الجمعة 17 أبريل / أبريل 2026
Close

حاجات هائلة وإغاثة محدودة.. النزوح يعّمق معاناة ذوي الإعاقة في لبنان

حاجات هائلة وإغاثة محدودة.. النزوح يعّمق معاناة ذوي الإعاقة في لبنان محدث 05 أبريل 2026

شارك القصة

تفتقر غالبية مراكز الإيواء في لبنان إلى أدنى المعايير الهندسية والخدماتية الملائمة لذوي الإعاقة- غيتي
تفاقمت معاناة الأشخاص ذوي الإعاقة في لبنان في ظل نقص المساعدات وعدم جهوزية مراكز الإيواء - غيتي
تفاقمت معاناة الأشخاص ذوي الإعاقة في لبنان في ظل نقص المساعدات وعدم جهوزية مراكز الإيواء - غيتي
الخط
يكشف النزوح في لبنان هشاشة أوضاع الأشخاص ذوي الإعاقة، بين مراكز إيواء غير مجهزة، واستجابة رسمية بطيئة، وحاجات متزايدة تتجاوز قدرة الأسر على الاحتمال.

بصوت حزين، يروي الستيني مهدي حمادة كيف قلبت الحرب الإسرائيلية على لبنان حياته رأسًا على عقب.

بالنسبة إلى رجل مقعد، لا يبدو النزوح مجرد انتقال قسري من مكان إلى آخر، بل تجربة مضاعفة القسوة، تختلط فيها مشقة الحركة بفقدان الأمان وغياب المساعدة.

نزح حمادة من بلدة ديركيفا في قضاء صور إلى منزل أقربائه في بيروت بعد تجدد العدوان الإسرائيلي على لبنان في 2 مارس/ آذار الماضي. وهو يقيم اليوم في غرفة واحدة في الطابق الأرضي برفقة أفراد من عائلته.

يقول إنه لم يتلق أي مساعدة من أي جهة، رغم أنه سجل طوعًا على المنصة الخاصة بالنازحين التي أنشأتها وحدة إدارة الكوارث في السراي الحكومي.

وفي حديث إلى موقع التلفزيون العربي، يوضح أن عائلته تحاول تأمين الحاجات الأساسية اليومية بعدما حرمتها الحرب من مصدر رزقها الزراعي.


مبادرة لدعم ذوي الإعاقة


في ظل تعاظم الاحتياجات، أطلق الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركيًا حملة لجمع المساعدات بهدف دعم النازحين من ذوي الإعاقة، ولا سيما المقيمين خارج مراكز الإيواء الرسمية. وتشمل هذه الحاجات الحفاضات، ووجبات الطعام، والكراسي المتحركة، والعصي، إذ اضطر عدد كبير من الأشخاص ذوي الإعاقة إلى مغادرة منازلهم تحت القصف من دون أن يتمكنوا من حمل مستلزماتهم الأساسية.

هذا تمامًا ما حدث مع ازدهار أبو عوض، التي نزحت من النبطية إلى بيروت برفقة ولديها الشابين، أحمد (33 عامًا) ومحمد (31 عامًا)، اللذين يعانيان من ضمور عضلي. وتقول ازدهار لموقع التلفزيون العربي:

"لم أحضر الكراسي المتحركة الخاصة بأبنائي.

ما إن بدأ القصف قرب منزلي حتى وضعت ولديّ في السيارة ونزحت إلى بيروت".

 وتروي ازدهار جانبًا آخر من معاناة النازحين من ذوي الإعاقة، يتمثل في المرض والطوارئ الصحية. فابنها يقيم حاليًا في غرفة العناية المركزة في أحد المستشفيات الخاصة في العاصمة بيروت، بعد تعرضه لعارض صحي مفاجئ.

وتقول: "أدخلتُ ابني إلى المستشفى بعد أن جمع لي أحد معارفي مبلغًا من المال من هنا وهناك"، قبل أن تضيف بحسرة:

"لن أتمكن من دفع المزيد لاستكمال العلاج، ولا يسمح وضعه الصحي بنقله إلى مستشفى حكومي".

وكان وزير الصحة اللبناني ركان ناصر الدين قد أعلن في مارس/ آذار الماضي رفع نسبة التغطية في المستشفيات الحكومية إلى 100% للاستشفاء وبعض العمليات المحددة للنازحين من القرى الحدودية في جنوب لبنان.


طالب الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركيًا الحكومة اللبنانية بتوفير مركز إيواء دامج في كل منطقة
 أطلق الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حملة لدعم النازحين مع بدء  العدوان الإسرائيلي على لبنان - صفحة الاتحاد على فيسبوك

أزمة قائمة قبل النزوح


من جهتها، تؤكد رئيسة الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركيًا سيلفانا اللقيس أن الأزمة لم تبدأ مع النزوح. فرغم أن الأشخاص ذوي الإعاقة يشكلون نحو 15% من سكان لبنان، وفق بيانات البنك الدولي لعام 2011، فإنهم لم يُدمجوا فعليًا في المجتمع ولا في الخطط الرسمية، وبالتالي لا يحظون بمعاملة خاصة، ولا سيما في أوقات الأزمات.

