لم تكن الحرب على غزة حربًا على البشر وحدهم. في قلب حرب الإبادة الجماعية، تبدو الاستهدافات وكأنها تتقصّد ما هو أبعد من الخرائط والطرقات: الذاكرة والهوية الفلسطينية نفسها، عبر تدمير المعالم الأثرية والثقافية.
فحين تُقصف مواقع عمرها قرون، مثل المسجد العمري وكنيسة القديس برفيريوس، وقصر الباشا وحمّام السمرة وسوق الذهب، لايُدمَّر الحجر فقط، بل تُصاب السردية التي تقول إن لهذا المكان أهلًا وجذورًا وتاريخًا حيًّا.
في غزة القديمة، يختلط الديني بالمدني، والطقسي باليومي؛ صلاة الجمعة تفتح الطريق إلى سوق الزاوية، وقدّاس السبت يمرّ من الحارات ذاتها، فيما تظل البلدة القديمة مساحةً مشتركة لا تعترف بالفواصل التي يفرضها الاحتلال. من هنا، يقرأ كثيرون استهداف الآثار الإسلامية والمسيحية معًا بوصفه محاولة منظمة لقطع خيط الانتماء:
استهداف "شخصي" للروح
يعتبر الكاتب والمفكّر أحمد أبو رتيمة أن ضرب الأماكن القديمة في غزة ليس تفصيلًا عابرًا، بل استهداف شخصي له، "لروحه ولجوهره".
يحب الرجل الجدران العتيقة والحارات الضيقة لأنها تمنحه "أُنسًا روحيًا"، ويشعر داخلها بالعراقة والامتداد والجذور، كما يقول في حديث إلى فريق برنامج "كنت هناك" عبر التلفزيون العربي.
برأي أبو رتيمة، فإنّ استهداف الآثار هو استهدافٌ لجزءٍ من الذات، لا يختلف، في معناه العميق، عن استهداف البيت الذي يمنح الإنسان سكينة واستقرارًا.
ويشرح أن خسارات الحرب الشخصية، على فداحتها، لم تُلغِ حزنه على تدمير الآثار؛ فالأثر بالنسبة إليه ليس مبنى فحسب، بل إعلان وجودٍ ممتد في الأرض عبر أجيال، وقطع هذا الامتداد يشبه اقتلاع المعنى من المكان.
"هذه الجدران العتيقة، وهذه الحارات الضيقة كنز ينبغي الحفاظ عليه وعدم التفريط فيه"
البلدة القديمة: حين ينهار "المشترك"
قبل الحرب، كان المصوّر الصحافي عمر القطاع يوثّق الطقوس الدينية في كنيسة القديس برفيريوس، والمناسبات التي كانت تُقام في المسجد العمري، كما اعتاد تصوير الزيارات المدرسية إلى قصر الباشا وحمّام السمرة.
اليوم، تتبدّل مهمته إلى توثيق الغياب: كيف تتحوّل مواقع كانت تضج بالحياة إلى ركام، وكيف ينهار "المشترك" الذي كانت البلدة القديمة تمثّله لأهلها.
ويرى أبو عيسى شبلاق، أحد سكان البلدة القديمة، أن الاحتلال لا يستهدف الماضي وحده، بل "يحاول طمس الحاضر والمستقبل"، عبر محو الجذور التي تربط الناس بالأرض.
ومن باحة المسجد العمري المدمّر، يستعيد تاريخ المكان بوصفه سلسلة طبقات حضارية: قواعد كنعانية، أعمدة رومانية وبيزنطية، ثم قباب وإيوانات وزوايا إسلامية. في نظره، ليست هذه مفردات أثرية جامدة، بل "سيرة مدينة" كاملة.
"الاحتلال يسعى لطمس حاضرِنا ومستقبلنا، ويُحاول محونا، ومحو جذورنا في الأرض"
قصر الباشا وحمّام السمرة: ذاكرة المدينة اليومية
في سرد أهل غزة، لا تُذكر الآثار كعناوين سياحية، بل كجزء من الإيقاع اليومي.
قصر الباشا، الذي يعود بناؤه إلى العهد المملوكي في زمن الظاهر بيبرس عام 1260، ظلّ شاهدًا على تحوّلات السلطة في المدينة، وصولًا إلى مراحل لاحقة اتخذ خلالها وظائف إدارية. ومثله، حمّام السمرة ليس أثرًا صامتًا في الذاكرة الشعبية، بل مساحة اجتماعية وملمح من ملامح "غزة التي كانت".
