في ظلّ حرب غزة المستمرة منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، يبرز بصورة دائمة مصطلح "حرب العصابات" الذي تعتمدُه حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) في مواجهتها مع إسرائيل.
فعليًا، فإن أسلوب هذه الحرب قديم جدًا، كما أنه كان أساسيًا في القتال خلال حرب فيتنام التي دارت بين الشيوعيين الفيتناميين من جهة، والولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى، واستمرّت 8 سنوات اعتبارًا من العام 1946 ولغاية العام 1954.
كذلك، كانت هذه الحرب معتمدة في بلدان أخرى، لا سيما في لبنان من قبل "حزب الله" الذي خاض معارك عديدة ضدّ إسرائيل، آخرها خلال عامَي 2023 و2024، وأيضًا خلال عام 2006، بالإضافة إلى معارك أخرى في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.
وتتفرّع عن حرب العصابات سلسلة من التكتيكات العسكرية، في حين أن التفاصيل المرتبطة بالعمليات التي تُخاض خلالها كثيرة. فما الذي نعرفه عن تاريخ هذه الحرب؟ وماذا تقول الدراسات عن تكتيكاتها وأساليبها؟ وبماذا تختلف عن الحروب التقليدية؟
حرب "الكرّ والفر"
يُعرّف الخبير العسكري والجنرال المتقاعد في الجيش اللبناني هشام جابر حرب العصابات بأنها الحرب التي تكون بين جيش نظامي من جهة، وجماعات مسلحة من جهة أخرى.
في حديثٍ إلى موقع "التلفزيون العربي"، يقول جابر إن حرب العصابات تقوم على "الكرّ والفرّ"، أي أنّ جماعة مسلحة تعمد إلى تنفيذ عملية عسكرية ضدّ جيش نظامي ثم تلوذ بالفرار والاختفاء. ويضيف: "في الواقع، تختلف حرب العصابات تمامًا عن الحرب الكلاسيكية، فالأولى تقوم على الكمائن والإغارة، بينما الثانية تقوم على هجمات الجيوش والقصف الجوي واستخدام المدرعات".
ويوضح جابر أنّ "حرب غزة أظهرت دليلًا حيًا وكبيرًا على ماهية حرب العصابات"، مشيرًا إلى أنه "في ظل هذه الحرب، يمكن لمجموعة مقاتلين إيقاف تقدّم رتل من الدبابات وإيقاع خسائر فيه، خصوصًا ضمن صفوف الجنود". ويضيف: "كذلك، فإن حرب العصابات تشهد قتالًا من مسافة صفر، وهنا لا تنفع بتاتًا الأسلحة الجبارة للجيوش النظامية مثل الطائرات وسلاحي المدفعية والمدرعات".
وعمليًا، فإن القتال من "مسافة صفر" يضع الجماعة المسلحة على تماس مباشر مع جنود الجيش النظامي. وعليه، فإن هذا الأمر يُصعّب على القوات النظامية استخدام أي وسيلة حربية لقصف الجماعة المسلحة القريبة من جنودها، إذ إن أي خطوة من هذا النوع ستؤدي إلى تضرر القوات الصديقة بشكل مباشر. وبذلك، يُعدّ قتال حرب العصابات من أصعب المواجهات العسكرية، لأنه ليس قتالًا كلاسيكيًا على الإطلاق.
كيف تطورت حرب العصابات؟
للتعمق في حرب العصابات، يجب التوقف عند تاريخها، حيث تُبيّن المراجع المعنية بالشؤون العسكرية أن مبادئ هذه الحرب قديمة جدًا.
وبحسب كتاب "الحرب.. ثلاث وثلاثون إستراتيجية"، فإن مبادئ حرب العصابات تمتدّ إلى آلاف السنين، حينما وجدت أمم صغيرة نفسها تتعرض لاجتياح جيران أقوى منها، ولكي تستمر في الحياة اضطرت جيوشها إلى الفرار من الغزاة، لأن أي اشتباك مباشر سيؤدي إلى دمارها.
يلفت الكتاب إلى أنّه كلما طال فرار تلك الجيوش الصغيرة مع تجنبها للمعارك، تمكنت أكثر من تدمير إستراتيجيات العدو وإرباكه عبر عدم الاستسلام لمنطق الاشتباك الاعتيادي.
الأمر الأبرز أنّ حرب تلك الجيوش الصغيرة تقوم على تشكيل مجموعات قتالية "صغيرة" أيضًا، حيث تمارس الانتشار بخلاف عدوها الضخم الذي يتخذ من نقاط واضحة تمركزًا له، بينما تواصل هذه المجموعات حركتها المستمرة.
