الخميس 25 يوليو / يوليو 2024

حسين سالم وبنك كريدي سويس.. "حسابات الفساد" لواجهة نظام مبارك الاقتصادية

حسين سالم وبنك كريدي سويس.. "حسابات الفساد" لواجهة نظام مبارك الاقتصادية
الثلاثاء 22 فبراير 2022

شارك القصة

أسرار سويسرية

لم يكن حسين سالم بمنأى عن التسريبات المتعلقة ببنك "كريدي سويس"، والتي تضافرت في معرض اتهام المؤسسة باستقبال أموال مصدرها الفساد أو أوساط الجريمة، من قبل تحقيق دولي تجريه وسائل إعلام عدة.

قد يبدو الأمر متوقعًا للبعض، ولا سيما أن سيرة رجل الأعمال المصري، الذي لمع نجمه في عهد حسني مبارك، وعقد صلحًا مع حكومة بلاده لإسقاط أحكام صدرت بحقه في أعقاب ثورة 25 يناير، كانت قد شهدت كشف حساب سري له في البنك أعلاه من قبل السلطات الألمانية.

غير أن ما أظهره تحقيق "أسرار سويسرية"، الذي نسقه مشروع "تعقب الجريمة المنظمة والفساد العابر للحدود"، استنادًا إلى مجموعة من البيانات المصرفية التي تم تسريبها إلى "زود دويتشه تسايتونغ" الألمانية، بيّن عن خط زمني من التعاملات المستمرة بين سالم والبنك، لم يتأثر بتوالي الفضائح التي ارتبطت باسمه وشملت مسؤولين مصريين.

وامتلك سالم ما لا يقل عن 12 حسابًا في ذاك البنك بين العامين 1974 و2010، واحتوى بعضها على ملايين الفرنكات السويسرية، وبقي العديد منها مفتوحًا حتى وقت متأخر من عام 2015.

كما تضمنت إحدى الحسابات، التي تم الكشف عنها من خلال "أسرار سويسرية" عددًا كبيرًا من شركاء الأعمال المعروفين وأقارب حسين سالم، على الرغم من عدم وجود اسم سالم نفسه.

فضيحة تصدير الأسلحة

يُعيد "أسرار سويسرية" اسم حسين سالم إلى الواجهة، بعد نحو ثلاثة أعوام على رحيله، مقدمًا في إحدى وثائقه "سيرة" لرجل أعمال كبير لاحقته تهم بالفساد، أُسقط ما تبقى منها عام 2017 بموجب "صفقة" مع مصر؛ أرادها ليموت في مسقط رأسه، غير أنه أسلم الروح في قصره بمدريد.

وبحسب وثائق التحقيق الدولي، الذي حصل "أنا العربي" على نسخة منها، فإن مسيرة حسين سالم، الذي وُلد في القاهرة عام 1933، تلخص العلاقة الحميمة بين الأعمال والسياسة وعائلة مبارك. 

تخرّج الرجل من كلية التجارة بجامعة القاهرة، ثم عمل في سلسلة من الوظائف المتواضعة في وكالات تديرها الحكومة داخل مصر وخارجها، قبل إطلاق مشروعه الخاص.

وقد سمح له عمله في الإمارات بشركة "نصر" للاستيراد والتصدير بتعزيز علاقات وثيقة مع عائلة مبارك، ولا سيما أنها عُدّت واجهة معروفة لأجهزة المخابرات المصرية طوال السبعينيات.

وقرابة منتصف ذاك العقد، فتح حسين سالم أول حساباته في بنك "كريدي سويس". ثم انتقل بمرور خمس سنوات إلى العاصمة الأميركية واشنطن.

كان ذلك في عام 1979، وقد عمل حينها كمسؤول تجاري في السفارة المصرية، بُعيد توقيع الرئيس أنور السادات اتفاق سلام مع إسرائيل؛ فأتاح له ما عُد إعادة رسم للخريطة السياسية الإقليمية فرصًا تجارية جديدة.

حسين سالم

وأسس سالم في ذلك العام شركة خدمات النقل المصرية الأميركية (EATSCo) مع عميل سابق لوكالة الاستخبارات المركزية، فازت بعقد حصري بقيمة أكثر من 50 مليون دولار لشحن الأسلحة الأميركية لمصر، رغم عدم وجود خبرة لها في هذه الصناعة.

