الأحد 19 أبريل / أبريل 2026
Close

جوازات للبيع: كيف تحوّلت برامج شراء الجنسيات إلى بوابة للفساد والهروب من العقوبات؟

جوازات للبيع: كيف تحوّلت برامج شراء الجنسيات إلى بوابة للفساد والهروب من العقوبات؟ محدث 11 أغسطس 2025

شارك القصة

تُعرَّف برامج "الجنسية مقابل الاستثمار" بأنها آليات قانونية تسمح لبعض الدول بمنح جنسيتها مقابل مساهمة مالية كبيرة - غيتي
تُعرَّف برامج "الجنسية مقابل الاستثمار" بأنها آليات قانونية تسمح لبعض الدول بمنح جنسيتها مقابل مساهمة مالية كبيرة - غيتي
تُعرَّف برامج "الجنسية مقابل الاستثمار" بأنها آليات قانونية تسمح لبعض الدول بمنح جنسيتها مقابل مساهمة مالية كبيرة - غيتي
الخط
تحوّلت برامج الجنسية والإقامة مقابل الاستثمار تدريجيًا إلى ممرات خلفية يستغلّها أثرياء مشبوهون وأشخاص خاضعون لعقوبات دولية أو ملاحقون قضائيًا، للحصول على شرعية قانونية.

في ظلّ الأزمات السياسية والاقتصادية المتفاقمة التي تعصف بالعديد من دول الجنوب العالمي، بات يُنظر إلى امتلاك جواز سفر ثانٍ بوصفه خطة نجاة ومفتاحًا لحياة أكثر استقرارًا وأمانًا. وتغصّ شبكات الإنترنت ومنصّات التواصل الاجتماعي بعروض مغرية من قبيل: "احصل على جنسية ثانية خلال 3 أشهر"، "سافر من دون فيزا إلى أوروبا"، و"اشترِ جوازًا من دون أن تغادر بيتك".

تُعدّ برامج "الجنسية مقابل الاستثمار" (Citizenship by Investment) و**"الإقامة مقابل الاستثمار"** (Residency by Investment) أدوات تتبنّاها بعض الدول لدعم اقتصاداتها وجذب رؤوس الأموال الأجنبية، مع إتاحة دخول أكثر من 140 دولة حول العالم من دون تأشيرة. لكن خلف هذه الواجهة، يتشكّل نظام عالمي موازٍ تتقاطع فيه المصالح المالية بالنفوذ السياسي، وتختلط فيه حرية التنقّل بعمليات غسل الأموال، وتُستغَل فيه الجنسية للهروب من العقوبات والمساءلة القضائية.

ورغم أن لكل دولة الحق السيادي في تحديد معايير منح جنسيتها، تحوّلت هذه البرامج تدريجيًا إلى ممرات خلفية يستغلّها أثرياء مشبوهون وأشخاص خاضعون لعقوبات دولية أو ملاحقون قضائيًا، للحصول على شرعية قانونية، والوصول إلى الأنظمة المصرفية، والتنقّل بحرية من دون إثارة الشبهات. وقد حذّر ناشطون ومنظمات مكافحة الفساد مرارًا من تداعيات هذه الظاهرة، لما تسببه من إضعاف التنسيق الأمني بين الدول وتآكل الثقة في منظومات التحقق من الهوية وضبط الحدود، خاصةً حين تُقترَن بإمكانية تغيير الأسماء قانونيًا أو الحصول على جوازات بديلة تُخفي الهوية الأصلية.

ما هي برامج شراء الجنسيات؟

تُعرَّف برامج "الجنسية مقابل الاستثمار" بأنها آليات قانونية تسمح لبعض الدول بمنح جنسيتها مقابل مساهمة مالية كبيرة، غالبًا على شكل تبرّع غير قابل للاسترداد لصندوق حكومي (يبدأ من 100 ألف دولار)، أو عبر استثمار في العقارات أو المشاريع التنموية بمبالغ أكبر. ولا تشترط هذه البرامج دائمًا إقامة المتقدّم في الدولة أو حتى زيارته لها.

وتبرز دول الكاريبي كأبرز مقدّمي هذه البرامج، مثل: سانت كيتس ونيفيس، دومينيكا، أنتيغوا وبربودا، غرينادا، وسانت لوسيا. كما اعتمدت بعض دول الاتحاد الأوروبي، مثل قبرص ومالطا، برامج مماثلة قبل أن تُلغى أو تُشدَّد بفعل الفضائح والمخاوف الأمنية.

