الإثنين 20 يوليو / يوليو 2026
Close

حرب الشرق الأوسط.. من يدفع الثمن الأكبر لتوقف نفط الخليج؟

حرب الشرق الأوسط.. من يدفع الثمن الأكبر لتوقف نفط الخليج؟ محدث 25 مارس 2026

شارك القصة

تعرض عدد من منشآت الطاقة في دول الخليج لأضرار في ظل الحرب في الشرق الأوسط- غيتي
توقف نفط الخليج يضع العالم كله أمام صدمة أسعار وإمدادات قد تمتد إلى الغذاء والنمو والتضخم - غيتي
توقف نفط الخليج يضع العالم كله أمام صدمة أسعار وإمدادات قد تمتد إلى الغذاء والنمو والتضخم - غيتي
الخط
مع تصاعد التوتر في مضيق هرمز، تتجه الأنظار إلى الدول الأكثر اعتمادًا على نفط الخليج وغازِه، والأشد عرضة لصدمة الأسعار والإمدادات.

تضع الحرب الجارية في الشرق الأوسط أسواق الطاقة العالمية أمام واحدة من أخطر الصدمات التي شهدتها منذ عقود، بعدما تحوّل مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، إلى بؤرة توتر تهدد تدفق النفط والغاز من الخليج إلى العالم.

ويمر عبر هذا المسار البحري ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من النفط، إلى جانب كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال، ما يجعل أي اضطراب فيه كفيلًا بإرباك الأسواق ورفع الأسعار وفرض ضغوط اقتصادية ومعيشية على دول تبعد آلاف الكيلومترات عن ساحة الحرب نفسها.

وفي محاولة لاحتواء الصدمة، أقرت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية بسحب 400 مليون برميل من المخزونات الطارئة، في خطوة تعكس حجم القلق من اتساع الاضطراب، لكنها لا تلغي المخاوف من أن يكون تأثيرها محدودًا إذا طال أمد التوتر أو تراجع العبور عبر هرمز لفترة ممتدة. 

وقد حذّر المدير التنفيذي للوكالة فاتح بيرول من أن العالم يواجه اضطرابًا بالغ الخطورة في أسواق الطاقة، يتجاوز في انعكاساته سوق النفط وحدها إلى قطاعات البتروكيماويات والأسمدة والنقل والصناعة.

لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بحجم الأزمة، بل بمن سيدفع ثمنها الأكبر. فالتأثر لن يكون متساويًا بين الدول، إذ تختلف درجات الانكشاف بحسب الاعتماد على نفط الخليج وغازه، وحجم الاحتياطيات، وقدرة الاقتصادات على امتصاص الصدمة أو تنويع الموردين.


من الأكثر تضرّرًا من توقف نفط الخليج؟

تعد الصين أكبر مستورد للنفط والغاز من دول الخليج العربي- غيتي
 تُعَدّ الصين من أكبر مستوردي النفط والغاز من دول الخليج، ما يجعل آسيا في مقدّمة المتضررين من أي اضطراب طويل في الإمدادات - غيتي

يمر عبر الخليج ومضيق هرمز ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من النفط، إضافة إلى حصة مؤثرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال

آسيا في مقدّمة المتضرّرين


تبدو آسيا الخاسر الأول من أي توقف طويل لتدفق نفط الخليج، ليس فقط لأن أربعة أخماس النفط العابر عبر مضيق هرمز تتجه إليها، بل أيضًا لأن اقتصاداتها الصناعية والاستهلاكية تعتمد بدرجات متفاوتة على الخام والغاز القادمين من المنطقة.

وتأتي الصين في مقدمة كبار المستوردين، فيما تبدو دول مثل الهند واليابان وكوريا الجنوبية وباكستان وتايلاند أكثر حساسية لأي انقطاع ممتد في الإمدادات.

ولا يقتصر الخطر هنا على النفط وحده، إذ إن أسواق الغاز الآسيوية شديدة الانكشاف أيضًا، خصوصًا بالنسبة إلى الدول التي تعتمد على الغاز الطبيعي المسال القادم من قطر والإمارات عبر مضيق هرمز.

وتوضح وكالة الطاقة الدولية أن بنغلادش والهند وباكستان استوردت نحو ثلثي احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال عبر هذا المسار في عام 2025، ما يجعلها أكثر عرضة لاضطرابات الكهرباء والصناعة والأسمدة إذا استمر الخلل في التدفقات.

ولهذا بدأت بعض الحكومات والشركات الآسيوية في اللجوء إلى تدابير استثنائية لخفض الطلب على الوقود، من تقليص أيام العمل الحضوري إلى تشجيع العمل من المنزل، مرورًا بإجراءات ترشيد استهلاك الطاقة في المؤسسات العامة، وهي مؤشرات على أن الأزمة لم تعد مجرد تطور جيوسياسي بعيد، بل بدأت تتسلل إلى الحياة اليومية والاقتصاد الفعلي.

