الإثنين 18 مايو / مايو 2026

جيل "ما بعد الحرب".. لماذا يرث اللبنانيون الخوف والقلق؟ 

جيل "ما بعد الحرب".. لماذا يرث اللبنانيون الخوف والقلق؟  محدث 16 أبريل 2026

شارك القصة

يتلقى الشباب اللبناني إرث الحرب النفسي والاجتماعي واللغوي- غيتي
يتلقى الشباب اللبناني إرث الحرب الأهلية اللبنانية النفسي والاجتماعي واللغوي- غيتي
يتلقى الشباب اللبناني إرث الحرب الأهلية اللبنانية النفسي والاجتماعي واللغوي- غيتي
الخط
بين الذاكرة والصمت، تظل الحرب في لبنان تربية غير معلنة، تُحوّل الأبناء إلى أرشيف حيّ لصدمات لم يشهدوها، لكنهم يحيونها كل يوم.

في لبنان، لا يحتاج الإنسان إلى أن يكون قد عاش الحرب الأهلية بنفسه حتى يشعر بثقلها. فالحرب هنا لا تنتقل عبر الذكرى المباشرة وحدها، وإنما عبر الخوف الموروث، والصمت، والعادات، وطريقة الأهل في التحذير، ونبرة الكلام عند كل أزمة. 

فالجيل الذي وُلد بعد عام 1990، لم يخض المعارك ولم يرَ المتاريس والحواجز والقنص، لكنه نشأ في بلد يتصرف أبناؤه كما لو أن الحرب لم تبتعد بما يكفي. 

يذهب هؤلاء إلى أماكن لا يعرف أحيانًا لماذا تبدو "حساسة"، ويسمع أسماء مناطق محملة بإيحاءات لم يصنعها بنفسه، ويستخدم تعابير مثل "الوضع لا يطمئن" أو "الناس مش مرتاحة" من دون أن يكون قد عاش لحظة الحرب الأولى التي أعطتها هذا الثقل. 

"ما بعد الذاكرة"

وصف الباحث البريطاني، كريغ لاركن، هذه الحالة بأنها "ما بعد الذاكرة"، حين يكون جيل تحت تأثير روايات سبقت ميلاده، لكنه يبحث من خلالها عن المعنى والهوية والحقيقة في بلد لم يحسم قصته بعد.

ويفسر هذا الالتباس الذي يحيط بجيل ما بعد الطائف في لبنان. فهو ليس جيلًا منفصلًا عن الحرب كما يُقال أحيانًا، وليس جيلًا متورطًا فيها كما كان جيل آبائه. إنه جيل يتلقى إرثها النفسي والاجتماعي واللغوي من دون أن يمتلك أدوات كاملة لفكّه أو التحرر منه. لذلك، تتجاور لديه مسافتان في آن: مسافة زمنية عن الحدث، وقرب وجداني وسلوكي من أثره.

ولا يبدو سؤال "أبناء الحرب" متعلقًا فقط بالتاريخ، وإنما بكيفية انتقال الأثر النفسي والاجتماعي من الذين عاشوا الحرب إلى الذين ورثوا عالمها من دون أن يشهدوه مباشرة. 

وتصف دراسة منشورة في "المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط" هذه الحالة عبر مفهوم "ما بعد الذاكرة"، أي ذاكرة جيل نشأ تحت هيمنة روايات سابقة عليه، في مناخ من الصمت الرسمي والظلم المستمر وتنافس السرديات.

الحرب إرث نفسي واجتماعي

ولذلك لا يعيش كثير من اللبنانيين الحرب كذكرى شخصية، وإنما كإرث نفسي واجتماعي موروث. يعرفونها من الحكايات، ومن خرائط الأحياء، ومن أسماء المناطق، ومن ردود فعل الأهل، ومن الطريقة التي يتبدل بها الجو داخل البيت كلما ظهرت بوادر توتر. 

صورة من الحرب الأهلية في لبنان- غيتي
صورة من الحرب الأهلية في لبنان- غيتي

ولا تنتقل الحرب كقصة مكتملة ذات بداية ونهاية، وإنما كقلق مقيم، وكطريقة في قراءة العالم: التوجس من الأسوأ، توقع الانفجار، سرعة الالتقاط، الحساسية تجاه الأصوات، والميل إلى اعتبار الأمان حالة هشة تحتاج دائمًا إلى احتياط.

