الإثنين 16 فبراير / فبراير 2026
Close

"حرب الاستنزاف": عندما يكون إنهاك العدو هدفًا بحدّ ذاته

"حرب الاستنزاف": عندما يكون إنهاك العدو هدفًا بحدّ ذاته محدث 16 يوليو 2025

شارك القصة

استُخدمت إستراتيجية حرب الاستنزاف بشكل ما منذ العصور القديمة
استُخدمت إستراتيجية حرب الاستنزاف بشكل ما منذ العصور القديمة - غيتي
الخط
من فردان إلى غزة، استخدمت الجيوش "حرب الاستنزاف" إستراتيجية لإرغام العدو على الانهيار عبر النزيف المتواصل... فما هي هذه الحرب وما أبرز نماذجها في التاريخ الحديث؟

في الحروب، لا تكون المواجهة العسكرية محسومة دومًا بهجومٍ مباغت أو معركة فاصلة؛ فثمة نمط من القتال يقوم على "طول النفس وكثرة النزيف"، ويُعرف باسم "حرب الاستنزاف".

فخلال العدوان الإسرائيلي على غزة المستمر منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أعلنت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" هذا الشهر أن المقاومة تخوض "حرب استنزاف، ردًا على الإبادة بحقّ المدنيين"، مؤكدة أنها "تفاجئ العدو يوميًا بتكتيكات ميدانية متجددة".

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد توعّد، خلال الحرب على إيران التي استمرت 12 يومًا وانتهت بوقف لإطلاق النار في أواخر يونيو/ حزيران 2025، بمواصلة العمليات حتى "تحقيق الأهداف"، مع الحرص على تفادي الانزلاق إلى "حرب استنزاف".

ما مفهوم حرب الاستنزاف؟

يُعرف مفهوم "حرب الاستنزاف" بأنه استراتيجية عسكرية يُحاول فيها أحد الأطراف إنهاك خصمه من خلال استنزاف موارده بشكل مستمر، وإلحاق خسائر به في ساحة المعركة، إلى أن تنهار قدرته على القتال، وفقًا لموقع "خدمات معلومات EBSCO".

ويعود أصل الكلمة إلى المصطلح اللاتيني attritionem، الذي يعني "الاحتكاك"، في إشارة إلى التآكل التدريجي للقوة.

في هذا النوع من الحروب، يعتمد الطرف الذي يمتلك عددًا أكبر من الجنود والمعدات والإمدادات على هذه الموارد من دون اكتراث كبير بالكلفة، على أمل أن يُثبت الضغط المتواصل جدواه في إنهاك العدو وتجاوز قدرته على الدفاع.

وقد استُخدمت هذه الاستراتيجية منذ العصور القديمة، وهي تتناقض في طبيعتها مع "حرب المناورة"، التي تهدف إلى الحركة السريعة وتفادي المواجهات المباشرة.

وفي العصر الحديث، تُعد الحرب العالمية الأولى (1914–1918) المثال الأبرز لحرب استنزاف طويلة الأمد، قتل فيها ملايين الجنود مقابل مكاسب ميدانية ضئيلة.

تاريخ حرب الاستنزاف

تختلف التعريفات والمفاهيم المتعلقة بالحرب والاستراتيجيات القتالية، ما يصعّب التوصّل إلى تصنيف جامع. لكن يُمكن اعتبار حروب الاستنزاف من أقدم أشكال الصراع في التاريخ، حيث كان النصر يُحقّق عادةً بالتفوّق العددي، أو بإلحاق خسائر هائلة بالعدو لإرغامه على الاستسلام.

تهدف حرب الاستنزاف إلى إنهاك "العدو" في ساحة المعركة
تهدف حرب الاستنزاف إلى إنهاك "العدو" في ساحة المعركة - غيتي

في المقابل، ظهر مع تطوّر وسائط النقل والتكتيك العسكري، ما يُعرف بـ"حرب المناورة"، لا سيما مع استئناس الخيول وابتكار العربات، ما أتاح قدرات عالية على الحركة، واستخدام تكتيكات ترمي إلى إضعاف الخصم دون مواجهات شاملة.