وفي حديث إلى موقع "التلفزيون العربي"، تشير اللقيس إلى أن نسبة الأشخاص ذوي الإعاقة في لبنان قد تكون أعلى من ذلك، خصوصًا بعدما رفعت الحرب السابقة في عام 2024، بما في ذلك تفجيرات أجهزة الاتصال "البيجر" في سبتمبر/ أيلول 2024، وقبلها انفجار مرفأ بيروت في أغسطس/ آب 2020، أعداد هذه الفئة في البلاد.

كما تلفت إلى أن المؤشرات الدولية تظهر أن 45% من الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 60 عامًا يعانون نوعًا من الإعاقة.

تسببت الحرب الإسرائيلية في لبنان بارتفاع أعداد الأشخاص ذوي الإعاقة، وفق تقديرات وجهات محلية ودولية - تقرير سابق (ديسمبر 2024)

مراكز إيواء غير مجهزة

وتؤكد اللقيس أن النزوح شكّل أزمة مضاعفة في ظل غياب خطط إخلاء منظمة، قائلة:

"تُعامل هذه الفئة في لبنان كأنها هامشية، ولا يُرصد أي جزء من ميزانية الحكومة لتلبية احتياجاتها".

ويعيش نحو 3000 نازح من ذوي الإعاقة في مراكز الإيواء فقط، فيما يقيم عدد كبير منهم لدى أقاربهم أو في منازل مستأجرة. وقد اختار بعضهم البقاء في منازلهم رغم وقوعها في مناطق مهددة بالقصف.

وتوضح اللقيس أن مراكز الإيواء، التي كانت في غالبيتها مدارس فُتحت لاستقبال النازحين، ليست مجهزة كلها لاستقبال الأشخاص ذوي الإعاقة. فالعوائق الهندسية، مثل السلالم وضيق المراحيض التي لا تتسع لكرسي متحرك، تحول دون تمكن كثيرين منهم من العيش في هذه المراكز.

ورغم توافر 116 مركز إيواء مجهزًا لاستقبال الأشخاص ذوي الإعاقة، فإن موجات النزوح المفاجئة حالت دون تخصيص هذه المراكز لهم، ما أدى إلى إشغالها سريعًا.

سيفانا اللقيس
طالبت رئيسة الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركيًا خلال لقائها محافظ بيروت بتخصيص مركز نزوح دامج​​​​​​​ - صفحة الاتحاد على فيسبوك

استجابة رسمية "بطيئة"


تلفت اللقيس أيضًا إلى معاناة الأشخاص ذوي الإعاقات الذهنية، وكذلك الصم والبكم، الذين يواجهون تحديات إضافية في التواصل والقدرة على العيش في أماكن مزدحمة تفتقر إلى الخصوصية. وتقول:

"إن آلية الاستجابة الرسمية للحاجات الطارئة في ظل الحرب بطيئة للغاية. فالمساعدات، وهي قليلة وغير كافية أو منتظمة، تنحصر في مراكز الإيواء، ولا يتمكن النازحون المقيمون في المنازل من الاستفادة منها".

وكانت وزيرة الشؤون الاجتماعية في لبنان حنين السيد قد أعلنت صرف مساعدة مالية لمرة واحدة بقيمة 100 دولار أميركي لمصلحة ستة آلاف أسرة لديها أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة تتراوح أعمارهم بين صفر و19 عامًا، وذلك بدعم من منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" ومنظمة العمل الدولية.

وفي 26 فبراير/ شباط الماضي، أقرّ مجلس الوزراء الاستراتيجية الوطنية للأشخاص ذوي الإعاقة، التي أعدتها وزارة الشؤون الاجتماعية بمساهمة منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة والمنظمات الشريكة ومختلف الوزارات. كما صادق لبنان في أبريل/ نيسان 2025 على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، بعد أن أقرها مجلس النواب عام 2022.

وحتى 31 مارس/ آذار الماضي، بلغ العدد الإجمالي للنازحين في 669 مركز إيواء افتتحتها وحدة إدارة الكوارث في السراي الحكومي 136,201 نازحًا، وفق التقرير اليومي الصادر عن الوحدة.

كما بلغ عدد الجرحى جراء الاستهدافات الإسرائيلية 3750 جريحًا، ما قد ينذر بارتفاع عدد الأشخاص ذوي الإعاقة في لبنان. وتشير دراسة أجرتها منظمة الصحة العالمية على بيانات مصابين من الحرب في غزة إلى أن نحو 25% من هؤلاء الجرحى أصيبوا بإعاقة ما.

يواجه ذوي الإعاقة في لبنان تحديات يومية في ظل النزوح- غيتي
يواجه ذوو الإعاقة في لبنان تحديات يومية مضاعفة في ظل النزوح ونقص المساعدات​​​​​​​ - غيتي
في المحصلة، لا يقتصر أثر الحرب على الخسائر المباشرة أو موجات النزوح الواسعة، بل يمتد أيضًا إلى الفئات الأكثر هشاشة، التي تجد نفسها في مواجهة مضاعفة مع الخطر والعوز والإهمال. وفي لبنان، يبدو أن الأشخاص ذوي الإعاقة يدفعون ثمن الحرب مرّتين: مرة حين يُجبرون على النزوح، ومرة حين يواجهون واقعًا لا يزال عاجزًا عن توفير الحد الأدنى من الاستجابة الملائمة لاحتياجاتهم.
تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي
المزيد من