كانت النقوش أمام أعينهم، لكن أصواتها غائبة..
كيف تحوّل حجر أثري واحد إلى مفتاح لفك رموز الهيروغليفية وقراءة جانب واسع من تاريخ مصر القديمة؟
حين اكتُشف حجر رشيد خلال الحملة الفرنسية على مصر، كانت نقوش المعابد والمقابر المصرية حاضرة أمام الباحثين، لكن القدرة على قراءتها قد ضاعت منذ قرون.
جمع الحجر نصًا واحدًا بثلاثة أنظمة كتابية، ما أتاح مقارنة الكتابة المجهولة بأخرى كان العلماء قادرين على قراءتها، ومهّد الطريق أمام فهم اللغة المصرية القديمة.
في 27 سبتمبر/ أيلول 1822، عرض عالم اللغات الفرنسي جان-فرانسوا شامبليون نتائج أبحاثه في فك الهيروغليفية، بعد سنوات من المحاولات التي شارك فيها باحثون عدة. لم يكن الحجر وحده كافيًا لحل اللغز، لكنه وفّر أداة المقارنة التي ساعدت على تحويل العلامات المنقوشة إلى نصوص يمكن قراءتها.
اكتشاف حجر رشيد في مصر
اكتُشف حجر رشيد في يوليو/ تموز 1799، خلال أعمال تحصين نفذتها القوات الفرنسية قرب مدينة رشيد في دلتا النيل، ضمن الحملة التي قادها نابليون بونابرت على مصر.
عُثر على القطعة، المصنوعة من الغرانوديوريت، أثناء العمل في أحد التحصينات، وسرعان ما لفتت نقوشها الانتباه إلى أهميتها.
يحمل الحجر مرسومًا أصدره كهنة عام 196 قبل الميلاد تكريمًا للملك بطليموس الخامس، وسُجل النص بثلاثة أنظمة كتابية: الهيروغليفية في الجزء العلوي، والديموطيقية في الوسط، واليونانية القديمة في الجزء السفلي.
كانت الهيروغليفية والديموطيقية طريقتين لكتابة اللغة المصرية القديمة؛ أي إن الحجر جمع لغتين بثلاثة أنظمة للكتابة. وكان وجود اليونانية، التي استطاع الباحثون قراءتها آنذاك، عنصرًا حاسمًا في محاولة فهم النصين المصريين.
فمن خلالها أمكن التعرف إلى مضمون المرسوم وأسماء وردت فيه، ثم البحث عما يقابلها في الكتابتين الأخريين. هكذا أصبحت المقارنة قائمة على نص معروف المعنى، بعدما ظلت محاولات كثيرة أسيرة التخمين.
لماذا كان فك الهيروغليفية صعبًا؟
كانت قراءة الهيروغليفية قد اندثرت قبل قرون من اكتشاف حجر رشيد، وأصبح فهم النقوش المصرية القديمة من أعقد الألغاز أمام الباحثين.
لم تكن المشكلة في معرفة معنى كل علامة فحسب، وإنما في تحديد طبيعة النظام الكتابي نفسه. فقد ساد لفترات اعتقاد بأن العلامات تمثل صورًا وأفكارًا؛ فرسم الطائر، وفق هذا التصور، يشير إلى الطائر أو إلى معنى مرتبط به. لكن العلامة قد تؤدي أيضًا قيمة صوتية تدخل في تركيب كلمة لا علاقة لمعناها بشكل الرسم.
بعد انتشار نسخ من نقوش الحجر بين الباحثين الأوروبيين، بدأت محاولات منهجية لفك النص، وكان البريطاني توماس يونغ من أبرز الذين حققوا تقدمًا مبكرًا. درس الكتابة الديموطيقية، وتمكن من التعرف إلى اسم بطليموس في النص الهيروغليفي داخل خرطوش ملكي، وهو إطار بيضوي يحيط بالاسم، ما ساعد في إثبات أن بعض العلامات تحمل قيمًا صوتية.
ثم أتاحت مقارنة أسماء مختلفة اختبار القيم المقترحة للعلامات المتكررة، بدل الاكتفاء بتفسير شكل كل علامة على حدة.