ورغم شرعيتها وخضوعها لأطر تنظيمية محلية ودولية، تحوّلت هذه البرامج إلى أدوات جذب لرؤوس الأموال المشبوهة، فاستُخدمت أحيانًا لغسل الأموال عبر استثمارات عقارية وهمية، أو لإخفاء هوية أشخاص خاضعين لعقوبات، أو للإفلات من الملاحقات القضائية، أو للحصول على نفوذ سياسي وتسهيلات مصرفية يصعب بلوغها بالطرق التقليدية.

الكاريبي: بوابة الجنسيات "الرخيصة"... ومأوى الهاربين؟

خلال العقد الأخير، أصبحت دول الكاريبي محطات رئيسية في سوق "جوازات السفر الذهبية"، حيث يمكن للأفراد شراء الجنسية مقابل مساهمة مالية من دون الحاجة إلى الإقامة أو حتى الزيارة. وتمتاز هذه البرامج بمرونتها وكلفتها المنخفضة مقارنةً بالأوروبية، ما يجعلها خيارًا جذابًا ليس فقط للأثرياء، بل أيضًا لشرائح واسعة من مواطني دول الجنوب العالمي الباحثين عن مخرج من أزمات سياسية أو اقتصادية خانقة، أو ببساطة عن حرية تنقّل أوسع.

غير أنّ الإقبال الكبير ترافق مع ثغرات خطيرة في آليات التدقيق، جعلت بعض هذه البرامج تتحوّل إلى ملاذ آمن لمرتكبي الجرائم المالية ومتهرّبين من العدالة، وحتى لشخصيات متورّطة بانتهاكات حقوق الإنسان.

في تقرير استقصائي بعنوان "دومينيكا: جوازات الكاريبي"[1]، كشف تحقيق مشترك لصحيفة الغارديان و14 وسيلة إعلامية بالتعاون مع مشروع مكافحة الفساد والجريمة المنظّمة (OCCRP) أن سلطات دومينيكا منحت الجنسية لآلاف الأفراد، بينهم مدانون أو مطلوبون دوليًا، مثل مسؤول سابق في الاستخبارات الأفغانية متهم بانتهاكات حقوق الإنسان، ورجل أعمال تركي مدان بالاحتيال، وعقيد سابق في النظام الليبي، فضلًا عن أشخاص مدرجين على قوائم الإنتربول. ورغم وجود قوانين تحظر منح الجنسية لأصحاب السوابق، لم يُطبَّق هذا الحظر بصرامة، ما أثار تساؤلات حول الشفافية.

خلال العقد الأخير، أصبحت دول الكاريبي محطات رئيسية في سوق "جوازات السفر الذهبية" - غيتي
خلال العقد الأخير، أصبحت دول الكاريبي محطات رئيسية في سوق "جوازات السفر الذهبية" - غيتي

أما في سانت لوسيا، فكشفت منصة MSR MEDIA[2] في أبريل/نيسان 2024 عن تورّط مجموعة عقارية في عمليات يُشتبه بأنها تشمل احتيالًا وغسل أموال بقيمة تفوق 35 مليون دولار ضمن برنامج الجنسية، مع امتداد نشاطاتها إلى عدة دول كاريبية، مما يعمّق المخاوف بشأن تواطؤ مسؤولين محليين مع هذه الشبكات. وقد وُجّهت اتهامات مباشرة لرئيس الوزراء فيليب ج. بيير والوزير إرنست هيلير، المسؤول عن البرنامج، بالتغاضي عن هذه الممارسات أو حتى التورّط فيها، خاصةً مع غيابهما عن اجتماعات دولية حساسة مع الاتحاد الأوروبي لمناقشة مستقبل هذه البرامج.

وفيما تحاول بعض دول الكاريبي إدخال إصلاحات لخفض الضغوط الدولية، تظهر في أوروبا أمثلة أوضح على تواطؤ السلطة السياسية نفسها مع شبكات التجنيس المشبوه.

مالطا: جوازات ذهبية بين الفساد واغتيال صحافية

في أبريل/نيسان 2025، قضت محكمة العدل الأوروبية بأن برنامج "الجنسية مقابل الاستثمار" في مالطا مخالف لقانون الاتحاد الأوروبي، لأنه يُمنح من دون "صلة حقيقية" بين المتقدّم والدولة، واعتبرته شكلًا من "تسليع الجنسية الأوروبية". وألزمت المحكمة مالطا بتعديله أو إلغائه فورًا، مهدّدة بفرض غرامات مالية إذا لم تمتثل. وتُعدّ مالطا اليوم آخر دولة داخل الاتحاد الأوروبي لا تزال تطبّق هذا النوع من البرامج، بعد أن أوقفته كل من بلغاريا وقبرص تحت ضغط من المفوضية الأوروبية.[3]

