الخميس 4 كانون الأول / ديسمبر 2025

جيش التيراكوتا في الصين القديمة.. المحاربون المصنوعون من الطين

جيش التيراكوتا في الصين القديمة.. المحاربون المصنوعون من الطين محدث 15 تشرين الثاني 2025

شارك القصة

يضمّ جيش "تيراكوتا" 8 آلاف محارب مصنوع من الطين
يضمّ جيش التيراكوتا 8 آلاف محارب مصنوع من الطين - غيتي
الخط
رحلة إلى جيش التيراكوتا تحت أرض الصين القديمة، حيث يقف آلاف المحاربين الطينيين في مقبرة الإمبراطور تشين شي هوانغ، كواحد من أعجب الاكتشافات الأثرية في العالم.

عند سفح جبال ليشان الصينية، يقع أحد أعظم الاكتشافات الأثرية في العصر الحديث، وهو عبارة عن مجمّع تحت الأرض بُني ليكون قبرًا للإمبراطور تشين شي هوانغ، أول إمبراطور للصين المُوحّدة. ويُعرَف هذا الموقع اليوم عالميًا باسم جيش التيراكوتا، أو جيش المحاربين المصنوعين من الطين.

واستعدادًا للحياة الآخرة، حشد الإمبراطور 700 ألف عامل لبناء مقبرة ضخمة لم يشهد العالم مثيلًا لها. ومن بين أبرز معالمها المذهلة جيش من الجنود المصنوعين من الطين بالحجم الطبيعي، كلٌّ منهم فريد من نوعه ومُكلَّف بحماية الإمبراطور بعد موته، وهو ما عُرف لاحقًا بجيش التيراكوتا.

بدأ بناء المجمع الذي تبلغ مساحته 22 ميلًا مربعًا عام 248 قبل الميلاد، واستغرقت العملية أكثر من 36 عامًا.

بالإضافة إلى الجنود الـ8 آلاف، يوجد 600 خيل من الطين، وعربات، و31 طائرًا وحيوانًا غريبًا، وأكثر من 100 هيكل عظمي للبشر الذين ماتوا أثناء بناء مجمع الدفن.

بفضل هذا الكمّ الهائل من الزخارف، تبقى مقبرة الإمبراطور تشين شي هوانغ إحدى أبرز العجائب الأثرية في العالم، بينما لا تقلّ قصة بنائها روعة عن قصة جيش "التيراكوتا" من المحاربين المصنوعين من الطين أنفسهم.

كيف تم إخفاء جيش التيراكوتا لآلاف السنين؟

كان قرار القائد المتمرّد شيانغ يو بنهب ضريح الإمبراطور الأول للصين تشين شي هوانغ، مع سقوط مدينة شيانيانغ، قرارًا منطقيًا من الناحية الاقتصادية.

ووجد شيانغ يو ورجاله في قبر هوانغ جيشًا مصنوعًا من الطين، يحمل عناصره أسلحة حقيقية وثمينة استُخدم بعضها في معارك سابقة.

وبما أنّ شيانغ يو افترض أنّ العديد منها سيُستخدم مرة أخرى، أشعل رجاله النار في الدعامات الخشبية الثقيلة للسقف تحت الأرض، فانهارت الغرف، وسُحقت التماثيل في مكانها، وبقيت منسية لأكثر من ألفي عام.

ووصف المؤرخ سيما تشيان، في كتاباته عن عدة أجيال من الأسرة الصينية الثانية، القبر الفخم للإمبراطور الأول بأنّه:

"قصر مُجهّز بنسخة مصغّرة من الإمبراطورية بأكملها، ويحتوي على أنهار وبحيرات مليئة بالعديد من الغالونات من الزئبق حتى لا تجف أبدًا".

لكنّ تشيان لم يذكر جيش التيراكوتا في أي من كتاباته، ولم يفعل ذلك أي مؤرخ آخر حتى أعادت اكتشافه مجموعة من المزارعين عام 1974.