شامبليون وفك رموز الهيروغليفية
جاءت الخطوة الحاسمة على يد عالم اللغات الفرنسي جان-فرانسوا شامبليون، الذي استفاد من أعمال من سبقوه، وخصوصًا في دراسة أسماء الملوك. كما أتاحت له معرفته باللغة القبطية، وهي المرحلة الأخيرة من تطور اللغة المصرية القديمة، الربط بين بعض الكلمات والأصوات والنقوش التي يحاول قراءتها.
بدل النظر إلى الهيروغليفية باعتبارها مجموعة من الرموز التصويرية فقط، توصل شامبليون إلى أن النظام الكتابي يجمع بين العلامات ذات القيم الصوتية والعلامات التي تؤدي وظائف دلالية. ساعدته مقارنة أسماء الملوك والنقوش المختلفة على تحديد قيم عدد متزايد من العلامات، وإدراك أن الكتابة الصوتية لا تقتصر على أسماء الحكام الأجانب، وإنما تشمل أسماء مصرية قديمة أيضًا.
ظهر دور القبطية، مثلًا، في قراءته اسم رمسيس: فقد ربط علامة قرص الشمس بكلمة "رع"، مستعينًا بمعرفته باسم الشمس في القبطية، وجمع ذلك مع ما عرفه من قيم علامات أخرى. أظهر هذا النوع من المقارنة أن الحل يحتاج إلى معرفة اللغة نفسها، إلى جانب التعرف إلى أشكال الكتابة.
متى بدأت محاولات فك الهيروغليفية؟
لم تكن محاولة فهم الكتابة المصرية القديمة حكرًا على الباحثين الأوروبيين، إذ تشير دراسات تناولت التراث العربي في هذا المجال إلى وجود محاولات أقدم لدى عدد من العلماء المسلمين لفهم النقوش المصرية، ومن أبرز الأسماء التي تُذكر في هذا السياق ابن وحشية النبطي وذو النون المصري.
وتعرض مكتبة الإسكندرية إسهامات لعلماء عرب في محاولة التمييز بين العلامات التي تمثل أصواتًا وتلك التي تعبّر عن معانٍ. غير أن مدى دقة هذه المحاولات وما توصل إليه أصحابها لا يزال موضع خلاف بين الباحثين، يشمل أيضًا نسبة بعض المؤلفات إلى أصحابها، ومنها الكتاب المنسوب إلى ابن وحشية. لذلك تبقى هذه الجهود جزءًا من تاريخ البحث في الكتابة المصرية، من دون مساواتها بفك مكتمل لنظامها أو الجزم بأن شامبليون اعتمد عليها مباشرة.
ويشير المتحف البريطاني أيضًا إلى استعانة بعض علماء العصور الوسطى بالناطقين بالقبطية بحثًا عن سبيل لفهم النقوش. وهو ما يضع إنجاز القرن التاسع عشر ضمن تاريخ أطول من الاهتمام والمحاولات، أضاف إليه حجر رشيد أداة مقارنة حاسمة.
من حجر واحد إلى قراءة تاريخ مصر القديمة
تكمن أهمية حجر رشيد في أنه لم يقدم ترجمة جاهزة للهيروغليفية، وإنما وفر أداة مقارنة أتاحت للباحثين اختبار الفرضيات وفهم بنية الكتابة المصرية تدريجيًا. بعد نجاح جهود فك الرموز، أصبح بالإمكان قراءة آلاف النقوش والبرديات والكتابات التي تركها المصريون القدماء.
مع الوقت، تحولت تلك النصوص إلى مصادر لدراسة الدين والحكم والاقتصاد والمراسلات والحياة اليومية. لم يعد الاهتمام مقتصرًا على شكل الأثر أو ما ترويه عنه المصادر الأخرى؛ صار بالإمكان قراءة ما دوّنه المصريون أنفسهم، من نصوص دينية وقرارات إلى رسائل وحسابات وتفاصيل عن العمل والحياة.
أين يوجد حجر رشيد اليوم؟