في الساعة 8:15 من صباح السادس من أغسطس/ آب عام 1945، وصلت القاذفة الأميركية "إينولا غاي" إلى سماء مدينة هيروشيما اليابانية وأسقطت القنبلة الذرية "ليتل بوي"، لتصبح المدينة أول موقع في التاريخ يُستخدم فيه سلاح نووي خلال حرب.
لكن اختيار هيروشيما لم يكن قرارًا مفاجئًا اتخذه الرئيس الأميركي هاري ترومان أو أمرًا صدر بضرب مدينة بعينها، بل جاء بعد أشهر من الاجتماعات السرية شارك فيها علماء مشروع مانهاتن وضباط القوات الجوية ومسؤولون في وزارة الحرب الأميركية، بهدف تحديد المكان الأكثر ملاءمة لإظهار قوة السلاح الجديد.
البحث عن مدينة لم تُدمّر بعد
بدأت دراسة الأهداف المحتملة في ربيع عام 1945، مع اقتراب مشروع مانهاتن من إنتاج قنبلة ذرية قابلة للاستخدام العسكري، ووضعت لجنة الأهداف مجموعة من المعايير لاختيار المدينة المناسبة، من بينها أن تكون كبيرة، ذات أهمية عسكرية أو صناعية، وأن تسمح طبيعتها العمرانية بقياس حجم الدمار الناتج عن القنبلة.
لم يكن الهدف تدمير منشأة عسكرية محددة، بل ضرب منطقة حضرية واسعة قادرة على إظهار حجم الانفجار والحرائق والدمار الذي يمكن لقنبلة واحدة إحداثه.
معايير اختيار هيروشيما
ناقشت لجنة الأهداف في مايو/ أيار 1945 مدنًا عدة، بينها كيوتو وهيروشيما ويوكوهاما وترسانة كوكورا، وأوصت باستثنائها مؤقتًا من القصف التقليدي للحفاظ عليها كأهداف محتملة للقنبلة الذرية.
وشملت المعايير وجود أهمية عسكرية أو صناعية، ومساحة عمرانية واسعة، إضافة إلى التأثير النفسي المتوقع للهجوم على القيادة اليابانية، فقد أراد المسؤولون الأميركيون أن يكون استخدام السلاح الجديد صادمًا بما يكفي لإظهار التفوق العسكري الأميركي.
كانت هيروشيما تجمع هذه العناصر، فهي مدينة مدنية مكتظة، لكنها احتضنت مقار ووحدات للجيش الياباني، إضافة إلى ميناء أوجينا المستخدم لنقل الجنود والإمدادات، ومنشآت صناعية ومخازن عسكرية.
كما رأى المخططون أن طبيعتها الجغرافية، بما فيها التلال المحيطة والأنهار المتعددة، قد تزيد من أثر الانفجار داخل المدينة.
خروج كيوتو من القائمة
لم تكن هيروشيما الخيار الوحيد في مراحل التخطيط الأولى، إذ احتلت كيوتو موقعًا متقدمًا بسبب أهميتها الصناعية والثقافية، لكن وزير الحرب الأميركي آنذاك هنري ستيمسون عارض استهدافها بسبب قيمتها التاريخية، كما خشي أن يؤدي تدميرها إلى زيادة العداء الياباني للولايات المتحدة بعد الحرب.
بعد استبعاد كيوتو، دخلت ناغازاكي إلى القائمة، ما جعل هيروشيما من أبرز الأهداف المحتملة.
الطقس حسم الاختيار
أقلعت القاذفة "إينولا غاي" من جزيرة تينيان فجر السادس من أغسطس/ آب، حاملة قنبلة اليورانيوم "ليتل بوي"، وكانت التعليمات تقضي بتنفيذ الهجوم اعتمادًا على الرؤية البصرية، ما جعل حالة الطقس عاملًا حاسمًا.
في ذلك الصباح، كانت السماء فوق هيروشيما صافية، ما سمح للطائرة بمواصلة المهمة بدل الانتقال إلى هدف آخر، واختير جسر أيوي نقطة للتصويب بسبب شكله الواضح من الجو، قبل أن تُلقى القنبلة من ارتفاع يزيد على تسعة كيلومترات، وتنفجر بعد نحو 43 ثانية على ارتفاع يقارب 600 متر فوق المدينة.
مدينة تحولت إلى رمز نووي
كان نحو 350 ألف شخص يتواجدون في هيروشيما لحظة القصف، بينهم مدنيون وعسكريون وعمال مجندون، وتقدّر مدينة هيروشيما أن نحو 140 ألف شخص توفوا بحلول نهاية ديسمبر/ كانون الأول 1945 نتيجة الانفجار وآثاره اللاحقة.
ومنذ ذلك الصباح، أصبحت هيروشيما رمزًا لبداية العصر النووي، بعدما أثبتت أن سلاحًا واحدًا يمكن أن يغيّر مفهوم الحرب والدمار في العالم.