بعد يوم من وصول المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى تل أبيب لبحث تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وصل نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إلى إسرائيل للغاية نفسها.
ومن مركز غرفة العمليات الأميركية الإسرائيلية في "كريات غات" أعلن جيه دي فانس افتتاح مركز التعاون العسكري المدني المعني بمراقبة وقف إطلاق النار ووضع الخطط لإعادة بناء غزة.
لا قوات أميركية في غزة
وفي هذا الإطار، أكد دي فانس أن لا قوات أميركية ستنشر على الأرض في قطاع غزة، لكنه لم يقدّم مزيدًا من التفاصيل عن مهمات المركز وصلاحياته، إلا أنه أبدى تفاؤله حيال صمود وقف إطلاق النار.
وبالتزامن مع وجود الوفد الأميركي في تل أبيب، وبعد يوم من لقاءات لوفد حركة حماس برئاسة خليل الحية في القاهرة، التقى رئيس المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد بنيامين نتنياهو في القدس لبحث تثبيت وقف إطلاق النار.
من جهته، نقل موقع "واللا" عن ضباط إسرائيليين كبار قولهم، إن اللواء يكي دولف، أعلى ممثل إسرائيلي في الآلية المتعددة الجنسيات في غزة، زار مصر وأن المحادثات بشأن تشكيل الآلية في غزة قد بدأت، وسيحسم القرار بشأن تركيبتها وسياساتها قريبًا.
ووسط الحراك الأميركي المصري الساعي للدفع باتجاه المراحل التالية من الاتفاق بما تتضمنه من بنود شائكة كسلاح حماس وتدمير الأنفاق ونشر القوة الدولية، تبقى الخطوات العملية لانتهاء المرحلة الأولى على الأرض غير مكتملة.
ففي حين يواصل الطرفان تبادل الجثامين تماطل إسرائيل في تطبيق جزئية فتح المعابر وتدفق المساعدات وفق ما اتفق عليه سابقًا، وهو ما أكده برنامج الغذاء العالمي الذي أشار إلى عدم إدخال القدر المطلوب من المساعدات إلى القطاع الذي يبلغ ألفي طن يوميًا بسبب إغلاق المعابر.
"ممارسة الضغط"
وفي هذا الإطار، يقول أدولفو فرانكو، المحلل الاستراتيجي في الحزب الجمهوري، إن إرسال وفد أميركي إلى إسرائيل يظهر التزام الولايات المتحدة بهذا الاتفاق، وقد أشار الرئيس ترمب إلى أن هناك 59 بلدًا يدعمون هذه الجهود، بما في ذلك الحلفاء العرب.
ويضيف فرانكو، في حديث للتلفزيون العربي من واشنطن: "من الطبيعي أن حلّ المشاكل لا يكون سريعًا وسهلًا، وهذا متوقّع، لكن يجب أن يستمر التقدّم التقني، وخاصة أننا قد دخلنا في المرحلة الثانية"، حسب قوله.
وأردف فرانكو قائلًا: "أعتقد أن نائب الرئيس سيدلي ببيان يتحدث فيه عن استئناف تقديم المساعدات بشكل كامل، غير أن هذا لا يعني أن وجود الجثامين تحت الأنقاض يمكن أن يكون سببًا لحجب المساعدات الإنسانية".
ويشير فرانكو إلى أنه "عندما تُمارس الضغوط على إسرائيل، فإن ذلك يدفع لاستئناف تقديم المساعدات، حتى ينطلق الطرفان للوصول إلى المرحلة الثانية، لا سيما فيما يتعلق بالقوة العربية المعنية بإحلال الاستقرار في غزة".
واستدرك قائلاً: "ولهذا وجود نائب الرئيس في إسرائيل الآن؛ لأن واشنطن تريد من الطرفين أن يرتقيا إلى مستوى الالتزام المطلوب، وأن يتعاونا فيما بينهما، وهذا هو الدور الذي تضطلع به الولايات المتحدة".
ويضيف: "إسرائيل بطبيعتها ليست صاحبة حق مطلق في الفيتو على هذا الاتفاق، لأن الاتفاق مرتبط بآليات وصول إلى مجلس حاكم لغزة، ولا يمكن لإسرائيل أن تستخدم حق النقض منفردة لتعطيل المسار".
ويقول: "يجب أن يصل الطرفان، إسرائيل وحماس معًا، إلى المرحلة الثانية، وإذا كانت لإسرائيل قدرة فيتو فعلية، فستكون لحماس بالمقابل قدرتها على الاعتراض أيضًا. لكنني لا أتصور أن كلا الطرفين يمتلكان فيتو مطلقًا".
سيناريوهات في غزة
بدوره، يقول إبراهيم الخطيب، أستاذ إدارة النزاعات بمعهد الدوحة للدراسات العليا والخبير في الشؤون الإسرائيلية، إن "الضغط الأميركي يجب أن يُترجَم على الأرض بخطوات عملية، إلا أننا حتى الآن لم نر ذلك بشكل واضح سوى في موضوع المساعدات".
ويضيف الخطيب في حديث للتلفزيون العربي: "لكن في الوقت نفسه، لم تفتح إسرائيل معبر رفح، رغم أن هذا الأمر منصوص عليه بوضوح في بنود الاتفاق، وتحديدًا في البندين السابع والثامن المتعلقين بالمساعدات وفتح المعابر".
