من غزة إلى كوتشي ولبنان، كيف أصبحت الأنفاق سلاحًا يربك جيوشًا تتفوق في السماء وفوق الأرض؟
في 25 يونيو/ حزيران 2006، نفذت المقاومة الفلسطينية عملية نوعية انطلقت من نفق قرب حدود قطاع غزة، شارك فيها سبعة مقاتلين احتاجوا نحو نصف ساعة لعبور ممر تحت الأرض قبل الوصول إلى نقطة تجهيز خارج القطاع.
كان الهدف موقع كرم أبو سالم العسكري الإسرائيلي، حيث استهدف المقاتلون برجًا عسكريًا وناقلة جند ودبابة من طراز "ميركافا".
بعد تحييد الدبابة، اعتلى مقاتلان سطحها وأطلقا النار والقنابل على من بداخلها، ما أدى إلى مقتل قائدها وجندي آخر، قبل أن يخرج جندي ثالث مستسلمًا. وبأمر من القيادة، تم أسر الجندي وعاد المقاتلون به إلى قطاع غزة عبر السياج الحدودي.
فيديو.. شاهد حلقة "ترسانة" كاملة
ترسانة │ الموسم الثاني
من ممر بطول 450 مترًا إلى شبكة واسعة
استغرق حفر النفق المستخدم في عملية كرم أبو سالم قرابة عام، بحسب رواية أحد منفذيها للتلفزيون العربي. وبلغ طول الممر نحو 450 مترًا، فيما وصل عمقه إلى قرابة تسعة أمتار. وعلى الرغم من بساطة تصميمه مقارنة بما ظهر لاحقًا، فإنه شكّل نموذجًا مبكرًا لمنظومة ستتوسع وتتفرع على مدى السنوات التالية.
ترجع جذور الأنفاق في قطاع غزة إلى ممرات التهريب على الحدود المصرية، التي استخدمها السكان لنقل السلع والحفاظ على الصلات بين جانبي الحدود. واستفادت الفصائل لاحقًا من هذه الممرات لنقل الأسلحة والذخائر، قبل أن تبدأ حفر أنفاق مخصصة للعمليات العسكرية.
عقب انسحاب الجيش الإسرائيلي من داخل القطاع عام 2005 وسيطرة حركة حماس على الحكم عام 2007، ظل الحصار والمراقبة الجوية يحدان من حركة الفصائل فوق الأرض. لذلك انتقل جزء متزايد من بنيتها العسكرية إلى باطنها، حيث يمكن إخفاء المقاتلين والعتاد وتقليص فرص رصد التحركات.
وبحسب تقديرات ومعلومات إسرائيلية، تطورت شبكة الأنفاق خلال نحو عقدين إلى منظومة واسعة تمتد لمئات الكيلومترات، وتوجد بعض أجزائها على أعماق كبيرة، لكن الحجم الحقيقي للشبكة ظل محاطًا بالغموض، في ظل محدودية المعلومات المتاحة عنها.
خلال حرب عام 2014، نفذت الفصائل عدة عمليات تسلل داخل القطاع وعبر حدوده باستخدام أنفاق هجومية، ثم انسحب المقاتلون عبر المسارات نفسها. وكشفت المواجهات عن ممرات متفرعة تضم غرف قيادة ومخازن ومرافق إسعاف وأنظمة للتهوية والإضاءة والاتصالات.
لم تعد الأنفاق، مع هذا التطور، طريقًا سريًا للعبور فقط. فبعضها خُصص للهجوم، وبعضها للإمداد ونقل الذخيرة والمؤن، فيما ربطت ممرات أخرى بمواقع إطلاق صواريخ. أما الأنفاق الدفاعية داخل القطاع، فتسمح للمقاتلين بالانتقال بين نقاط الاشتباك أو الظهور خلف القوات المتقدمة.
لماذا أصبحت أنفاق غزة سلاحًا استراتيجيًا؟
تبلغ مساحة قطاع غزة نحو 365 كيلومترًا مربعًا، وتغلب على تضاريسه الطبيعة المنبسطة. ولا توفر هذه البيئة غطاءً طبيعيًا واسعًا يمكن الاعتماد عليه لإخفاء المقاتلين أو مخازن السلاح عن الطائرات ووسائل الاستطلاع.
أنشأت الأنفاق ميدانًا موازيًا تحت الأرض، يستطيع المقاتل عبره اختيار وقت ظهوره ومكانه، فيما يضطر خصمه إلى مراقبة السطح وما تحته معًا. وتتحول كل عين نفق محتملة إلى مصدر تهديد، حتى عندما لا يُستخدم الممر في القتال مباشرة.