يبقى جيش التيراكوتا أحد أبرز العجائب الأثرية في العالم
يبقى جيش التيراكوتا أحد أبرز العجائب الأثرية في العالم- غيتي

الاكتشاف المذهل لمُحاربي "تيراكوتا"

في أوائل عام 1974، عانت مدينة شيآن الصينية من موجة جفاف حادّة. وبينما كان عدد من الفلاحين يحفرون بئرًا للمياه، اصطدم يانغ جيفا بشيء صلب ظنّه في البداية جرّة مدفونة، ومع استمرار الحفر بدأت المزيد من القطع الغريبة بالظهور.

وبعد وقت قصير من هذا الاكتشاف، وصل إلى الموقع الباحث في علم الآثار تشاو كانجمين، والذي كان قد سبق له العثور على تماثيل فردية مشابهة في المنطقة. جمع كانجمين القطع الجديدة مع الأجزاء الأخرى التي عُثر عليها في الموقع نفسه، ليتّضح أمامه أنّها أجزاء من تماثيل محاربين كاملين، فعرف عندها أنّه أمام اكتشاف استثنائي.

جيش التيراكوتا ليس مجرد مجموعة من التماثيل الطينية، بل مشروع جنائزي هائل أراد به الإمبراطور تشين شي هوانغ أن يمدّ سلطانه إلى ما بعد الموت.

شعر كانجمين بالقلق من نشر خبر الاكتشاف على نطاق واسع، خوفًا على سلامة القطع الأثرية من السرقة أو العبث، إلا أنّ الخبر انتشر، وسرعان ما بدأت أول أعمال التنقيب الشاملة في واحدة من أعظم عمليات الحفر الأثري في الذاكرة الحيّة.

ومع استمرار الحفر، بدأت أعداد جنود التيراكوتا المكتشَفة تتزايد بشكل مطّرد، حتى قُدِّر عدد التماثيل البشرية المهيبة بنحو 8 آلاف تمثال. كثير من هذه التماثيل أُعيد تجميع أجزائها المتناثرة، الموجودة في الحفر المُدمَّرة، إلى شكلها الأصلي المهيب، وفقًا لموقع "worldhistory".

وضمّت الحفرة الأولى، وهي الأكبر من بين الحفر الرئيسية الأربع المكتشَفة، أحد عشر ممرًا، يضمّ كل منها صفوفًا طويلة من جنود المشاة، يُقدَّر عددهم بنحو 6 آلاف تمثال، موزّعين على أربعة صفوف رئيسية. ويُحاكي تصميم الحفرة هيكل القصر الإمبراطوري، إذ تقف التماثيل كأنها حرس احتفالي للغرفة الداخلية التي يُدفن فيها الإمبراطور.

وتحتوي الحفرة الثانية على خيول وعربات، بالإضافة إلى المزيد من تماثيل وحدات سلاح الفرسان والمشاة. أما الحفرة الثالثة، فتحوي تماثيل القادة من الضباط رفيعي المستوى، بينما كانت الحفرة الرابعة فارغة، ما يُشير إلى أنّ العمل في هذه المقبرة توقّف فجأة عند وفاة الإمبراطور تشين شي هوانغ.

كما ضمّت الحفر نحو 40 ألف سلاح برونزي، بما في ذلك السيوف، ورؤوس الرماح، ورؤوس المطرد، ورؤوس الأسهم، والأقواس.

وحتى بعد مرور أكثر من ألفي عام، ظلت هذه الأسلحة محفوظةً بشكلٍ ممتاز بفضل طلاء الكروم الواقي، وهي تقنية تبدو حديثة، استُخدمت لأول مرة في ألمانيا عام 1937، ثم في الولايات المتحدة عام 1950، ما يكشف عن مستوى متقدّم من براعة علم المعادن في الصين القديمة.

على جوانب الموقع، يتّجه الجنود نحو الخارج في جميع الاتجاهات الرئيسية كجبهة واقية. إلا أنّ غالبية رجال جيش التيراكوتا يتّجهون شرقًا نحو جبل لي، المعلم الجغرافي المقدّس الذي استُوحي منه موقع القبر.