في هذه الحروب، قد تُستخدم الهجمات المباغتة، أو يُركّز على نقاط ضعف العدو الاستخباراتية أو اللوجستية. وغالبًا ما اعتمدت الجيوش الصغيرة هذه التكتيكات لهزيمة جيوش أضخم عددًا وعتادًا.

ومن الأمثلة الكلاسيكية على المزج بين أسلوبي المناورة والاستنزاف، ما فعله القائد القرطاجي حنبعل عام 216 ق.م، حين غزا إيطاليا وهزم جيوش روما، قبل أن يلجأ القائد الروماني فابيوس ماكسيموس إلى تكتيك الكرّ والفرّ، مُنهكًا قوات حنبعل تدريجيًا، ما أعاق قدرته على شنّ هجوم مركز.

وقد اعتمد الجنرال الأميركي جورج واشنطن أسلوبًا مشابهًا خلال حرب الاستقلال الأميركية (1775–1783).

الحرب العالمية الأولى: النموذج الكلاسيكي لحرب الاستنزاف

تُعدّ الحرب العالمية الأولى من أبرز الأمثلة على حرب الاستنزاف في التاريخ الحديث، وفقًا لما يؤكده العديد من الخبراء العسكريين.

اندلعت هذه الحرب نتيجة توترات متراكمة في أوروبا وشبكة معقدة من التحالفات العسكرية، ألزمت الدول بالانخراط الفوري عند اشتعال المواجهة.

بدأت شرارة الحرب في 28 يونيو/ حزيران 1914، حين جرى اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند، وريث عرش الإمبراطورية النمساوية–المجرية، وزوجته في سراييفو على يد قومي صربي بوسني. وقد أدى هذا الحدث إلى إعلان النمسا–المجر الحرب على صربيا، ما فعّل سلسلة من التحالفات وأشعل الصراع على نطاق أوروبي واسع.

تُعد الحرب العالمية الأولى نموذجًا بارزًا لمفهوم حرب الاستنزاف الحديثة
تُعد الحرب العالمية الأولى نموذجًا بارزًا لمفهوم حرب الاستنزاف الحديثة - غيتي

وبحلول أغسطس/ آب 1914، كانت ألمانيا والنمسا-المجر في حالة حرب مع روسيا وفرنسا وبريطانيا وغيرها من قوى الحلفاء. وواجهت ألمانيا أعداءً على جبهتين: فرنسا وبريطانيا من الغرب، وروسيا من الشرق. وقد اعتقد قادتها العسكريون أنهم قادرون على حسم الحرب بسرعة على الجبهة الغربية، من خلال إلحاق هزيمة ساحقة بالفرنسيين واحتلال باريس قبل أن تتمكن القوات البريطانية من التدخل.

وتقدّم الجيش الألماني عبر بلجيكا المحايدة إلى داخل فرنسا، لكنه توقف في زحفه بعد أن اعترضته القوات الفرنسية والبريطانية على بُعد ثلاثين ميلاً فقط من باريس. وعندها لجأ الجانبان إلى حفر الخنادق وتحصين مواقعهم، وهو وضع دفاعي وفّر الحماية للقوات، لكنه جعل التقدّم في ساحة المعركة صعبًا للغاية. وقد استمر هذا الجمود، المعروف باسم "الجبهة الغربية"، لعدة سنوات.

وفي عام 1916، وضع الجنرال الألماني إريك فون فالكنهاين خطة لكسب الحرب على الجبهة الغربية، تمثّلت في شنّ هجوم واسع النطاق على القوات الفرنسية في مدينة فردان، شمال شرق فرنسا. وكان هدف فون فالكنهاين هو "استنزاف فرنسا حتى الموت" من خلال حرب استنزاف مدمّرة، حيث كانت القوات الألمانية تعتزم قصف الفرنسيين بلا هوادة باستخدام المدفعية، ثم الدفع بموجات متتالية من الجنود لمواصلة الضغط.