تمنح الشبكات المتفرعة الطرف الأقل تسليحًا أيضًا قدرة على توزيع قواته وعتاده بدل جمعها في مواقع ظاهرة، كما تسمح له بتغيير المسارات إذا دُمر مدخل أو عُزل مقطع. وتزيد الأبواب المضادة للانفجار والممرات البديلة صعوبة انتقال النار أو المياه أو موجات الضغط بين أجزاء النفق.
لا تلغي الأنفاق التفوق الجوي أو الناري، لكنها تقلص أثره في الأجزاء الأعمق منها، وتجبر الجيش المتقدم على خوض عمليات بطيئة تتطلب وحدات هندسية ومعدات متخصصة. أما قدرتها على إظهار المقاتلين ثم إخفائهم سريعًا، فتضيف إلى أثرها العسكري ضغطًا نفسيًا قائمًا على الحيرة وصعوبة تحديد اتجاه الخطر.
كوتشي.. العالم السفلي الذي واجه أميركا
سبقت فيتنام تجربة غزة بعقود. فقد بدأت المجموعات الفيتنامية حفر الأنفاق خلال قتالها ضد الاستعمار الفرنسي، ثم توسعت الشبكات خلال الحرب ضد الولايات المتحدة وحلفائها.
كانت أنفاق كوتشي من أبرز هذه المنشآت. ووفق سلاح المهندسين في الجيش الأميركي، ضمت الشبكة نحو 130 ميلًا من الممرات، واحتوت بعض مجمعاتها على طبقات متعددة ومستودعات ذخيرة ومستشفيات ومطابخ ومرافق للنوم والاجتماعات والتخزين.
استخدم مقاتلو "فيت كونغ" هذه الممرات لتنفيذ الكمائن ثم الاختفاء، مستفيدين من ضيق المداخل ومعرفتهم الدقيقة بتفرعات الشبكة. وساعدت فتحات التهوية المموهة والمداخل المخفية على جعل اكتشاف المنشآت ورسم مساراتها مهمة شديدة الصعوبة.
جربت القوات الأميركية الغاز والدخان والمتفجرات، واستعانت بجنود متخصصين عُرفوا باسم "فئران الأنفاق". كان هؤلاء يدخلون الممرات الضيقة حاملين عادة مسدسًا ومصباحًا وسكينًا، وسط احتمال مواجهة مقاتلين أو أفخاخ متفجرة أو حيوانات سامة عند أي منعطف.
نجحت هذه الوحدات أحيانًا في كشف أنفاق أو تعطيل استخدامها، لكنها لم تقض على المنظومة كلها. ولم تحسم الأنفاق حرب فيتنام وحدها، إلا أنها ساعدت المقاتلين على البقاء والمناورة وحرمت القوات الأميركية من تحويل تفوقها التكنولوجي إلى سيطرة كاملة على الأرض.
أنفاق حزب الله.. الحفر في الصخر
اتخذت تجربة الأنفاق في لبنان شكلًا مختلفًا. فالتربة الرملية في غزة تسهّل الحفر نسبيًا، لكنها تحتاج إلى تدعيم خرساني واسع، بينما يتطلب شق الممرات في صخور جنوب لبنان معدات أثقل ووقتًا أطول، ويمنح المنشآت الناتجة قدرًا أكبر من الصلابة.
خلال حرب عام 2006، فوجئت وحدات إسرائيلية في بعض معارك الجنوب بمنشآت محصنة وممرات تحت الأرض أكثر تجهيزًا مما توقعته. وتحول كشف هذه المنشآت وتدميرها خلال السنوات اللاحقة إلى هدف ثابت في الخطط الإسرائيلية.
فقد أعلنت إسرائيل في عملية "درع الشمال"، التي بدأت أواخر عام 2018، العثور على عدد من الأنفاق الممتدة من لبنان عبر الحدود. وتبقى هذه الأنفاق العابرة للحدود مختلفة عن الشبكات الداخلية الأوسع التي تستخدم للإخفاء والتخزين والقيادة والتنقل بين المواقع.
وفي أغسطس/ آب 2024، نشر حزب الله مشاهد لمنشأة سماها "عماد 4"، ظهرت فيها شاحنات تحمل راجمات صواريخ وهي تتحرك داخل ممرات صخرية واسعة. وأتبعها في نوفمبر/ تشرين الثاني بمشاهد منشأة "عماد 5". ولم يتسن التحقق مستقلًا من مواقع المنشأتين أو حجمهما الكامل، إلا أن اللقطات أظهرت قدرة الممرات على استيعاب مركبات وعتاد ثقيل.