ورغم المكاسب المالية التي حققها البرنامج منذ إطلاقه عام 2014، ظلّ موضع شبهات وانتقادات واسعة من الاتحاد الأوروبي ومنظمات المجتمع المدني والصحافيين الاستقصائيين. وبرغم تأكيد الحكومة أن البرنامج يخضع لإجراءات تدقيق صارمة، كشفت تحقيقات أنه منح الجنسية المالطية - وبالتالي حق دخول دول الاتحاد الأوروبي - لأشخاص مثيرين للشبهات، بينهم أوليغاركيون روس وأفراد مدرجون على لوائح العقوبات الدولية.

وقد بلغت الشبهات ذروتها حين ارتبط البرنامج بإحدى أشهر القضايا في تاريخ مالطا: اغتيال الصحافية الاستقصائية دافني كاروانا غاليزيا في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2017 بتفجير سيارة مفخخة، بعد أشهر من تحقيقها في قضايا فساد مرتبطة مباشرة ببرنامج الجوازات الذهبية[4]. فقد كشفت كاروانا غاليزيا ارتباط شركة 17 بلاك المملوكة لرجل الأعمال يورغن فينيش - المتهم بتمويل الاغتيال - بشركات يملكها مدير مكتب رئيس الوزراء كيث شيمبري ووزير السياحة كونراد ميزي، فضلًا عن شبكة معقدة من الرشاوى والعمولات داخل الحكومة.

أكمل فريق Daphne Project التحقيق بعد اغتيالها، ليكشف أن ثلاثة رجال أعمال روس دفعوا رشاوى سرية عبر حسابات مصرفية وشركات واجهة للحصول على الجنسية المالطية[5]. وأدّت هذه القضية إلى استقالة رئيس الوزراء جوزيف موسكات عام 2020، وسط اتهامات وُجّهت له بحماية المتورطين في الجريمة واستغلال برنامج الجنسية لتحقيق مكاسب شخصية.[6]

وفي يونيو/حزيران 2025، حكمت محكمة مالطية بالسجن المؤبد على شخصين أدينا بتزويد القنبلة، التي قتلت كاروانا غاليزيا. وكان شقيقان آخران قد أقرّا بإشرافهما على تفجير القنبلة، وحُكم عليهما بالسجن 40 عامًا في 2022. أما المتهم الخامس فيقضي حاليًا حكمًا بالسجن لمدة 15 عامًا بعد تعاونه مع السلطات فيما ينتظر يورغن فينيش محاكمته خلف أبواب مغلق.[7]

فضيحة "أوراق قبرص": شبكة سياسية تتاجر بالجنسية

على غرار ما حصل في مالطا، أدّت الشبهات حول برنامج "الجنسية مقابل الاستثمار" في قبرص إلى تفجير واحدة من أكبر الفضائح السياسية في تاريخ البلاد. ففي العام 2020، فجّرت شبكة الجزيرة فضيحة مدوية عبر تحقيق سري بعنوان "أوراق قبرص: المهمة السرية"[8]، أظهر تورّط مسؤولين رفيعي المستوى في تسهيل حصول مجرم مدان على جواز سفر قبرصي مقابل مبالغ مالية كبيرة، رغم عدم استيفائه الشروط القانونية.

كشف التحقيق عن شبكة منظّمة تضم سماسرة وسياسيين، أبرزهم رئيس البرلمان ديمتريس سيلوريس وعضو البرلمان كريستاكيس جوفاني (أحد كبار المطوّرين العقاريين)، كانت تعرض المساعدة في تمرير الطلبات "المشبوهة" ضمن برنامج الاستثمار القبرصي، الذي يمنح الجنسية مقابل استثمار لا يقل عن مليونَي يورو. وأظهرت الوثائق المسربة أن الحكومة منحت الجنسية بشكل روتيني لأشخاص مدانين أو خاضعين لتحقيقات جنائية، خلافًا للشروط القانونية التي تشترط سجلًا جنائيًا نظيفًا، وهو ما سمح لهم بدخول الاتحاد الأوروبي بحرية. كما حصلت "الجزيرة" لاحقًا على قاعدة بيانات[9] تضم 2500 اسم من أكثر من 70 دولة، يُصنَّف عدد كبير منهم ضمن فئة "المخاطر العالية" وفق المعايير الأوروبية.

ورغم تعديل القوانين عامَي 2019 و2020 لتقييد قبول الطلبات من أصحاب السوابق والأشخاص الخاضعين لعقوبات أو المكشوفين سياسيًا، أظهرت الوثائق أن القواعد كثيرًا ما تم تجاوزها أو تليينها، خاصةً بعد تقليص فترات المنع.