وقد اعتقد فالكنهاين أنّ الفرنسيين سيضعون كل إمكاناتهم في الدفاع عن فردان، حتى لو اضطروا إلى سحب قوات من جبهات أخرى لتعويض الخسائر، وكانت آماله قائمة على أن الإرهاق والهزيمة النفسية الناجمة عن الهجوم الألماني العنيف ستؤدي في نهاية المطاف إلى انهيار الدفاعات الفرنسية.

ومع هزيمة فرنسا، كان فالكنهاين يأمل أن تبادر بريطانيا إلى التفاوض على شروط سلام.

الهجوم الألماني على فردان

بدأ الهجوم الألماني على فردان في فبراير/ شباط 1916، وكما كان متوقّعًا، ألحق خسائر فادحة بالجيش الفرنسي. ومع ذلك، صمدت الدفاعات الفرنسية، ولم يتمكن الألمان بعد الهجوم الأولي سوى من السيطرة على عدد محدود من الخنادق.

وكان القادة العسكريون الفرنسيون يدركون أن الدفاع عن فردان سيكلّف الكثير من الأرواح، لكنهم قرّروا الرد بهجمات مضادّة تهدف إلى إلحاق أكبر قدر ممكن من الخسائر في صفوف الألمان.

وعلى مدار شهور، تكبّد الطرفان خسائر بشرية ضخمة، مع استمرار استبدال الجنود القتلى أو الجرحى بتعزيزات جديدة.

وبحلول ديسمبر/ كانون الأول 1916، أدرك القادة الألمان أن مواصلة الهجوم باتت غير مجدية، وقرّروا الانسحاب من فردان.

بدأ الهجوم الألماني على فردان في فبراير 1916
بدأ الهجوم الألماني على فردان في فبراير 1916 - غيتي

وقد أسفرت المعركة عن نحو 378,000 قتيل أو جريح فرنسي، و337,000 قتيل أو جريح ألماني، مقابل مكاسب ميدانية ضئيلة للغاية خلال عشرة أشهر من القتال المتواصل.

وكانت حرب الاستنزاف إستراتيجية شائعة خلال الحرب العالمية الأولى، وقد جرى استخدامها في محاولة لكسر حالة الجمود التي سادت في خنادق الجبهة الأوروبية.

وخلال أربع سنوات من القتال الضاري، قُدّر عدد الجنود القتلى على الجانبين بأكثر من 8.5 مليون، فيما تجاوز عدد الجرحى 21 مليونًا، في واحدة من أكثر النزاعات دموية في التاريخ الحديث.

وغالبًا ما يرى الخبراء العسكريون أن بعض مظاهر حرب الاستنزاف تُعدّ ضرورية لتمكين إستراتيجيات المناورة من أن تكون فعالة.  

وقد استُخدمت "إستراتيجية حرب الاستنزاف" بدرجات متفاوتة في عدد من النزاعات، من بينها:

  • الحرب العالمية الثانية (1939–1945)

  • الحرب الكورية (1950–1953)

  • حرب فيتنام (1954–1975)

إضافة إلى العديد من النزاعات الأخرى، وإن لم تُستخدم فيها بالكثافة نفسها التي ميّزت الحرب العالمية الأولى.

وبشكل عام، فإن استخدام حرب الاستنزاف في العصر الحديث محدود، نظرًا لما تُحدثه من تكاليف بشرية عالية، فضلًا عن العبء المالي الهائل الناتج عن استهلاك المعدات والإمدادات.

كما أن هذه الإستراتيجية قد تؤدي إلى إطالة أمد الحروب، ما يُسفر عن أضرار جسيمة في الدولة التي تُجرى فيها المعارك، وقد تُفضي في نهاية المطاف إلى انعكاسات سياسية طويلة الأمد، حتى بعد توقف القتال.

وهكذا، فإنّ مشاهد الحروب الراهنة، من غزة إلى أوكرانيا، تعيد إلى الواجهة نموذج الاستنزاف بكل ما يحمله من تبعات ميدانية وإنسانية وسياسية.

تابع القراءة

المصادر

التلفزيون العربي - ترجمات
المزيد من