رغم وقف إطلاق النار، لم تهدأ بعد حدة التوتر بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى.
ويؤكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن طهران لن تسمح لأحد بتقرير مصيرها، وإذا اضطرت فلن تتردد في كشف قدراتها الحقيقية.
هذا التصريح هو واحد من تصريحات عدة أدلى بها قادة إيرانيون وجهوا خلالها رسائل التحدي، ترجم بعضها إلى فعل، من قبيل اتخاذ البرلمان قرارًا بتعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
حدة التهديدات لإيران تتصاعد
وجاءت مواقف المسؤولين الإيرانيين الأخيرة بالتزامن مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن وقف فوري للعمل على تخفيف العقوبات عن إيران، والتهديد بقصفها مجددًا إذا عادت إلى تخصيب اليورانيوم.
وجاءت تهديدات ترمب ردًا على تصريحات للمرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، قال فيها إن بلاده وجهت صفعة قاسية إلى واشنطن وانتصرت في الحرب على إسرائيل، التي ما انفكت هي الأخرى تستخدم مزيدًا من أوراق التهديد.
وأحدث هذه الأوراق تأكيد وزير الأمن يسرائيل كاتس توجيه تعليمات للجيش بإعداد "خطة" ضد إيران تشمل منع تقدم برنامجيها النووي والصاروخي.
وفي خضم ذلك كله، ازدادت حدة الجدل بشأن تأثير الضربات الأميركية والإسرائيلية على القدرات النووية الإيرانية، وحقيقة تمكن طهران من إخفاء كميات من اليورانيوم المخصب.
ويؤكد مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسي أنه لا يمكن محو البرنامج النووي لطهران بعمليات عسكرية، وأن جزءًا من اليورانيوم المخصب يمكن أن يكون قد دمر، بينما قد يكون جزء آخر نقل إلى مكان مجهول، وهذا ما لا يرجحه ترمب.
وبالتزامن مع ذلك، أظهرت صور أقمار صناعية جديدة، تصاعدًا في أعمال البناء والحفر في منشأة فوردو النووية الإيرانية التي قصفتها الولايات المتحدة بقنابل خارقة للتحصينات.
إيران دخلت مرحلة من الغموض
وفي هذا الصدد، يقول أستاذ دراسات الشرق الأوسط بجامعة طهران حسن أحمديان، إن إيران دخلت مرحلة من الغموض بعد العدوان الإسرائيلي والهجوم الأميركي، مشيرًا إلى أنه يجب أن يمر المزيد من الوقت حتى نرى إن كانت هذه السياسة ستتبع على المدى البعيد.
ومن طهران، يوضح أحمديان في حديثه إلى التلفزيون العربي، أن أي مفاوضات غير مضمونة المخرجات قد تقود إلى تصعيد للأزمة كما حدث سابقًا عقب مفاوضاتها مع الأوروبيين في 2015 والمفاوضات الحالية، قائلًا: "إيران كلما فاوضت هوجمت".
وعما إذا كانت قدرات إيران العسكرية قد تأثرت بعد الحرب الأخيرة، يقول أحمديان: إن طهران أظهرت فقط جزءًا من قدراتها خلال الحرب، وأنها تستطيع إظهار أجزاء أخرى من قوتها في حال فرضت الحرب عليها.
النظام الإيراني يحاول أن يصمد
ومن واشنطن، يعتقد ليستر مونسون كبير الباحثين بمعهد الأمن القومي الأميركي وباحث في السياسة الخارجية الأميركية، أن الموقف الأميركي واضح إلى حد كبير بشأن احتمال عودة إيران إلى برنامجها النووي وتخصيب اليورانيوم، متسائلًا عما يحصل في الداخل الإيراني.
وفي حديثه إلى التلفزيون العربي، يجيب مونسون أن النظام الإيراني يحاول أن يصمد أكثر، ويوجه رسالات إلى شعبه في الداخل بأنه قادر على حماية البلاد من أي هجوم، موضحًا أن تصريحات المسؤولين الإيرانيين تخرج لأغراض سياسية ولا توجد وراءها سياسة معينة.
ويتابع الأستاذ المساعد في جامعة جونز هوبكنز، أن طهران تدرك جيدًا أن واشنطن ستضربها مجددًا في حال عادت إلى العمل على برنامجها النووي، وأن أي عمل استفزازي قد تقوم به سيظهر من جديد أنها غير قادرة على حماية شعبها من أي هجوم، وهو ما لا يريده النظام الإيراني، على حد تعبيره.
"لا معنى لكل ما فعله النظام"
وفي رأي آخر، يعتبر الخبير في الشأن الإيراني محجوب الزويري في حديثه إلى التلفزيون العربي، أن طهران قد وصلت إلى مربع خلاصته أنها أظهرت حسن نية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتوصلت إلى اتفاق في السابق نقضه الأميركيون، قبل أن تشن إسرائيل حربًا عليها، منبهًا إلى أنها باتت تدرك أنه لا معنى لكل ما فعلته، ولا بد من مراجعة كل استراتيجياتها.
ويجزم الزويري خلال حديثه من الدوحة أن إيران لديها نقطة في حال قررت الحضور إلى طاولة المفاوضات مجددًا وتقول إن البرنامج النووي لم ينته، موضحًا أن هذه النقطة ستكون جوهر الجولة الثانية من المفاوضات، ولافتًا إلى أن قصف إيران قاعدة أميركية على أراضي قطر التي تلعب دور الوساطة سينتج ديناميكية جديدة في عملية التفاوض القادمة.
وختم أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة قطر، بأن إيران في موقف سيئ بعد ما تعرضت له، خصوصًا وأن حلفاءها الرئيسيين الصين وروسيا لم يفعلوا شيئًا لصالحها خلال الحرب، كما أن محور المقاومة أيضًا لم يتحرك لدعمها، ما يحتم عليها مراجعة أمنها داخل حدودها في ظل الاختراقات الأمنية التي تهدد بيتها الداخلي.