 تربية غير معلنة

ولا يحتاج انتقال الخوف إلى خطاب مباشر. فالآباء والأمهات لا يجلسون دائمًا ليشرحوا لأبنائهم ما حدث بين عامي 1975 و1990، غير أن أبناءهم يتعلمون الحرب من السلوك اليومي: من المبالغة في الحذر، ومن الخوف من التأخر، ومن سرعة جمع الأشياء الأساسية عند أول إشارة خطر، ومن اللغة التي تحمل القلق حتى في لحظات الهدوء. هكذا، تتحول الحرب إلى تربية غير معلنة.

وقد شرحت ورقة بحثية نُشرت عام 2024 عن الأبوة والأمومة في بيروت بعد التعرض الحديث للصدمة وحملت عنوان "نحن جميعًا أبناء حرب"، كيف يستدعي الأهل في لبنان ذاكراتهم الحربية القديمة عند التعامل مع أزمات جديدة، وكيف تختلط تجاربهم السابقة بخبرات أبنائهم الراهنة. 

ويشير ذلك إلى أن الخوف لا ينتقل فقط عبر رواية ما جرى، وإنما عبر الطريقة التي يعيش بها الجيل الأكبر كل تهديد جديد، وما يرسله من إشارات نفسية إلى الجيل الأصغر.

الصمت أبلغ من الكلام

وفي الكثير من العائلات اللبنانية، لا تُروى الحرب بكاملها. تُذكر بعض الوقائع، ويُترك كثير منها معلقًا أو مسكوتًا عنه. يزيد هذا الصمت الخوف، فعندما يشعر الأبناء أن هناك شيئًا ثقيلًا في الماضي لا يُقال بالكامل، حضوره من التوتر لا من الجملة، ومن الفراغ لا من الشرح. 

ففي لبنان تنتقل الحرب بين الأجيال بشكل مختلف عنه في المجتمعات التي واجهت ماضيها عبر عدالة انتقالية مكتملة أو مناهج موحدة أو سردية عامة متفق عليها. 

ففي الحالة اللبنانية، ما يزال كتاب التاريخ الذي يدرس فيه الطلاب موضع نزاع، وما تزال الحرب خارج المعالجة الوطنية الشاملة، وفق ما تؤكده دراسات وسياسات حديثة حول تعليم التاريخ في لبنان. 

وفي ظل هذا الفراغ، تستعيد العائلات دورها كأرشيف أول، حاملة معها مزايا الحميمية ومخاطر الانقسام في آن.

الجسد يحفظ الذاكرة

يحمل الجيل الجديد أثر الحرب في الجسد والنفس، في سرعة التوتر، وفي الحساسية من الأصوات المرتفعة، وفي الميل إلى التأهب، وفي قراءة التهديدات الصغيرة على أنها إشارات إنذار كبيرة. 

وتشير دراسات عن الصدمة العابرة للأجيال، ومنها دراسة منشورة عام 2025 عن الحرب الأهلية اللبنانية تحديدًا، إلى أن انتقال الأثر إلى الجيل الثاني يحدث عبر مسارات متعددة، من بينها السرد العائلي، والصمت، وأنماط التربية، واستبطان القلق الجمعي نفسه.

ولا يتوقف الأمر عند الماضي البعيد، لأن لبنان لم يدخل في سلام نفسي طويل يتيح للذاكرة أن تهدأ. فبعد الحرب الأهلية، تعاقبت أزمات واغتيالات وحروب وانهيارات مالية وانفجار مرفأ وتوترات حدودية، جعلت من استدعاء الماضي حدث يتكرر على فترات غير متباعدة. 

يذكّر لبنان أبناءه باستمرار أن ما عاشه آباؤهم قابل للعودة بصيغ جديدة. وتحوّل الخوف الموروث في لبنان من ذكرى إلى جهاز إنذار داخلي لم يُطفأ تمامًا.

مشاعر تطبع المستقبل

لا يبقى الخوف الموروث مسألة نفسية خاصة فقط، بل ينعكس على السياسة والعلاقات العامة وصورة الآخر والاستعداد للعيش المشترك. فالمجتمع الذي يرث الخوف من دون أن يملك لغة مشتركة لمعالجته قد يعيد إنتاجه عند كل أزمة.

ففي لبنان، يظهر أن الحرب الأهلية لم تنتهِ بالكامل عند وقف إطلاق النار؛ انتهت كقتال منظم، وبقي جزء منها حيًا، ينتقل من جيل إلى آخر على هيئة خوف لا يملك دائمًا واضحًا، أو سلوك أو حتى طريقة فهم البلد نفسه.

فالحرب الأهلية ما زالت تُستعاد كلما اهتز الأمن أو ارتفعت اللغة الطائفية أو ظهرت بوادر انقسام.

تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي