أعلنت مديرية الأمن الوطني في محافظة البصرة، خلال الساعات الماضية، التوسع في التحقيق بقضية جريمة التحرش الجماعي التي وقعت على كورنيش شط العرب ليلة رأس السنة، بعد أن تقدّمت الفتاة التي ظهرت في المقاطع المصوّرة بشكوى رسمية، طالبت فيها بمحاسبة جميع المتورطين، وعدم الاكتفاء بالإجراءات الأولية التي أُعلنت سابقًا.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام عراقية، فإن جهاز الأمن الوطني تسلّم ملف القضية بشكل كامل، وبدأ مراجعة دقيقة للمقاطع المصوّرة المتداولة، إلى جانب الاستماع إلى إفادات الضحية، وجمع معلومات إضافية عن الأشخاص الذين ظهروا في مكان الحادثة، سواء ممن شاركوا في الاعتداء أو اكتفوا بالمشاهدة من دون تدخل.
انتقادات لمحافظ البصرة
وتأتي هذه التطورات بعد إعلان قيادة شرطة البصرة إلقاء القبض على 17 شخصًا على خلفية الحادثة، مؤكدة أن الاعتقالات جاءت استنادًا إلى تحليل الفيديوهات المنتشرة والتعرف على المتورطين.
وأوضحت الشرطة أن الموقوفين يخضعون للتحقيق وفق القوانين النافذة، تمهيدًا لإحالتهم إلى القضاء.
حادثة تحرش جماعي ومضايقة لقاصر في البصرة تهز العراق، والجهات الأمنية تعتقل عددًا من المتورطين.. إليكم التفاصيل pic.twitter.com/EZs94FzIte
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) January 3, 2026
في المقابل، يثير تعليق محافظ البصرة أسعد العيداني جدلًا واسعًا، بعدما وصف الحادثة بأنها "أُخذت أكبر من حجمها"، معتبرًا أن ما جرى "لا يعكس الواقع الأمني في المحافظة"، رغم تأكيده في الوقت نفسه حصول الاعتقالات.
هذا التصريح قوبل بانتقادات من ناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي ومنظمات مجتمع مدني، رأوا فيه تقليلًا من خطورة ما جرى، لا سيما وأن الواقعة موثقة بالصوت والصورة.
حادثة كورنيش شط العرب
وتعود خلفية القضية إلى ليلة رأس السنة، حين شهد كورنيش شط العرب، أحد أبرز المتنفسات العامة في مدينة البصرة، تجمعات كبيرة للمواطنين.
وخلال هذه الأجواء، وثّقت مقاطع فيديو تطويق مجموعة من الشبان لفتاة، ومحاولات مضايقة وتحرك جماعي باتجاهها، قبل أن تتدخل بعض الجهات الأمنية لاحقًا.
انتشار هذه المقاطع حوّل الحادثة سريعًا إلى قضية رأي عام، وأعاد إلى الواجهة النقاش بشأن سلامة النساء في الأماكن العامة، ودور الأجهزة الأمنية في منع مثل هذه الانتهاكات قبل وقوعها.
وأدانت جهات حقوقية عراقية الحادثة، معتبرة أنها تمثل "انتهاكًا واضحًا للكرامة الإنسانية" وخرقًا للقانون، ودعت إلى تشديد العقوبات على جرائم التحرش والاعتداء الجنسي، وعدم التعامل معها بوصفها حوادث فردية أو معزولة.
كما طالبت بتوفير حماية فعلية للنساء في الفضاءات العامة، خاصة خلال المناسبات التي تشهد ازدحامًا كبيرًا.
أرقام وإحصائيات مقلقة
وتندرج هذه القضية في سياق أرقام مقلقة من جرائم التحرش والاعتداء الجنسي في العراق.
وبحسب بيانات رسمية صادرة عن دائرة الطب العدلي التابعة لوزارة الصحة العراقية، تم تسجيل أكثر من 400 حالة اعتداء وعنف جنسي خلال عام 2024، بينها مئات الحالات بحق نساء وفتيات، مع الإشارة إلى أن هذه الأرقام تمثل فقط الحالات التي وصلت إلى الجهات الرسمية، في ظل اعتقاد واسع بوجود حالات غير مُبلّغ عنها بسبب الخوف الاجتماعي أو الوصمة.
وتشير تقارير حقوقية محلية إلى أن محافظات كبرى، بينها البصرة وبغداد، تسجل سنويًا نسبًا مرتفعة من بلاغات التحرش والاعتداء، خصوصًا في الأماكن العامة والمناطق المزدحمة، ما يعيد طرح أسئلة جوهرية عن فعالية الردع القانوني، ودور التوعية المجتمعية، وحدود التعامل الرسمي مع هذا النوع من الجرائم.
وبينما تتواصل التحقيقات في حادثة كورنيش شط العرب، تترقب الأوساط العراقية ما ستسفر عنه الإجراءات القضائية، وسط مطالبات بأن تشكّل هذه القضية نقطة تحوّل حقيقية في التعامل مع جرائم التحرش، لا مجرد ملف عابر ينتهي بإجراءات محدودة.