وخلال الحرب في لبنان عام 2024، أعلن الجيش الإسرائيلي العثور على فتحات ومنشآت تحت الأرض في عدد من قرى الجنوب وتدمير أجزاء منها. ومع ذلك، بقيت معرفة الحجم الإجمالي للشبكة وقدرتها على العمل بعد الضربات محدودة، لأن العثور على مداخل متفرقة لا يقدم بالضرورة خريطة كاملة لما يوجد خلفها.
كيف حاولت إسرائيل كشف أنفاق غزة؟
أنشأت إسرائيل عام 2021 حاجزًا أمنيًا بطول 65 كيلومترًا حول قطاع غزة، يتضمن جدارًا خرسانيًا تحت الأرض وسياجًا ذكيًا يزيد ارتفاعه على ستة أمتار ومئات الكاميرات والرادارات وأجهزة الاستشعار. ولم تعلن وزارة الدفاع الإسرائيلية عمق الجزء المدفون من الحاجز، وفق رويترز.
استخدم الجيش الإسرائيلي كذلك رادارات اختراق الأرض وأجهزة التقاط الاهتزازات والأصوات، إضافة إلى وسائل استشعار زلزالية. وتفيد هذه التقنيات في رصد الحفر أو الفراغات القريبة، إلا أن فاعليتها تتراجع مع زيادة العمق أو اختلاف طبيعة التربة، كما يصعب عليها اكتشاف شبكة مكتملة لا تجري داخلها أعمال حفر.
تتولى وحدة "ياهالوم" التابعة لسلاح الهندسة القتالية مهام اكتشاف الأنفاق وتأمينها ورسم مساراتها وتدميرها. وتعتمد الوحدة على روبوتات وكلاب مدربة ووسائل تحكم عن بعد لتقليل الحاجة إلى دخول الجنود، بسبب احتمال وجود عبوات وعيون مفخخة وكمائن داخل الممرات.
لماذا لا يكفي قصف النفق؟
استخدمت إسرائيل القصف الجوي والذخائر الخارقة للتحصينات لضرب الأنفاق، لكن انفجارًا يصل إلى نقطة محددة لا يدمر بالضرورة ممرًا طويلًا ومتفرعًا. وقد يعطل انهيار أحد المقاطع الحركة مؤقتًا، فيما تبقى أجزاء أخرى قابلة للاستخدام عبر مداخل ومسارات بديلة.
لجأت القوات البرية إلى تفخيخ بعض الممرات وملء أخرى بالخرسانة أو إغلاق فتحاتها بمواد تتمدد وتتصلب. وتنجح هذه الوسائل في تحييد نفق بعينه بعد العثور عليه، لكنها تستهلك وقتًا وكميات كبيرة من المواد، ولا تقدم حلًا لشبكة لم تُعرف حدودها بعد.
أكد الجيش الإسرائيلي في يناير/ كانون الثاني 2024 أنه ضخ المياه في أنفاق مختارة داخل غزة. غير أن العملية لا تعني إمكان إغراق الشبكة كلها دفعة واحدة، بسبب اختلاف مستويات الممرات وتسرب المياه ووجود أبواب تفصل أجزاءها. وأثار استخدام مياه البحر تحذيرات علمية من تلويث التربة وخزان المياه الجوفية في القطاع.
تبدأ المعضلة، في جميع هذه الحالات، قبل اختيار وسيلة التدمير. فلا يمكن تحييد نفق لم يُكتشف مدخله، ولا يكفي العثور على فتحة لمعرفة طول الممر أو عدد تفرعاته أو اتصاله بمنشآت أخرى.
هل يمكن حسم حرب الأنفاق؟
ليست الأنفاق حصانة مطلقة؛ إذ يمكن كشف ممرات وتدميرها وعزل أجزاء واسعة من الشبكات. لكنها تجعل تحقيق هذا الهدف أبطأ وأعلى كلفة، وتفرض على الجيوش المتفوقة تخصيص قوات ومعدات ووقت طويل لملاحقة بنية يصعب رؤيتها من السطح.
تكشف تجارب غزة وكوتشي ولبنان أن القيمة الأساسية للأنفاق لا تكمن في الممر الخرساني أو الصخري وحده، وإنما في النظام الذي تنشئه: مداخل متعددة، ومسارات بديلة، ومخازن، ونقاط قيادة، وقدرة على الحركة بعيدًا عن أعين الاستطلاع.
لهذا لا تُحسم حرب الأنفاق بقنبلة أشد قوة أو جدار أعمق فقط. فالمعركة الحقيقية تدور حول جمع المعلومات ورسم الشبكة ومنعها من إعادة إنتاج نفسها، فيما يستخدم الطرف الأقل تسليحًا الأرض والوقت والمفاجأة لتقليص الفارق مع خصم يتفوق عليه في السماء وفوق الأرض.