حلول غير مألوفة

لمواجهة اضطراب واردات الطاقة، توصلت الحكومات والشركات في جميع أنحاء آسيا إلى بعض الحلول غير المألوفة، بحسب "المنتدى الاقتصادي العالمي":
  • دول عدّة بينها الفلبين وباكستان، طبّقت نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع، بينما تدرس إندونيسيا خياري العمل لأربعة أيام في الأسبوع والعمل من المنزل.
  • تشجع تايلاند على استبدال البدلات الرسمية بالقمصان للعاملين، وقد نُصحت المكاتب الحكومية بضبط درجة حرارة مكيفات الهواء، والحد من استخدام المصاعد، وتشجيع مشاركة السيارات.
  • نصحت شركات خدمات تكنولوجيا المعلومات في الهند موظفيها بإحضار طعامهم الخاص، كما قلّصت العديد من الشركات عروض الطعام أو استعانت بمطابخ خارجية لتحضير الوجبات. 
  • فرضت حكومة ميانمار قيودًا على القيادة: باستثناء السيارات الكهربائية، لن يُسمح للسيارات الخاصة والدراجات النارية بالمرور على الطرق إلا يومًا بعد يوم، بناءً على أرقام لوحات السيارات. 

أوروبا أقل اعتمادًا.. لكن الارتدادات تصلها


صحيح أن أوروبا خففت خلال السنوات الماضية اعتمادها المباشر على مصادر طاقة بعينها، وخصوصًا بعد الحرب الروسية على أوكرانيا، إلا أن ذلك لا يعني أنها ستكون بمنأى عن تداعيات أي اضطراب كبير في الخليج.

فأسواق الطاقة مترابطة على نحو يجعل ارتفاع الأسعار العالمية ينعكس فورًا على كلفة الصناعة والنقل والكهرباء والتضخم، حتى في الدول التي لا تستورد الجزء الأكبر من حاجتها مباشرة من الخليج.

تزداد حساسية التأثر الأوروبي لأن القارة لم تتعافَ بالكامل من أزمات الطاقة المتلاحقة، فيما تواجه اقتصاداتها تباطؤًا وضغوطًا تنافسية متزايدة.

وإذا امتد أثر الأزمة إلى الغاز الطبيعي المسال، فإن أوروبا قد تجد نفسها مجددًا في منافسة حادة مع آسيا على الشحنات المتاحة، بما يعيد إشعال الأسعار ويفرض أعباء إضافية على المستهلكين والقطاعات الإنتاجية.

يُغطي الخليج العربي نحو خُمس احتياجات العالم من الطاقة- غيتي
أي ارتفاع جديد في أسعار الطاقة يهدد أوروبا بكلفة إضافية على الصناعة والنقل والكهرباء، رغم تراجع اعتمادها المباشر على الخليج - غيتي

الدول النامية.. المتضرر الأضعف والأقسى


غالبًا ما تكون الدول النامية الحلقة الأضعف في مثل هذه الصدمات، لا لأن استهلاكها هو الأكبر، بل لأن قدرتها على التكيف هي الأضعف. فهذه الدول لا تملك عادة احتياطيات إستراتيجية كبيرة، ولا هوامش مالية واسعة لامتصاص ارتفاع الأسعار،

كما أن اعتمادها على الاستيراد يجعلها أكثر تعرضًا لاهتزازات السوق. ولهذا، فإن دولًا في إفريقيا وجنوب آسيا قد تكون من بين الأكثر تضررًا فعليًا، حتى إن لم تكن في صدارة المستوردين من حيث الحجم.

ولا يتوقف الأثر هنا عند أسعار الوقود. فارتفاع كلفة الطاقة ينسحب سريعًا على النقل والزراعة والأسمدة والغذاء، ما يضع الموازنات العامة في هذه البلدان تحت ضغط مزدوج: ارتفاع فاتورة الاستيراد من جهة، والحاجة إلى حماية المستهلكين من جهة أخرى.

وفي مثل هذه الحالات، لا تبقى أزمة الطاقة مسألة اقتصادية مجردة، بل تتحول إلى أزمة معيشية واجتماعية مباشرة.

دول إفريقية تتأثر باضطرابات أسواق الطاقة

تتأثر الدول الإفريقية، شأنها شأن العديد من دول الجنوب العالمي، بالاضطرابات في أسواق الطاقة بشكل متفاوت:
  • في عام 2024، استوردت سيشل، الدولة الجزرية الواقعة قبالة الساحل الشرقي لإفريقيا، معظم احتياجاتها من الطاقة من دول الخليج. كما تعتمد موريشيوس على دول الخليج بشكل مماثل. بينما اعتادت نيجيريا، الدولة الغنية بالنفط والعضو في منظمة "أوبك بلس"، على استيراد كميات قليلة نسبيًا من الوقود الأحفوري من الشرق الأوسط.
  • قد يُجبر الارتفاع المستمر في تكلفة الأسمدة حكومات جنوب آسيا وإفريقيا جنوب الصحراء على دعم تكاليف زراعة المحاصيل لتجنب ارتفاع أسعار المواد الغذائية. وقد يزيد ذلك من أعباء الديون التي تُثقل كاهل العديد من الدول ذات الدخل المنخفض.