وسرعان ما بدأت وزارة العدل الأميركية عام 1982 تحقيقًا في شكاوى، تفيد بأن الشركة كانت تضخم التكاليف عن طريق التلاعب وتقديم فواتير مزيفة، غير أن وزير خارجية مصر نفى ارتكاب أي مخالفات.

في حينه، بيّنت التحقيقات الإعلامية والرسمية أن من بين شركاء سالم منير ثابت، شقيق زوجة مبارك، وعبد الحليم أبو غزالة، وزير الدفاع السابق الذي كان يعمل ملحقًا عسكريًا في واشنطن.

كما أشارت شهادات مسؤولين أميركيين إلى أن مبارك نفسه ربما كان شريكًا في شركة EATSCo.

وفيما أثار التحقيق غضبًا عامًا، إلا أنه لم يحل دون فتح سالم حسابًا ثانيًا في بنك "كريدي سويس" في يناير 1983، احتوى في وقت من الأوقات 18 مليون فرنك سويسري بحسب البيانات المسربة. كما بدا أنه ظل مفتوحًا حتى بعد اعتراف الشركة بالذنب في فواتير كاذبة في شهر يوليو.

إضافة إلى ذلك، واصل سالم فتح حسابات جديدة في أعوام 1985 و1986 و1989 و1990 و1997، بقيت جميعها تقريبًا نشطة بعد ثورة الربيع العربي في مصر. وفي حين لاحقته فضائح جديدة، فتح حسابات أخرى.

فضيحة مصفاة الإسكندرية

جذبت قطاعات متنوعة من بينها السياحة والطاقة والعقارات حسين سالم، فتوسعت أصوله فيها تدريجيًا، عقب الفضيحة في أميركا.

وأشار تقرير هيئة الرقابة السويسرية "العين العامة" والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية عام 2016 إلى أن السمة المميزة لهذه الصفقات هي أن "سالم حقق مئات الملايين من الدولارات من دون مبرر واضح".

وفيما أظهر الرجل ولعًا واضحًا بسويسرا، كمكان لتخزين ثروته والمساعدة في إدارة عملياته، تم ربطه بحسابات في بنوك "يو بي إس" و"رايفايزن" في تقارير إعلامية. كما أنه سجل العديد من الشركات السويسرية، حمل إحداها اسم Maska، واستخدمها للمشاركة في تأسيس مصفاة الإسكندرية، التي جاءت في قلب فضيحة "فلوتكس FlowTex".

وقد أسّس سالم المعروفة باسم ميدور مع مستثمر إسرائيلي يُدعى يوسي ميمان عام 1994، ثم باع معظم أسهمهما بعد بضعة أعوام إلى بنك حكومي مصري لتحقيق أرباح كبيرة.

بموازاة ذلك، طار إلى ألمانيا للقاء المؤسّس المشارك والرئيس التنفيذي لـFlowTex مانفريد شميدر، وهي شركة لصناعة معدّات حفر.

وتكشّفت خفايا الصفقة التي تمّ إبرامها، عام 2000، بعد إلقاء القبض على أصحاب "فلوتكس"، وانكباب المحققين الألمان على تعقب حساب يحمل رقم 750.191، الذي رُبط بواحدة من أكبر عمليات الاحتيال في تاريخ البلاد، فوصلوا إلى حسين سالم.

الحساب رقم 750.191 وتظهر فيه بعض التحويلات المالية من العام 1999
الحساب رقم 750.191 وتظهر فيه بعض التحويلات المالية من العام 1999

وخلص المحققون الألمان إلى أن الرجلَين ناقشا عقدًا بقيمة 150 مليون مارك ألماني لشركة FlowTex  لتوفير المعدات لمصفاة "ميدور".

وبعد فترة وجيزة، قام حساب "كريدي سويس" الخاص بسالم بتحويل حوالي 4 ملايين فرنك سويسري إلى شميدر، ثم حصل بمجرد توقيع العقد على حوالي 8 ملايين مارك من FlowTex.

وزعم المحققون الألمان أن سالم أجرى التحويل الأولي لتسهيل توقيع العقد، ثم تلقى العمولات بنفسه بشأن الصفقة.