وفي أعقاب التحقيق، استقال سيلوريس وجوفاني، فيما أعلنت المفوضية الأوروبية عزمها اتخاذ إجراءات عقابية بحق قبرص لانتهاكها قوانين الاتحاد الأوروبي المتعلّقة بمنح الجنسية لمستثمرين أجانب. وعلّقت الحكومة البرنامج رسميًا تحت ضغط المفوضية الأوروبية.[10]

أدّت الشبهات حول برنامج "الجنسية مقابل الاستثمار" في قبرص إلى تفجير واحدة من أكبر الفضائح السياسية في تاريخ البلاد - غيتي
أدّت الشبهات حول برنامج "الجنسية مقابل الاستثمار" في قبرص إلى تفجير واحدة من أكبر الفضائح السياسية في تاريخ البلاد - غيتي

ضغط دولي وإصلاحات متسارعة

في مواجهة التحديات الناجمة عن برامج بيع الجنسية، لم تعد هذه البرامج تمرّ مرور الكرام على الدول الكبرى والهيئات الدولية. فبينما تتصاعد الدعوات الأوروبية لتشديد الرقابة عليها أو إلغائها، نظرًا إلى ما تمنحه من دخول شبه تلقائي إلى أراضي الاتحاد الأوروبي، كما حصل في قبرص ويجري اليوم في مالطا، يزداد الضغط أيضًا من الجانب الأميركي، مما دفع عددًا من دول الكاريبي إلى إدخال إصلاحات جوهرية خلال عام 2025.

ففي يوليو/ تموز 2025، وفي أعقاب تقارير أفادت بأن الإدارة الأميركية تدرس فرض قيود على منح التأشيرات لمواطني عدد من الدول، من بينها دول كاريبية تعتمد برامج "الجنسية مقابل الاستثمار"، أعلنت حكومة سانت كيتس ونيفيس عن تغييرات غير مسبوقة في برنامجها، شملت فرض شروط إقامة فعلية على المتقدّمين وإلزامهم بتقديم بياناتهم البيومترية،[11] في تحوّل جذري للنظام الذي لطالما روّجت له هذه البرامج القائمة على الحصول على الجنسية من دون إقامة في الدولة المعنيّة أو حتى زيارتها.

وفي دومينيكا، أكد رئيس الوزراء روزفلت سكيريت استعداد حكومته لاتخاذ خطوات تشريعية وتنظيمية عاجلة، منها مشروع قانون يمنع المتقدّمين من بعض الدول الإفريقية من تغيير أسمائهم بعد نيل الجنسية، في مسعى لمواجهة المخاوف المتعلّقة بالهوية والشفافية.

وأكد مسؤولون في البلدين أن هذه الخطوات ليست مجرّد ردّ فعل على الضغط الأميركي، بل جزء من مسار إصلاحي أوسع هدفه حماية سمعة برامج الجنسية والحفاظ على الثقة الدولية بجوازات السفر الكاريبية وضمان استمرار الوصول من دون تأشيرة إلى دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.[12]

وفي موقف أميركي يعود إلى ديسمبر/ كانون الأول 2023، تطرّق مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأميركية إلى برامج الجنسية مقابل الاستثمار، في معرض إعلانه عن عقوبات على مسؤولَين أفغانيَين سابقَين بتهم فساد عابر للحدود. وحذّر المكتب من أن هذه البرامج، المصمّمة لجذب الاستثمارات عبر منح الجنسية من دون اشتراط الإقامة، تُستغلّ أحيانًا من قبل نافذين فاسدين لإخفاء الأصول وتسهيل الأنشطة غير المشروعة ودخول أجزاء من النظام المالي العالمي كانت محجوبة عنهم، مؤكدًا أن هذا النوع من الاستغلال يقوّض جهود مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ويهدّد نزاهة المنظومة المالية الدولية بأكملها.[13]

وفي السياق نفسه، أصدرت مجموعة العمل المالي (FATF)، وهي هيئة دولية أسّستها مجموعة الدول الصناعية السبع، تقريرًا[14] في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023 اعتبرت فيه أن برامج الجنسية مقابل الاستثمار قد تسهّل تنقّل المجرمين عالميًا وتساعدهم في إخفاء هويتهم ونشاطاتهم الإجرامية من خلال شركات واجهة مسجّلة في دول أخرى. وأشار التقرير إلى ثغرات هيكلية في هذه البرامج، منها: الاعتماد الواسع على الوسطاء وتداخل الصلاحيات بين أكثر من جهة حكومية واستغلال الثغرات من قبل "ميسّرين محترفين"، إضافةً إلى غياب الحوكمة الرشيدة في إدارتها.