الولايات المتحدة والأميركيتان.. تأثر أقل مباشرة


قد تبدو الولايات المتحدة أقل تعرضًا من غيرها بحكم كونها منتجًا رئيسيًا للنفط والغاز، فضلًا عن بعدها الجغرافي عن الشرق الأوسط الملتهب. إلا أنها ليست محصنة بالكامل من انعكاسات الأزمة.

فارتفاع أسعار الخام يضغط سريعًا على البنزين والنقل والتضخم، ما يجعل أثر الاضطراب يصل إليها عبر السوق العالمية حتى لو لم تكن معتمدة مباشرة على نفط الخليج بالقدر نفسه الذي تعتمد عليه آسيا.

والأمر ذاته ينسحب، بدرجات متفاوتة، على دول في أميركا اللاتينية، حيث يختلف حجم التعرض المباشر، لكن أثر الأسعار العالمية يكاد يكون شاملًا.

ارتفع سعر البنزين بنحو دولار واحد للغالون على مستوى البلاد منذ بدء الحرب. وبدأت شركات الطيران الأميركية بتقليص رحلاتها بسبب ارتفاع تكاليف الوقود. كما دفعت المخاوف من التضخم معدلات الرهن العقاري إلى أعلى مستوى لها في ثلاثة أشهر، بعد أسابيع فقط من انخفاضها إلى ما دون 6% لأول مرة منذ عام 2022.

من الأكثر تضرّرًا؟


إذا جرى ترتيب المتضررين من توقف طويل لتدفق نفط الخليج، فإن الكتلة الأولى تضم الدول الآسيوية الأكثر اعتمادًا على خام الخليج وغازه، وفي مقدمتها الهند واليابان وكوريا الجنوبية وباكستان والصين.

وتأتي بعدها دول نامية في إفريقيا وجنوب آسيا، ليس لأن استهلاكها هو الأعلى، بل لأن قدرتها على التحمل أضعف بكثير.

أما أوروبا، فرغم تراجع اعتمادها النسبي على الخليج، فإنها تبقى معرضة لارتدادات قوية عبر الأسعار وأسواق الغاز والصناعة.

في المقابل، تبدو الولايات المتحدة وبعض اقتصادات الأميركيتين أقل انكشافًا مباشرًا، لكن من دون حصانة حقيقية من الصدمة.

بالأرقام.. الأكثر انكشافًا على طاقة الخليج

تفاوت كبير في انكشاف الدول على طاقة الخليج، مع تصدّر باكستان واليابان وتايلاند وكوريا الجنوبية في آسيا، وسيشل وموريتانيا في إفريقيا.

  •  في آسيا
باكستان (81%)، اليابان (57%)، تايلاند (56%)، كوريا الجنوبية (55%)، الهند (50%)

  • في أوروبا
اليونان، ليتوانيا، بولندا، إيطاليا

  • في إفريقيا
سيشل (98%)، موريتانيا (76%)، أوغندا (61%)، موريشيوس (56%)، كينيا (55%) 

أزمة تتجاوز النفط


تكشف هذه الحرب مرة جديدة أن أمن الطاقة العالمي لا يزال مرتبطًا، إلى حد بعيد، باستقرار الخليج وحرية الملاحة في مضيق هرمز. فكل حديث عن تنويع المصادر أو تقليل الارتهان يبقى محدودًا حين يتعلق الأمر بممر يمر عبره ما يقارب 20 مليون برميل يوميًا من النفط والمنتجات النفطية، فضلًا عن حصة مؤثرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال.

ولهذا، فإن الخطر لا يكمن فقط في انقطاع الإمدادات، بل في انتقال الاضطراب بسرعة من الطاقة إلى الأسعار والتضخم والغذاء والنمو الاقتصادي.

تؤكد المعطيات أن أزمة الطاقة لعام 2026 ليست مجرد اضطراب عابر في الأسعار، بل هي إعادة صياغة قسرية لخارطة الاعتماد الاقتصادي العالمي.

وبينما تحاول القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين امتصاص الصدمة عبر مخزوناتها الاستراتيجية أو بدائلها المحلية، تبقى الدول النامية في آسيا وإفريقيا، وبعض الاقتصادات الأوروبية كاليونان وليتوانيا، هي الأكثر عرضة لتبعات التوقف الطويل للإمدادات.

لا يبدو السؤال اليوم ما إذا كان العالم سيتأثر بتوقف نفط الخليج، بل أي الدول ستدفع الثمن الأكبر أولًا، وأي الاقتصادات ستملك القدرة على الاحتمال، وأيها ستجد نفسها أمام أزمة طاقة تتحول سريعًا إلى أزمة معيشية كاملة.
تابع القراءة

المصادر

موقع التلفزيون العربي- ترجمات
المزيد من