القراءة التي يطرحها الكاتب والمفكّر أحمد أبو رتيمة تُحمّل هذا الاستهداف معنى سياسيًا وأخلاقيًا أيضًا: الاحتلال، الذي يُسوّق لنفسه ضمن خطاب "العالم الحر"، يمارس في الوقت نفسه أفعالًا "بدائية ووحشية" حين يتعامل مع الإرث الإنساني كهدفٍ مشروع.
ويعتبر أن تدمير الآثار في غزة فعلٌ مقصودٌ ومنهجي، في قراءة تبدو متناغمة مع إحصاءات اليونسكو والمؤسسات الدولية، التي تشير إلى تدمير عشرات المواقع الأثرية في غزة بشكلٍ كامل أو جزئي.
أما الأستاذ الجامعي أكرم الطاهر فيذهب أبعد في توصيفه، إذ يرى أن التدمير أصبح "ممنهجًا لإبادة أي ارتباط بالأرض وتجذّرٍ فيها" لدى المسلمين والمسيحيين معًا، لأن كليهما "من أهل هذه الأرض".
ويشير إلى أن مسجد السيد هاشم ظلّ من القلائل الذين بقوا قائمين في البلدة القديمة، لكنه تضرّر جزئيًا ويحتاج إلى ترميم، ما يعكس حجم الخسارة حتى في "الباقي"، على حدّ وصفه
المسجد العمري: حجرٌ يعلّم الذاكرة
عند دخول المسجد العمري بعد الدمار، اصطدم عمر القطاع بما يصفه بـ"الفراغ الثقيل": مكانٌ كان من أقدس وأهم معالم غزة وفلسطين، يتحوّل إلى كومة من الركام.
لا يكتفي المصوّر الصحافي بوصف الدمار، بل يلتقط أثره النفسي: الذكريات عن الصلاة وشهر رمضان والمناسبات الدينية تتزاحم مع مشهد الخراب.
"كنَّا نأتي إلى هذا المكان بشكلٍ شبه يومي. لكن أن تزوره اليوم فتجده وقد أصبح كومةً من الحجارة والركام أمر محزن جدًا".
بدوره، يربط شبلاق المسجد العمري بطفولة كاملة، إذ "كان مدرسة لتعليم القرآن والأحاديث النبوية في صغرنا وشبابنا، وساحته مسرحًا للعب ونحن أطفال".
ويشدد على أن الذاكرة لا تُهدم بسهولة، لكنه يخشى أن يكون الهدف النهائي هو قطع هذا الارتباط. ويقول إنه يريد أن يشرح لحفيده يومًا أن صورةً ما التُقطت "هنا" قبل أن تُمحى المعالم.
"أريد أن أشرح لحفيدي يومًا ما أنّ هذه الصورة التُقطت في هذا المكان أو ذاك قبل أن يُدمّرها اليهود فقط من أجل قطع ارتباطنا بهذا المكان".
ويقرأ نضال أبو وطفة، المختص في ترميم الآثار، تكرار استهداف المسجد العمري بوصفه محاولة لاقتلاع المسجد من التاريخ، لا من الجغرافيا فقط، عبر طمس التراث الذي يعرف الاحتلال أنه يشكّل أحد مفاتيح الهوية لدى الغزيّين.
ويضيف أنّ حجم الدمار في الحروب السابقة مقارنة بالدمار في هذه الحرب، "يؤكد مدى أهمية هذا المسجد التاريخية ومدى معرفة العدو بهذه القيمة عندنا، ومحاولته طمس الهوية والتراث والذاكرة لدى الشعب الفلسطيني".
كنيسة القديس برفيريوس: ملجأٌ قبل أن تكون معلمًا
قبل الحرب، كانت كنيسة القديس برفوريوس مكان عبادة للطائفة المسيحية، ثم تحوّلت خلال الحرب إلى ملجأ يجمع العبادة والسكن والماء.. ويستقبل المسيحيين والمسلمين معًا.
لكنّ الكنيسة تعرَّضت في 19 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، لقصفٍ مباشر أدّى إلى تدمير مبنىً كاملٍ فيها، كما تعرّضت لقصف مرة أخرى في 26 يوليو/ تموز، أدّى إلى تدمير الجدران العلوية وغرفة الطعام فيها، ما أضاف طبقة جديدة على معنى "تدمير المعلم": ليس موقعًا تاريخيًا فقط، بل مساحة أمان اضطر الناس إلى الاحتماء بها.
