حرب السودان تعيد تشكيل المجتمع.. نزوحٌ بلا عودة وانكشافٌ في الضروريات
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل/ نيسان 2023، لم يعد "البيت" عنوانًا ثابتًا في حياة كثيرين، بل احتمالًا مؤقتًا: اليوم هنا، وغدًا في مكانٍ آخر، وبعده في عنوانٍ لا يجرؤ صاحبه على تسميته "استقرارًا".
ففي الحروب الطويلة، لا يعود السؤال عن "من ينتصر؟" وحده هو ما يثقل الناس، بل سؤالٌ أشدّ يوميّةً: كيف نعيش أصلًا؟
كيف ينام المرء وهو لا يعرف إن كان سيُكمل الليلة في البيت نفسه؟ كيف تُدار الأسرة حين يصبح الماء والدواء والخبز رهاناتٍ مفتوحة على الصدفة؟ وكيف تتحوّل القرارات التي كانت تُؤجَّل عادةً، كالنزوح أو الهجرة، إلى خياراتٍ تُفرَض على الناس بدل أن يختاروها؟
لا تشذ حرب السودان عن قاعدة الحروب الطويلة، فهي ليست حدثًا يعبر ثم ينتهي، بل زمنٌ مفتوح يعيد ترتيب كل شيء: السكن، العمل، العائلة، والحد الأدنى من الحياة. وحين يطول الزمن، يخرج السؤال الأثقل من قلب اليوميات:
هل النزوح مرحلة أم مصير؟ وهل يمكن لبلدٍ أن "يتعايش" مع الحرب بينما تتآكل خدماته الأساسية وتتعثر العودة؟
في هذه الحلقة من "المؤشر العربي 2025.. كيف يرى العرب عالمهم؟"، محاولة متواضعة لالتقاط أثر الحرب كما تراكم على الناس حتى لحظة القياس في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024:
نزوحٌ يفرض نفسه، عودةٌ ليست القاعدة، وخدماتٌ أساسية لا تأتي عند الحاجة.
نزوحٌ بلا عودة.. وخروج لا تحصيه الأرقام
أولى العلامات الثقيلة في المشهد السوداني هي أن النزوح لم يعد حدثًا عابرًا، بل صار نمطًا يطبع الحياة.
ففي بلد تتبدّل فيه الخرائط تحت ضغط المعارك، أفاد 47% من المستجيبين أنهم نزحوا شخصيًا أو مع أسرهم (أو بعض أفرادها) منذ اندلاع النزاع في السودان.
واللافت أن هذه النسبة لا تشمل الذين غادروا السودان إلى بلدان أخرى؛ أي أنّ النزوح هنا هو "الداخلي" فقط، بما يحمله من تبدّلٍ في السكن، والعمل، وشروط الحياة.
هل اضطررت أنت شخصيًا أو أحد أفراد أسرتك إلى النزوح من بيتك منذ اندلاع الحرب في السودان؟
العودة ليست نهاية القصّة
لعلّ ما هو "أثقل" من فعل النزوح نفسه، يبقى أنّ العودة غير مضمونة.
فبين النازحين، قال 34% إنهم تمكّنوا من العودة إلى منازلهم، مقابل 66% أفادوا بأنهم لم يعودوا حتى وقت تنفيذ الاستطلاع.
هل عدت إلى بيتك الأصلي أم أنك ما زلت نازحًا منذ اندلاع الحرب في السودان؟
رقم كهذا يختصر معنى الحرب حين تطول: ليست لحظة انتقال ثم عودة، بل واقعٌ ممتدٌّ يُعلّق الحياة في مكانٍ آخر.
أين يعيش من لم يعودوا؟
عندما يُستكمَل السؤال: "أين يعيش من لم يعودوا؟".. تظهر خريطة "سكن اضطراري" تعكس كيف يعيد المجتمع ترتيب نفسه تحت الضغط.
هكذا، توزّعت أماكن الإقامة بين الذين ما زالوا نازحين على نحو يكشف هشاشة البدائل:
-
38% يقيمون في بيت العائلة الكبير أو لدى الأقارب.
-
31% يستأجرون منازل أخرى.
-
15% يقيمون في مراكز إيواء.
-
11% يسكنون لدى معارف.
إذا لم تكن قد عدت إلى منزلك الأصلي، فأين تقيم الآن؟
هذه ليست تفاصيل سكنية فحسب؛ إنها مؤشرٌ على معنى الحرب حين تُطيل زمنها: البيت يصبح احتمالًا، والحيّ يُستبدَل مؤقتًا بشبكات القرابة أو الإيجار أو الإيواء، فيما "العودة" تتحوّل إلى وعدٍ معلّق.
الضروريات لا تأتي في وقتها
بعد النزوح، يبدأ الامتحان الأصعب: كيف تؤمَّن الأساسيات؟
هنا تُظهر أرقام "المؤشر" كيف يتآكل الحد الأدنى:
-
المياه: 58% قالوا إنها متوافرة، مقابل 42% أفادوا بعدم توافرها.