وعلى بُعد ميل تقريبًا إلى الغرب، تقع تلة تضمّ رفات الإمبراطور. وربما كان التوجّه نحو الشرق دفاعيًا، إذ كانت مملكة تشين أقصى الممالك السبع المتحاربة غربًا، وكان أيّ تمرّد ضدّ سيادة تشين ينطلق عادةً من الشرق.

من أرشيف التلفزيون العربي l جنود من طين يقفون في صف واحد.. ما حكاية جيش الفخّار؟

كيف صُنع جيش "التيراكوتا"؟

يُشير التركيب الكيميائي للطين المُستخدم في جيش التيراكوتا إلى أنّه استُخرج بالكامل من مصادر محليّة قريبة من الموقع. كما يتميّز التيراكوتا بالمتانة، حيث استُخدم طين مُصنَّع يدويًا، وبالاعتماد على قوالب خاصة، وبأسلوب قديم يعتمد على مبدأ "خطوط التجميع".

كان الحرفيون الذين يصنعون بلاط الطين للمدينة المجاورة يُوقّعون أسماء ورش عملهم على المُحاربين. واستُوحي هيكل أجزاء الأرجل من هيكل أنابيب المياه المستخدمة في المدينة. وكانت تُجمع عدة قوالب لتشكيل أجزاء الجسم المختلفة: الأرجل، والذراعان، والجذع، والرأس، وغيرها، بينما صُمِّمت بعض أوضاع القتال لتبدو أكثر حيوية وإثارة عند حمل الأسلحة.

وصُنع كل جزء من جسد جندي التيراكوتا بأشكال مختلفة، بينما كانت الرؤوس أكثر عناصر التمثال تنوّعًا. ونتيجةً لذلك، يبدو كلّ جندي من جنود الطين فريدًا في ملامح وجهه، كاشفًا عن مستوى عالٍ من الحرفية والفن.

ووفقًا للأساطير الشائعة، كان كل جندي من الطين يمثّل صورة لشخص حقيقي، إذ كان الحرفيون يُضيفون ملامح شخصية مثل الحواجب والشوارب وتفاصيل الوجوه يدويًا، ما أضفى طابعًا فرديًا على كل محارب.

بعد خبز الطين، وضع الحرفيون طبقات من الورنيش الشفّاف أولًا، ثمّ طُلِيت التماثيل بالألوان، مع رسم وجوه خضراء وزرقاء وحمراء وبيضاء زاهية، ذات خدود وردية، لتبدو نابضة بالحياة.

ومن بين التماثيل أيضًا تماثيل راكعة تُمثّل رُماة السهام، بينما يرتدي جنود المشاة دروعًا جلدية مصمّمة على شكل صدورهم. وعلاوة على ذلك، كان طول المحارب يتناسب مع رتبته العسكرية، بحيث يظهر القادة أكثر طولًا وهيبة.

وفي حفرة ملحقة أقرب إلى التلّ المركزي، يعتني رعاة خيول مصنوعة من الطين ببقايا الهياكل العظمية للخيول الحقيقية التي تمّ التضحية بها.

لماذا يُعد كل محارب من محاربي الطين إنجازًا فريدًا؟

شيّد أباطرة سلالة هان اللاحقة مقابر مُتقنة الصنع، لكن مع فارق أساسي يتمثّل في أنّ هذه المقابر كانت عبارة عن مجسّمات مُصغّرة، بينما لم يجرؤ سوى الإمبراطور تشين شي هوانغ على بناء جيش بالحجم الطبيعي. كما لم تُعرَف في الصين جيوش من الطين قبل جيش تشين شي هوانغ.

وبينما كان حكّام الولايات الصينية المختلفة يمتلكون مقابر فخمة، مليئة بالتضحيات البشرية والحيوانية، وبمخزون وافر من مقتنيات الجنائز، مثل أواني نبيذ الأرز البرونزية، وزخارف اليشم، والفخار، والأسلحة، والأجراس، وعجلات العربات، إلا أنّ الفخامة الفريدة التي يتمتّع بها ضريح تشين شي هوانغ لا تعكس عظمته المزعومة فحسب، بل تعكس أيضًا الموارد الهائلة التي كانت متاحة تحت تصرّفه.