وفي هذا الإطار، قال رئيس المجموعة تي. راجا كومار: "إن منح الجنسية أو الإقامة للمستثمرين الأثرياء عبر برامج جوازات السفر الذهبية والتأشيرات قد يؤدي إلى نمو اقتصادي، لكنه قد يُستغَل أيضًا - كما هو حاصل فعلًا - من قبل مجرمين وفاسدين يسعون إلى تبييض أموالهم وإخفاء هويتهم وممتلكاتهم أو ارتكاب جرائم إضافية"، داعيًا الحكومات التي تطبّق هذه البرامج إلى "اعتماد مجموعة من الضوابط لضمان إدارتها بطريقة تأخذ في الاعتبار مخاطرها".[15]

بين الحاجة إلى الإصلاح وخطر الإفلات

لم تعد قضية "بيع الجنسيات" مجرّد نقاش قانوني أو سياسي، بل تحوّلت إلى نقطة تقاطع بين الحاجة إلى جذب الاستثمارات والمخاطر الحقيقية المتمثّلة في الفساد واستغلال الثغرات. لا شكّ أن هذه البرامج وفّرت موارد مالية مهمة لعدد من الدول الصغيرة أو ذات الاقتصادات المحدودة، وساهمت أحيانًا في تحفيز قطاعات كالسياحة والعقار. لكن في المقابل، كشفت السنوات الأخيرة عن مشكلات بنيوية في طريقة إدارة هذه البرامج، سمحت في بعض الحالات بمرور أشخاص متورّطين في جرائم أو انتهاكات خطيرة.

من هنا، تتّجه المطالبات المتزايدة إلى التأكيد أن الحل لا يكمن بالضرورة في إلغاء برامج الجنسية مقابل الاستثمار بالكامل، بل في إصلاحها بعمق، من ناحية بناء أنظمة أكثر شفافية وخضوعًا للمساءلة، تتضمّن معايير دقيقة لاختيار المستفيدين وتشديد الرقابة على الوسطاء الذين يؤدّون دورًا مركزيًا في هذه السوق. كما يُفترَض تعزيز التعاون بين الدول لتبادل المعلومات والتحقّق من هويات المتقدّمين، بما يضمن عدم تحوّل الجنسيات الجديدة إلى أدوات للإفلات من العقاب أو الالتفاف على القوانين الدولية.[16]


المراجع


[1] Jasper Jolly, Revealed: thousands who bought ‘golden passports’ through Dominica’s $1bn scheme, The Guardian, October 11, 2023.
[2] Unitedpac, Saint Lucia’s Citizenship By Investment Program Under Fire Amid Corruption Allegations, April 19, 2024.
[3] Daiva Repečkaitė, EU Court Rules Malta's Golden Passport Program is Illegal, OCCRP, April 29, 2025.
[4] Lorenzo Bagnoli, Murdered Maltese Journalist was Investigating Island’s Golden Visas, OCCRP, April 18, 2018.
[5] المصدر نفسه
[6] Reuters, Former Maltese PM brought down by journalist murder quits parliament, October 6, 2020.
[7] Reuters, Two men jailed for life for procuring bomb that killed Malta journalist, June 19, 2025.
[8] الجزيرة، أوراق قبرص - المهمة السرية.. تكشف كيف يباع جواز السفر للمجرمين، 25 أكتوبر 2020. https://www.youtube.com/watch?v=FQ95hImZ3N
[9] للاطلاع على قاعدة البيانات: https://interactive.aljazeera.net/aja/cyprus-papers/index.html
[10] الجزيرة، على خلفية تحقيق الجزيرة.. استقالة رئيس البرلمان القبرصي بعد فضيحة فساد منح الجنسية لمجرمين، 15 أكتوبر 2020.
[11] International Investment, Caribbean CBI Programs Under US Pressure: St. Kitts and Dominica Announce Stricter Rules, July 23, 2025.
[12] المصدر نفسه
[13] U.S. Department of the Treasury, Treasury Targets Transnational Corruption, December 11, 2023,
[14] FATF, Misuse of Citizenship and Residency by Investment Programmes, November 22, 2023.
[15] المصدر نفسه
[16] Anton Stravinsky, Citizenship for Sale: The Global Fallout of Visa-for-Investment Corruption, News Trail, May 29, 2025.
تابع القراءة

المصادر

خاص موقع التلفزيون العربي
المزيد من