حريق مدينة الكوت يتفاعل في العراق.. شهادات صادمة وغضب عارم
تبذل السلطات العراقية جهودًا مكثفة للتعرف على هوية جثث متفحمة انتُشلت يوم أمس من تحت أنقاض مركز "كورنيش هايبرماركت" التجاري، في مدينة الكوت، بعد الحريق المروّع الذي اندلع مساء الأربعاء وأودى بحياة ما لا يقل عن 63 شخصًا.
وبينما أعلنت وزارة الداخلية أن 18 جثة لا تزال غير معروفة الهوية بسبب شدة الحروق، وستُخضع لفحوص الحمض النووي، يسود غضب عارم بصفوف الشارع المحلي بعد تكرر الحرائق التي أودت بأرواح مئات الأشخاص خلال السنوات الأخيرة.
شهادات صادمة عن حريق الكوت
وكانت صحيفة واشنطن بوست الأميركية قد نقلت شهادات ميدانية من موقع الحريق سلطت الضوء على قدر من الإهمال، وانعدام أبسط مقومات السلامة.
ومن بين الشهادات، ما قاله الحاج حسين علي، وهو صاحب رافعة خرسانية ضخمة استُدعيت في اللحظات الأخيرة لإنقاذ العالقين.
وتحدّث حسين بحرقة وهو يسترجع لحظة وصوله مع ابنه: "الرافعة كانت تبعد حوالي 3 كيلومترات عن مكان الحريق، وعندما عجزت فرق الدفاع المدني عن الوصول إلى الأشخاص المحاصرين على سطح المبنى، هرعنا بها بأنفسنا، وتمكنا من إنقاذ أكثر من 40 شخصًا. لكن شعور العجز ما يزال يلاحقنا".
وأضاف حسين لواشنطن بوست: "كنا نريد إنقاذ الجميع، لكنهم ماتوا اختناقًا. الدفاع المدني لم يكن يملك سلّمًا طويلًا، ولا معدات حديثة. مولداتهم كانت تُسحب يدويًا، وأدواتهم لا تُستخدم في بلد مثل العراق بل في مسرحية مدرسية".
وعن المبنى، قال: "رأيت السلم المؤدي إلى السطح، كان مجرد قطعة ديكور. أي وزن إضافي كفيل بانهياره. لا مخرج طوارئ، لا أجهزة إنذار. الدرج مغلق ومكدّس بالبضائع وكأنه مستودع".
مهندس مدني من محافظة واسط يُدعى محمد علي، قال للصحيفة نفسها: إن هذه الكارثة "فضحت منظومة السلامة في مشاريع الاستثمار، وكيف تمنح التراخيص لمبانٍ بهذا الحجم دون وجود سلالم إخلاء أو أنظمة إنذار. وكيف تم منح الإذن بتحويل مبنى إلى مول من خمسة طوابق وفيه مطعم؟".
ولفت المهندس العراقي إلى أن المشروع لم يكن يحمل بنية تحتية تؤهله لأي استخدام عام.
في شهادة أخرى لا تقل أهمية، نقلت صحيفة "واشنطن بوست" عن مسؤول في الدفاع المدني، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته، أن مصدر الحريق كان جهاز تكييف هوائي اشتعل في محل للعطور، ما أدى إلى انفجار داخلي سريع ونقل ألسنة اللهب إلى بقية الطوابق.
وأكد المسؤول أن غياب مخارج الطوارئ واستخدام مواد تغليف بلاستيكية رخيصة وسريعة الاشتعال أديا إلى تعقيد عمليات الإخلاء، ورفعا عدد الضحايا.
شهادة أخرى نقلتها الصحيفة عن مسؤول محلي في المحافظة، أكد فيها أن المبنى كان في الأصل مطعمًا قد أُغلق سابقًا لمخالفته شروط السلامة، قبل أن يُعاد افتتاحه من دون تراخيص قانونية كمركز تجاري متعدد الطوابق.
وأضاف أن الجهات الرسمية لم تتمكن حتى اللحظة من توضيح كيف مُنح مثل هذا المشروع إذنًا بالعمل، وخصوصًا أنه خالٍ من أبسط البنى التحتية الوقائية.
زيارة السوداني
في الميدان، وبينما كانت الجرافات ترفع بقايا محترقة وفرق الإنقاذ تبحث في الزوايا الخلفية، كانت العائلات تتجمع أمام مستشفى الكوت، بانتظار أخبار عن أبنائها أو قطعة من ثياب تُعيد إليهم شيئًا من ذاكرة مفقودة.
محافظ واسط محمد الميّاحي أعلن رفع دعاوى قضائية ضد مالك المبنى وصاحب المركز، كاشفًا في مؤتمر صحافي أن ابن مالك المركز التجاري وعددًا من أفراد أسرته كانوا من بين الضحايا.
وأعلن المجلس المحلي تعليق عمل مدير بلدية الكوت ومدير السلامة المهنية، وتشكيل لجان للتحقيق في شروط البناء والسلامة.
أما رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، فزار موقع الحادث أمس ووصف ما جرى بأنه نتيجة "الإهمال والتساهل من قبل أصحاب المشاريع"، معتبرًا الكارثة "جريمة أقرب إلى القتل العمد والفساد"، وأمر بتعويض أسر الضحايا ماديًا، معلنًا الحداد لثلاثة أيام.
وأعادت الكارثة إلى الأذهان الذاكرة لسلسلة من الحرائق المأساوية التي شهدها العراق في السنوات الأخيرة، معظمها كان نتيجة غياب معايير السلامة وسوء الإدارة والفساد.
ومن حريق مستشفى ابن الخطيب في بغداد عام 2021، إلى حريق مستشفى الحسين في الناصرية في العام ذاته، مرورًا بحريق قاعة أفراح الحمدانية عام 2023، والآن، يضيف حريق الكوت فصلًا آخر مأساويًا.