومنذ 2 مارس/ آذار الماضي، تغلق إسرائيل معابر غزة أمام دخول المساعدات الإنسانية والإغاثية والطبية، ما تسبب بانهيار القطاع الصحي وتفشي المجاعة.
وحسب أحدث حصيلة لوزارة الصحة بغزة، الإثنين، بلغ عدد وفيات المجاعة وسوء التغذية 147 فلسطينيًا، بينهم 88 طفلًا، منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وأظهر مقطع مصور، مكة وهي مستلقية على سرير المستشفى ببطن منتفخ، وقد برزت بوضوح عظام قفصها الصدري وفخذيها. وغطّت آثار التجويع ملامح وجهها النحيل، وبدت على ظهرها علامات حمراء جراء نقص المناعة وسوء العناية، في ظل غياب المستلزمات الطبية المنقذة للحياة.
وقال مصدر طبي في المستشفى لوكالة "الأناضول": إن مكة كانت تعاني من سوء تغذية حاد بسبب غياب الحليب العلاجي وانعدام البدائل المناسبة. وأضاف أن الطواقم لم تكن تملك أي وسيلة فعالة لإنقاذها.
وحذر المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، في بيان يوم الإثنين، من "خطر وشيك" بوفاة 40 ألف رضيع فلسطيني؛ جراء منع إسرائيل إدخال حليب الأطفال.
وأكد أن غزة "على أعتاب كارثة إنسانية غير مسبوقة تهدد حياة عشرات آلاف الأطفال الرُّضع، نتيجة استمرار الاحتلال الإسرائيلي في منع إدخال حليب الأطفال منذ 150 يومًا بشكل متواصل، في جريمة إبادة صامتة".
"السيناريو الأسوأ"
وروى والد مكة، صلاح الغرابلي بمرارة تفاصيل رحلة معاناة وآلم انتهت برحيل الرضيعة، من أمام جثمان ابنته المسجية على سرير أبيض في المستشفى، وقال: "كنا نحاول نطعمها من البدائل، لا سيما العدس أو بطاطا في حال وجدت". وأضاف"كانت تبكي من الجوع وأنا عاجز، فلا حليب، ولا أدوية، ولا أي علاج".
وتابع: "الحليب العلاجي الذي كانت بحاجة له غير متوفر في غزة منذ شهور، وإذا توفر فبأسعار باهظة جدًا لا نستطيع توفيره". وأشار إلى أنهم جربوا معها الحليب العادل، لكنه لم يكن يناسبها، بل يزيد وضعها سوءًا.
والثلاثاء، وصفت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" الوضع في غزة بأنه "أسوأ سيناريو للمجاعة". وأكدت أن الطريقة الوحيدة لوقف هذه الكارثة هي إغراق غزة بكميات هائلة من المساعدات.
واحتسب الأب طفلته الرضيعة من "شهداء المجاعة في قطاع غزة". وتمنى أن تتم إعادة فتح المعابر لإدخال المواد الغذائية وإنهاء المجاعة. وقال: "نريد فتح المعابر من أجل ألا يصل أطفال غزة إلى هذا الحال".
والإثنين، قال وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة بحالات الطوارئ توم فليتشر: إن واحدًا من كل ثلاثة فلسطينيين بغزة لم يأكل منذ أيام، ودعا إلى إيصال المساعدات بشكل سريع.