أما السرّ الأهم فهو عامل الوقت، فكلما طال أمد حرب العصابات، تحوّل الزمن إلى سلاح هجومي يستنزف الجيش النظامي ويدمّر معنوياته. كذلك، إذا جرت هذه الحرب في مناطق ريفية مثلًا، يصبح الجيش النظامي مضطرًا إلى نشر قواته لمطاردة خلايا صغيرة، ما يجعله مكشوفًا أمام الغارات السريعة والضربات الموجعة. (1)
وعبر هذه الطريقة الممتدة لآلاف السنين، ومن خلال التجربة والخطأ، تطوّر فن حرب العصابات حتى وصل إلى شكله الحالي. مع ذلك، ظل الفكر العسكري التقليدي متمحورًا حول المعركة المباشرة والمناورة السريعة والنصر الحاسم، بينما خالفت حرب العصابات هذا النظام، وجعلت من الصعب على الجيوش النظامية تعديل عقيدتها لتلائم هذا النوع من المواجهات.
تاريخيًا، يعود مفهوم حرب العصابات إلى ما عُرف بـ"الانتفاضة الإسبانية" ضدّ الغزو النابليوني بين عامَي 1807 و1812. والتسمية الأجنبية "Guerrilla" هي بالأصل إسبانية وتعني "الحرب الصغيرة" أو "الجماعة الصغيرة المسلحة". (2)
خلال الغزو النابليوني، لجأ المواطنون الإسبان إلى الجبال والمناطق الوعرة، فأثّروا سلبًا على جيش نابليون وجعلوه غير قادر على الاستفادة من قدراته العسكرية، وكان الإرباك "سيّد الموقف" بسبب المعارك المتقطعة التي شنّتها المجموعات الصغيرة.
كما برزت مفاهيم حرب العصابات في تجربة ماو تسي تونغ (1893–1976)، الذي قاد تكتيكاتها ضد الاحتلال الياباني للصين بين 1937 و1945. وبحسب ماو، فإن "المرونة في القتال" هي جوهر هذه الحرب. فقد اعتمد على "تشكيلات الأنصار" المرتبطة بمجموعات مسلحة رديفة تؤازر الجيش الوطني، ويكمن دورها الأساسي في المباغتة لا في المعارك الحاسمة. وأكد على أنّه ينبغي للأنصار تفادي الاشتباك مع قوات متفوّقة، وإذا حدثت المواجهة فعليهم الانسحاب. (3)
وهكذا، يتضح أن حرب العصابات مؤثرة جدًا في مواجهة الجيوش النظامية. ومع تطور التكنولوجيا، خصوصًا في الأسلحة والمتفجرات، صار بإمكان المجموعات الصغيرة إلحاق أضرار كبيرة بالجيوش الضخمة.
الأساس في حرب العصابات هو الليونة والمرونة والهجمات الخاطفة، والقدرة على توجيه ضربات من زوايا متعددة. النموذج التنظيمي لهذه الحرب هو "الخلية"، وهي مجموعة صغيرة من المقاتلين، دورها الأساس يتمحور في القدرة على اختراق معسكر العدو وتنفيذ عمليات سريعة وفعّالة.
وتتحقق القدرة على كسب حرب العصابات من خلال طريقتين: الأولى زيادة مستوى الهجمات بحيث يتدهور العدو تدريجيًا وصولًا إلى القضاء عليه، والثانية جعل الإنهاك الذي يعيشه العدو يصبّ في مصلحة الجماعات المقاتلة. وبذلك، يستسلم الخصم نتيجة الاستنزاف، وتُعدّ هذه الطريقة أكثر فاعلية، لأنها أقل كلفة وتدفع العدو إلى السقوط في فخّ استمرارية المعركة.
شروط ثابتة.. كمائن وإغارة وسلاح خفيف
هناك شروط أساسية لا بد من مراعاتها في حرب العصابات، تتصل بالتكتيكات وساحات العمليات والأسلحة المستخدمة.
يقول كتاب "تكتيكات الحروب الحديثة: الأمن السيبراني والحروب المعززة والهجينة" إن حرب العصابات تعتمد على عنصر المباغتة في القتال ضد التشكيلات النظامية. عمليًا، يختار مقاتلو العصابات ظروفًا لا تكون ملائمة للجيوش النظامية، وينفذون معارك صغيرة محدودة الأهداف، لكن نتائجها استراتيجية. والأهم أنهم يحددون مكان المعركة وزمانها، ما يمنحهم عنصر المفاجأة ويكبّد خصمهم خسائر موجعة. (4)
ويُعتبر مكان الاشتباك عاملًا حاسمًا، إذ يُستغلّ لدعم عنصر المباغتة والسرعة والحسم، إضافة إلى تأمين الحماية للمقاتلين وتقييد حرية العدو. فالكمين يقوم على انتظار الخصم عند نقطة محددة والانقضاض عليه وإبقائه مكشوفًا للنيران أطول فترة ممكنة. أما "الإغارة"، فهي الهجوم المباغت على مواقع العدو داخل خطوطه.