عمر القطاع يستعيد هنا ذاكرة العلاقة بين الناس داخل البلدة القديمة، ويؤكد أن الاحتلال "لا يفرّق بين مسلم ومسيحي"، فيما كان أهل المكان يرون أنفسهم "أبناء شعب واحد" تتقاسم قلوبه المكان ذاته.
"نحن أبناء شعبٍ واحد، قلوبُنا واحدة، كنَّا نتعرَّض لاحتلال واحد، وجيش الاحتلال لا يُفرِّق بين مسلم ومسيحي".
في المقابل، يصف الأستاذ الجامعي أكرم الطاهر، الذي بقي في البلدة القديمة، كيف ظلّ الناس، رغم التشتّت، يحاولون الحفاظ على طقوسهم: المسلمون يقصدون المساجد يوم الجمعة، والمسيحيون يزورون الكنائس يوم السبت، ثم يجتمعون في الأسواق ذاتها قبل أن يعودوا إلى أحيائهم.
هذه التفاصيل الصغيرة هي ما يجعل ضرب المعالم ضربًا لشبكة الحياة، لا لتاريخٍ بعيد.
متحف القرارة: إنقاذ ما يمكن إنقاذه
بعيدًا عن البلدة القديمة، تحضر حكاية متحف القرارة بوصفها مثالًا على مقاومةٍ من نوع آخر: مقاومة النسيان.
فالمتحف الذي يقع في شارع 2 شرق مدينة صلاح الدين، أسّسته نجلاء أبو نحلة مع زوجها محمد أبو لَحْيَة. وقد بدأ عام 2016 ببازار صغير في منزلهم من مقتنيات قليلة، لترجمة شغفهما وحبّهما لهذه الآثار.
وعندما ازداد عدد القطع الأثرية، قرَّرا في عام 2017 نقل هذه الآثار إلى مكان يليق بها، ويرمز إلى روح البيت الفلسطيني القديم. ووجد الزوجان "بايكة" قديمة تعود لعائلة الآغا، ورمّماها لتستقبل المقتنيات التراثية والأثرية، وكذلك الزوّار.
مع بداية حرب 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، يطغى الارتباك: ماذا يُفعل بالقطع؟ كيف تُحمى تحت الطيران؟ فكرة الإخفاء تحت أرض "البايكة" تبدو ممكنة، لكنها تصطدم بخطورة اللحظة. ثم تأتي لحظة المغادرة في ديسمبر/ كانون الأول 2023، ويبقى مصير المتحف معلّقًا لأشهر.
"فكّرنا باخفاء القطع تحت أرض البايكة، لكنّ وجود الطيران فوق رؤوسنا، صعّب علينا الأمور".
حين تقترب أبو نحلة وفريقها من المكان لاحقًا، يصبح الإنقاذ مخاطرة محسوبة: إخراج ما يمكن، وإخفاء ما يمكن، ثم العودة مرة ثانية لإنقاذ ما تبقى، على وقع دمار كبير وتجريفٍ طال جزءًا من الموقع وتخريبٍ وسرقات.
ورغم ذلك، تتمسك بفكرة الترميم، وتؤكد أن القطع المتضررة ستخضع لإصلاحٍ قدر الإمكان.
الترميم.. معركة ثانية ضد التشويه
هنا تبرز معضلة ما بعد التدمير: هل يمكن إعادة ما كُسر؟
-
أبو رتيمة يؤكد أن قيمة الآثار لا تكمن في "إمكانية إعادة بنائها" فقط، بل في أنها غير قابلة للتعويض.
-
أبو وطفة يلفت إلى أن الترميم ليس مجرد "بناء جدار وباب"، بل عملية تتطلب خطة هندسية وفنية دقيقة.
-
أبو نحلة ترى أن صعوبة الترميم في غزة مضاعفة بسبب نقص المواد والإمكانات، لكن الإرادة موجودة.
-
الطاهر يلخصها بوضوح: يمكن إعادة بناء البيت المهدّم، لكن "ليس الأمر مماثلًا" حين يتعلق بالأساس والتاريخ والحضارة.
حين تُستهدف الحجارة.. تُستهدف الرواية
مقاومةٌ تُعيد تعريف معنى "البقاء": أن تظل قادرًا على تسمية المكان… حتى حين يحاولون محوه.