وبحسب تقرير لصحيفة "دي تاغس زيتونغ" صدر عام 2011، لم يتم تحديد أي غرض واضح للمدفوعات.

لم تؤثر تلك المعلومات على وضع سالم كعميل لـ"كريدي سويس"، ولا على الحساب رقم 750.191. وتظهر نسخ من البيانات المصرفية أن سالم استخدم الحساب لإرسال نحو 52 مليون دولار والحصول على نحو 42 مليون دولار طوال عام 1999. وتظهر السجلات أن الحساب أنهى العام برصيد مكشوف يبلغ نحو 10 ملايين دولار، على الرغم من أنه من غير الواضح كيف كان ذلك ممكنًا. ورفض بنك كريدي سويس تفسير ذلك.

ظل الحساب نشطًا بعد ذلك، حيث وصل إلى رصيد أقصى يزيد على 104 ملايين فرنك سويسري فى سبتمبر من عام 2003، وفقًا لتحقيق "أسرار سويسرية". كما استمر الحساب مفتوحًا حتى مارس 2013، بعد بدء التحقيقات مع سالم في سويسرا ومصر وإسبانيا. وعندما تم إغلاقه كان قد بقي في رصيده أربعة فرنكات فقط.

فضيحة الغاز الكبرى

أنشأ حسين سالم في وقت ما من عام 2000 شركة باسم "غاز شرق المتوسط" EMG، أبرمت بمرور خمسة أعوام صفقة لبيع الغاز الطبيعي لإسرائيل.

لعبت الشركة بموجب العقد دور الوسيط، وقامت بشراء الغاز الطبيعي المصري من وكالة حكومية لتبيعه لإسرائيل.

وبينما حقق سالم أرباحًا كبيرة ببيع ربع أسهم الشركة مقابل نصف مليار دولار، تبيّن أن أسعار الغاز كانت أقل بكثير من أسعار السوق. وقضت محكمة مصرية بوجود تلاعب بالأسعار وأنه يتعيّن على الحكومة التوقف عن تصدير الغاز.

ولم يغب اسم حسين سالم عن التغطيات الصحافية الدولية لهذه القضية، ومع ذلك فتح حسابًا آخر بعد عامين في بنك "كريدي سويس".

وقد أحيلت القضية مرة أخرى إلى المحكمة في موجة محاكمات الفساد التي أعقبت انتفاضة الربيع العربية عام 2011، حيث اتهم خمسة مسؤولين متورطين في الصفقة بالتلاعب بالأسعار وتبديد الأموال العامة. لكن تمت تبرئتهم جميعًا بناء على شهادات من كبار المسؤولين بأن الاتفاق تم لدعم عملية السلام وجلب التمويلات للعمليات الاستخبارية لصالح "الأمن القومي" في مصر.

كما أشار الحكم إلى تفصيل آخر: باع سالم خمس فيلات في شرم الشيخ لمبارك وأبنائه بأسعار أقل بكثير من أسعار السوق مقابل منحه أراضي لتطوير منتجعات سياحية في جنوب سيناء. مع ذلك، تم إسقاط تهمة الرشوة بسبب انتهاء فترة التقادم.

ولم يؤثر أي من هذه التعاملات على ما يبدو على قدرة سالم على الاستفادة من حساباته في بنك كريدي سويس واستخدامها في نقل الأموال.

تحويل الأصول إلى الخارج

بدأ سالم بيع بعض أصوله في الخارج في ديسمبر 2010، مع احتدام الاحتجاجات في تونس، وتكهن المحللين حينها أنها ستمتد إلى مصر.

وباع الرجل في إحدى الصفقات الكبرى مركزًا تجاريًا فاخرًا في ضواحي العاصمة الرومانية بوخارست، وممتلكات مقابل 9 ملايين يورو. وكان المشترون من عائلة سيوبراغا.

العقار الذي تم بيعه كان اشتراه سالم عام 2002. وأشار بنك "كريدي سويس" في رسالة موجهة إلى غرفة التجارة الرومانية، إلى أن شركة سالم كانت عميلتهم منذ سنوات وأن علاقتهم تمت "بطريقة لا تشوبها شائبة".