كذلك، يُعدّ توقيت الاشتباك أساسيًا. وغالبًا ما تُنفذ العمليات ليلًا للاستفادة من الظلام، أو في أوقات يكون فيها العدو في أقصى حالات التعب. أما التسليح، فلا يخضع لمعايير موحّدة، لكنه يعتمد بصورة رئيسية على الأسلحة الخفيفة وكميات كبيرة من الذخيرة: بنادق رشاشة، صواريخ محمولة مضادة للدروع، مدافع متوسطة للتغطية النارية، قنابل يدوية، ألغام مضادة للأفراد والآليات، وأسلحة بيضاء كالسكاكين.
ويُسبق أي هجوم بعمليات استطلاع ورصد وتجسس لدراسة تحركات الجيش المعادي وتخريب اتصالاته. وقد تُزرع عبوات ناسفة مسبقًا، أو يُنفذ هجوم فوري على نسق الكمين. وتشمل أدوات الحرب أيضًا عمليات الخطف والأسر والاغتيال، التي تؤدي إلى إرباك العدو وزعزعة استقراره النفسي والميداني.
بذلك، فإن حرب العصابات هجومية بطبيعتها، غايتها إرباك القوات المعادية وخفض معنوياتها. وهي تعتمد على الابتكار، السرعة، والمناورة في التسلل والانسحاب. (5)
الإعلام والشعب.. أساس في حرب العصابات
تتسم حرب العصابات بأن قادتها يجمعون بين القيادة العسكرية والسياسية. وهنا يلعب الإعلام دورًا محوريًا، إذ يُستخدم كأداة لتوثيق العمليات ونشرها قبلها وأثناءها وبعدها، وأيضًا كسلاح في الحرب النفسية والدعائية لكسب الأنصار والموارد.
وتُعتبر تجربة حركة "حماس" في غزة مثالًا بارزًا. فعلى الرغم من شدة الحرب الإسرائيلية، نجحت الحركة في توثيق عملياتها عبر "الإعلام العسكري"، ما أتاح لها إثبات استمرار المقاومة ميدانيًا والتأثير على الرأي العام وتعزيز تعاطف الجمهور. وفي المقابل، شكّل ذلك ضغطًا نفسيًا على الجيش الإسرائيلي، الذي بدا وكأنه يواجه خصمًا حاضرًا في الميدان والإعلام معًا.
غير أنّ حرب العصابات لا يمكن أن تقوم من دون حاضنة شعبية. ووفقًا لكتاب "تكتيكات الحروب الحديثَة الأمن السيبراني والحروب المعززة والهجينة"، فإنّ التأييد الشعبي يمثل حليفاً رئيسياً للجماعة التي تخوض حرب العصابات، فهذه الجماعة بحاجة إلى "المساندة الشعبية" كي تنجح في هذه الحروب.
وعليه، فإنّ التأييد الشعبي هو الركيزة الأساسية لنجاح حرب العصابات، إذ يمنح المقاتلين بيئة آمنة للتخفي والدعم اللوجستي والمعلومات. وكلما اتسعت القاعدة الشعبية، ازدادت قدرة الجماعة على الصمود وتنفيذ عملياتها.
ما علاقة الإنترنت بـ"حرب العصابات"؟
في القرن الحادي والعشرين، يُرجّح أن تظل حرب العصابات سمة بارزة في الصراعات الدولية. يعود ذلك إلى سهولة حصول الجماعات غير النظامية على أسلحة خفيفة ومتفجرات، إضافة إلى انتشار مناطق خارجة عن سلطة الدول، ما يوفر بيئة خصبة لازدهار هذا النوع من الحروب.
ويلعب الإنترنت دورًا كبيرًا في تحديث أدوات حرب العصابات. يوضح كتاب "Guerilla War Facts" أنّ هذه الجماعات قد تفتقر إلى موارد متقدمة لتطوير قدرات إلكترونية متطورة، لكنها تستفيد من أدوات متاحة على نطاق واسع لتحقيق أهدافها. فقد أصبحت الحرب الإلكترونية جزءًا لا يتجزأ من تكتيكاتها: إنشاء هويات افتراضية، بناء مجتمعات مؤيدة عبر الشبكات الاجتماعية، بث الدعاية واستقطاب المجندين، فضلًا عن تنفيذ هجمات إلكترونية لتعطيل البنية التحتية وسرقة معلومات حساسة أو نشر أخبار مضللة.
كما استُبدلت وسائل الدعاية التقليدية، مثل المنشورات أو الإذاعات السرية، بحملات إلكترونية موجهة لفئات محددة. وباتت الطائرات من دون طيار عنصرًا محوريًا في المراقبة والاستطلاع، بل وأداة هجومية منخفضة الكلفة وسهلة التشغيل، مع قدرة عالية على التخفّي وتجنّب الرصد. (6)