-
الكهرباء: 45% أشاروا إلى عدم توافرها.
-
الغذاء الأساسي: 58% قالوا إن المواد الغذائية الأساسية لم تكن متوافرة عندما احتاجوا إليها.
ثمّ تأتي الكتلة الأثقل: الصحة.
الدواء والرعاية الطبية.. فجوة في لحظة الحاجة
تظهر نقطة الانكشاف الأكثر حساسية في الصحة والدواء، إذ قال 71% من من المستجيبين إنهم لم يستطيعوا الحصول على الأدوية، وقال 72% إنهم لم يستطيعوا الحصول على الرعاية الطبية عندما احتاجوا إليها.
هنا تتحوّل الحرب من "قصفٍ" إلى "حياةٍ كاملة تحت الاختبار": ليس لأن الخطر يأتي من الجبهة فقط، بل لأن تعطّل الإمداد والخدمات يجعل الحاجة اليومية نفسها مصدر قلقٍ دائم.
وحين يصبح الدواء غير مضمون، تصبح الأمراض المزمنة، وإصابات الحرب، وأمراض الأطفال، كلها على تماسّ مباشر مع فكرة "النجاة".
هذه ليست نسبة "نقص خدمات" فحسب؛ إنها مؤشرٌ على كيف تصبح الإصابة والمرض عبئًا مضاعفًا: ألمٌ من جهة، وانسداد طريق العلاج من جهة أخرى.
الحرب داخل البيت: نهبٌ واقتحامٌ واعتداءات
لا تقف خبرة الحرب عند النزوح وتعطّل الاحتياجات، ولا حتى عند خطوط القتال. فجزءٌ من القسوة يظهر حين تُسأل الأسر عن الانتهاكات المباشرة التي طالتها.
هنا، تكشف نتائج الاستطلاع عن مؤشرات قاسية:
-
34% قالوا إن ممتلكاتهم تعرّضت للنهب، وذكر 89% منهم أن قوات الدعم السريع هي من قامت بذلك.
-
23% أفادوا أن منازلهم اقتُحمت، و18% أن منازلهم احتُلّت.
-
17% قالوا إنهم (أو أحد أفراد الأسرة) تعرّضوا لاعتداء، و9% تعرّضوا للاعتقال، و4% للتحرش الجنسي، وكانوا قادرين على تسمية الجهة المسؤولة.
في مثل هذه الأرقام، لا يعود الحديث عن "أثر الحرب" توصيفًا عامًا؛ بل يصبح سردًا مباشرًا عن اقتحام المجال الخاص للأسر: البيت، الممتلكات، الجسد، والحقّ في الأمان الشخصي.
الهجرة.. حين يصبح الخروح "خطة"
عندما يتجاور النزوح الداخلي مع انقطاع الضروريات وتزايد الانكشاف، يصبح سؤال الهجرة منطقيًا في مخيال الناس، لا لأنه خيار "أفضل"، بل لأنه في أحيان كثيرة يبدو الخيار "الممكن".
على مستوى المؤشر، أفاد 50% من السودانيين أنهم يرغبون في الهجرة من بلدهم.
والرقم هنا لا يُقرأ كميل فردي فقط، بل كإشارةٍ إلى مدى تآكل الإحساس بإمكان بناء حياة مستقرة في المدى المنظور: حين تتكرّر الصدمات بلا سقف زمني واضح، يصبح التفكير بالمخرج جزءًا من تدبير المستقبل.
في الخلاصة..
ترسم نتائج "المؤشر العربي 2025" صورة السودان بوصفه بلدًا يعيش حربًا طويلة تُعيد تشكيل المجتمع من الداخل:
إنها صورة بلدٍ يعيش على حافة الحد الأدنى.. ويقيس يومه بما يتوفر، لا بما يستحقه.
تابعوا في الحلقة المقبلة من سلسلة "المؤشر العربي 2025.. كيف يرى العرب عالمهم؟":
سوريا: الهوية والتوترات وخطاب الطائفية
أرقام سريعة
-
47%: نزحوا منذ اندلاع النزاع في السودان.
-
66%: لم يعودوا إلى منازلهم حتى وقت تنفيذ الاستطلاع (34% عادوا).
-
السكن للنازحين: 38% لدى العائلة/الأقارب، 31% إيجار، 15% مراكز إيواء، 11% لدى معارف.
-
58%: الغذاء الأساسي لم يكن متوافرًا عند الحاجة.
-
71%: لم يستطيعوا الحصول على الأدوية، و72% لم يستطيعوا الحصول على الرعاية الطبية عند الحاجة.
-
34%: تعرّضت ممتلكاتهم للنهب (89% نسبوا ذلك إلى “الدعم السريع”).
-
50%: يرغبون في الهجرة.