إضافة إلى ذلك، بيّنت وثائق من عملية البيع أن سالم حول الأموال إلى شركته الرومانية باستخدام حساب "كريدي سويس". وأظهرت البيانات المصرفية لـ"أسرار سويسرية" أن أشخاصًا آخرين متورطين في الصفقة استخدموا بدورهم حسابات في البنك.

تم إدراج أحد مالكي العقارات في رومانيا مع سالم، وهو شريك تجاري قديم يدعى عبد الحميد أحمد حمدي، في ثلاثة حسابات، بما في ذلك حساب مشترك مع سالم. تمت مشاركة أحد حسابات حمدي مع مالك آخر للعقار، وهو أيمن سعد محمود حمدي، والذي كان لديه أيضًا حسابان في كريدي سويس.

على الجانب الروماني، فتحت إحدى المشترين، نيكوليت هيرمينا سيوبراغا، حسابًا في بنك كريدي سويس عام 2002، وهو العام نفسه الذي اشترى فيه سالم العقار الروماني لأول مرة.

وسيبلغ رصيد الحساب الأقصى أكثر من ستة ملايين فرنك سويسري عام 2013.

الهروب إلى إسبانيا

بانتقال شرارة الاحتجاجات إلى مصر، هرب حسين سالم إلى إسبانيا، بعدما توقف في جنيف.

غير أنه لم يفلت من السلطات في مدريد، حيث ألقي القبض عليه بتهمة غسل الأموال في يونيو 2011.

جاء ذلك عقب فتح تحقيق في ثروته بمصر بعد تنحي مبارك، وإصدار الإنتربول مذكرة توقيف بحقه في مايو.

وأظهرت مذكرة التوقيف الإسبانية أنه فيما كانت الاحتجاجات تسير في مصر، حوّلت عائلة سالم في يومَي 24 و26 يناير 2011 ما قيمته 3.5 مليون يورو من مصر إلى حساب في بنك "كريدي سويس".

وفي العام نفسه، أدرجت المنظمات السويسرية اسم سالم ضمن الأفراد المرتبطين بنظام مبارك، الذين جُمدت أصولهم في البلاد على ذمة التحقيقات.

أما في مصر، فقد أدانته محكمة غيابيًا، وحُكم عليه بالسجن لمدة سبع سنوات، مع تكبيده غرامات تزيد على 4 مليارات دولار بتهمة التربّح وغسل الأموال.

غير أن سالم عقد عام 2016 صفقة مع السلطات المصرية لدفع ما وازى في حينه نحو 640 مليون دولار للدولة، وما عادل ظاهريًا أكثر من ثلاثة أرباع ثروته الإجمالية، في مقابل إسقاط التهم الموجهة إليه. كما رُفع تجميد أصوله السويسرية بعد فترة وجيزة.

وبرّر سالم صفقة المصالحة تلك بقوله إنه أراد "الموت في مصر"، غير أنه توفي بقصره في مدريد، ولم يعد إلى مصر رغم زوال التحديات القانونية.

"كريدي سويس" يرفض التعليق

تجدر الإشارة إلى أن بنك "كريدي سويس" رفض التعليق على أية أسئلة تتعلق بسالم.

وأكد في تصريح أنه يرفض بشدة الادعاءات والاستنتاجات حول الممارسات التجارية المزعومة للبنك في تحقيق "أسرار سويسرية"، مشددًا على أنه تم اتخاذ الإجراءات بما يتماشى مع السياسات المعمول بها والمتطلبات التنظيمية في الوقت المناسب، وأنه تم بالفعل معالجة القضايا ذات الصلة.

وقال البنك في بيان: إن "القضايا الواردة هنا تاريخية نسبيًا، وفي بعض الحالات تعود إلى السبعينيات من القرن الماضي، والحسابات ذات الصلة تعتمد على معلومات منقوصة أو متحيزة أُخذت خارج سياقها، ما أدى إلى تفسيرات صعبة حيال ممارسات البنك".

إلى ذلك، حاولت OCCRP وشركائها في المشروع الصحافي الاستقصائي التواصل تلفونيًا وعبر رسائل مع أقارب سالم ومحاميه السابق وشركائه في العمل دون أن تأتي بنتيجة.

المصادر:
العربي
Close