وعليه، قال: "إذا كان الطرف الأميركي جادًا في ممارسة الضغط على إسرائيل، فلا ينبغي له أن يترك لها بابًا مفتوحًا للمناورة، مثل التصريحات التي تمنحها ضوءًا أخضر للرد في حال حدوث خروقات. هذا يعيدنا إلى حالة استخدام القوة مجددًا، على غرار النموذج اللبناني".
وأردف الخطيب: "الأميركيون يريدون استمرار هذا الاتفاق، لكنهم في الوقت نفسه يمنحون إسرائيل مرونة للاستفادة من هذا الضوء الأخضر في بعض الجوانب المختلفة".
ويضيف: "لكن هذا يمنح نتنياهو دافعًا إضافيًا لعرقلة الاتفاق، واتهام الطرف الآخر بالمسؤولية". ونوّه الخطيب إلى أن "حماس مستعدة للمضي في الاتفاق، وإنهاء ملف الحرب، واستعادة الأسرى، لكن الإشكاليات ستظهر في المرحلة الثانية، خاصة فيما يتعلق بتسليم السلاح".
واستدرك قائلاً: "أما إسرائيل، فهي تريد التقدم في الاتفاق بشرط أن تكون الخطوة الأولى هي سحب سلاح حماس، وستربط أي مساعدات أو إعادة إعمار بهذا الشرط، لأن نتنياهو يريد تحقيق هدفين: استعادة الأسرى، ثم نزع سلاح حماس".
وأوضح الخطيب بشأن السيناريوهات الإسرائيلية المحتملة قائلاً: "السيناريو الأول هو المضي في الاتفاق بشرط نزع سلاح حماس، وهذا هو السيناريو المفضل لدى إسرائيل. والسيناريو الثاني، على غرار النموذج اللبناني، إذا لم يتم نزع السلاح، قد تبقي إسرائيل سيطرة جزئية (50%) على القطاع كورقة ضغط. أما السيناريو الثالث فهو قبول اتفاق كامل لكن وفق الشروط الإسرائيلية، بما فيها شكل القوات الدولية في غزة".
تكرار نموذج لبنان
من جانبه، يعتبر بشير عبد الفتاح، الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن زيارة مدير المخابرات المصرية لإسرائيل تهدف إلى محاولة إقناع نتنياهو بأن إتمام تنفيذ هذا الاتفاق يصب في مصلحته الشخصية ومصلحة دولة الاحتلال.
ويضيف عبد الفتاح في حديث للتلفزيون العربي من القاهرة أن "التأخير أو المماطلات في تنفيذ اتفاق غزة لن يفيد أحدًا، وستضرّ باستقرار الوضع وبآفاق الحلّ السياسي".
ويشير إلى أن "إسرائيل منذ البداية لم تكن تنوي المضي قدمًا في هذا الاتفاق حتى نهايته، وخبرات الماضي تشير إلى ذلك، من اتفاق لبنان في نوفمبر 2024 إلى اتفاق المراحل الثلاث مع حماس في يناير الماضي".
وأردف عبد الفتاح: "اكتفى نتنياهو بالمرحلة الأولى، وهي تبادل الأسرى، ثم انسحب من المرحلة الثانية التي كانت تُلزمه بوقف العدوان وسحب جيش الاحتلال من القطاع".
ويعتبر عبد الفتاح أن "إسرائيل في غزة تتعامل بمنطق (لبننة المشهد)، ونتنياهو يأمل في إعادة إنتاج السيناريو اللبناني في غزة. وترمب كان يدرك ذلك منذ البداية. وكل محاولات إرسال المبعوثين الأمريكيين المتتالية إلى المنطقة ليست إلا محاولة لإنقاذ اتفاق وُلد مُفخخًا وملغومًا منذ اليوم الأول".
ويضيف: "اليوم ظهرت تصريحات تؤكد أن إسرائيل طلبت من الرئيس الأميركي ترمب ألا تُنفذ الشروط المتعلقة بالمرحلتين الثانية والثالثة، وخصوصًا مرحلة إعادة الإعمار، ما لم يسبقه نزع سلاح حركة حماس أو إخراجها من المعادلة السياسية والأمنية والإدارية في قطاع غزة".
وتابع قائلاً: "إذًا، تنفيذ المراحل بات معلّقًا على قرارات واعتراضات، أو بالأحرى فيتو إسرائيلي، وهذا يضع الوسطاء، مثل مصر وتركيا وقطر، في موقف حرج للغاية. فهذه الأطراف قادرة على ممارسة الضغط على الجانب الفلسطيني وإقناعه بتقديم مرونة، وقد ظهر ذلك في حديث خليل الحية الذي أكد التعاون الكامل فيما يتعلق بجثامين ورفات الأسرى الإسرائيليين".
ومضى يقول: "كل ذلك يضع الوسطاء في مأزق، لأنهم عاجزون فعليًا عن الضغط على الجانب الإسرائيلي. والجهة الوحيدة القادرة على ذلك هي الولايات المتحدة. لكن، على ما يبدو، فإن ما يُسمّى الخط الأصفر سيكون حدود غزة مع دولة الاحتلال، ولن ينسحب الجيش الإسرائيلي منه".