وأوّل هذه الموارد هو حشد العمّال؛ إذ يُقدَّر أنّ قوة عاملة بلغت 700 ألف عامل شيّدت الضريح، من بينهم العديد من السجناء، بمن فيهم المدينون. كما نُقلت حوالي 30 ألف عائلة إلى العاصمة من أجل هذا المشروع، الذي كان يتطلّب عمّال نجارة ومعادن، وبالطبع خبراء في صناعة الطين المخبوز.

رغم عشرات السنين من الحفر والدراسات، لا يزال جيش التيراكوتا يمنح الباحثين مفاجآت جديدة في كل موسم تنقيب. فما اكتُشف حتى الآن قد يكون المقدّمة فقط، أمّا فصول الحكاية الكاملة فما زالت مطمورة في طبقات الأرض.

وأظهر تحليل الحمض النووي لبقايا العمّال تنوّعهم العرقي، حيث يُرجَّح أنّهم يُمثّلون عيّنة من مختلف شعوب المملكة الصينية حديثة التكوين آنذاك.

كما نُظِّمت فرق البناء وفقًا لنموذج مُستخدم أيضًا في جيش تشين الحقيقي وفي مجتمعه المدني، إذ تولّت مجموعات صغيرة مسؤولية مشتركة عن عملية الإنتاج، بحيث تكون كل خلية قادرة على بناء تماثيل كاملة بسرعة لجيش التيراكوتا الضخم.

وبشكل عام، استغرق بناء الضريح، الذي تُقدَّر مساحة مجمّعه في بعض التقديرات بحوالي 22 ميلًا مربعًا، نحو 36 عامًا من العمل المتواصل.

كل جندي من جنود تيراكوتا فريد في ملامح وجهه
كل جندي من جنود تيراكوتا فريد في ملامح وجهه- allthatsinteresting

مزيد من الاكتشافات في مقبرة هوانغ

إلى جانب الحفر الأربع الأصلية التي ضمّت جيش التيراكوتا، كشفت المقبرة عن منحوتات لأفراد مدنيين من أسرة الإمبراطور هوانغ، بما في ذلك مسؤولون حكوميون، وموسيقيون، ومقابر ملكية أخرى، إضافة إلى مخبأ لبهلوانيين.

وكانت تماثيل البهلوانيين مثيرة للاهتمام بشكل خاص، إذ صُنعت يدويًا بالكامل، بدلًا من تجميعها من أجزاء نمطية كما هو الحال في تماثيل المحاربين.

كما أنّ مظهر جيش التيراكوتا يُظهر أثرًا أجنبيًا واضحًا، وإن كان من منطقة أقرب بكثير إلى "المملكة الوسطى"، حيث استُوحي زيّ الجنود، وهو عبارة عن سترة قصيرة فوق بنطال فضفاض، من ملابس المحاربين الرُحَّل خارج حدود الولايات الصينية، وهي ملابس مناسبة تمامًا لركوب الخيل.

ولعلّ أكثر ما يُثير الدهشة حول محاربي التيراكوتا، هو أنّهم لا يُمثّلون سوى الحافة الخارجية لمجمّعٍ أثريّ يمتد على مساحة تزيد، وفق بعض التقديرات، على 38 ميلًا مربعًا. ولا يُمكن استكشاف جزءٍ كبيرٍ من هذا المجمع لمجرّد وجود الكثير من المباني والمنشآت الحديثة فوقه.

وبالنظر إلى الغنى غير المتوقَّع الذي يتمتّع به جيش التيراكوتا الطيني، لا بدّ من التساؤل عمّا تبقّى من الضريح ما زال مدفونًا تحت التراب، ينتظر اكتشافًا جديدًا يضيف فصلًا آخر إلى هذه الملحمة الأثرية الفريدة.

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي/ ترجمات