الأحد 12 أبريل / أبريل 2026

حكاية قطاع الكهرباء في سوريا.. تاريخ وواقع وآفاق إصلاح

حكاية قطاع الكهرباء في سوريا.. تاريخ وواقع وآفاق إصلاح محدث 04 يونيو 2025

شارك القصة

تُقدر القدرة الإنتاجية الفعلية للكهرباء في الجمهورية العربية السورية بحوالي 1500 ميغاواط
تُقدر القدرة الإنتاجية الفعلية للكهرباء في الجمهورية العربية السورية بحوالي 1500 ميغاواط - غيتي
تُقدر القدرة الإنتاجية الفعلية للكهرباء في الجمهورية العربية السورية بحوالي 1500 ميغاواط - غيتي
الخط
خلال حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، وتزامنًا مع بزوغ فجر الدولة السورية الحديثة، تضاعفت الجهود الرامية إلى تعميم خدمة الكهرباء وتوسيع نطاقها.

يُعاني السوريون من انقطاع شبهِ دائمٍ في الكهرباء، ما يدفع كثيرين للاعتماد على حلول محدودة لا تكفي لتلبية احتياجاتهم الأساسية. لكن ماذا نعرف عن قصّة قطاع الكهرباء في سوريا، وكيف وصل الحال إلى ما وصل إليه اليوم؟

بدأت حكاية النور الكهربائي في سوريا فجر القرن العشرين، وتحديدًا في عام 1904، حينما أُنير المسجد الأموي العريق بدمشق بواسطة مولد كهربائي يعمل بوقود المازوت (الديزل)، في مشروع نفذته شركة بلجيكية رائدة. وسرعان ما امتدت خيوط هذا النور لتلامس أجزاءً من سوق الحميدية النابض بالحياة وحي العمارة الدمشقي الأصيل.

وفي نقلة نوعية تالية، شهد عام 1906 تركيب عنفة لتوليد الطاقة الكهرومائية على ضفاف نهر بردى الخالد، ما أسهم في انتشار الكهرباء على نطاق أوسع في أحياء العاصمة، لتسبق بذلك دمشقُ سائرَ المحافظات السورية في معانقة هذا الإنجاز الحضاري بما يقارب عقدين من الزمن[1].

عقب دمشق، كان لمدينة حلب الشهباء موعد مع الكهرباء في عام 1929، حيث أضاء فندق بارون التاريخي جنباته بمولد ألماني الصنع، لتلحق بها تباعاً أحياء عريقة كالعزيزية والسليمانية والجميلية وباب الفرج[2]. ثم واصلت الكهرباء مسيرتها التوسعية لتشمل مدنًا سوريّة رئيسة أخرى مثل حمص واللاذقية وحماة.

غير أن تعميم هذه الخدمة الحيوية على أرجاء البلاد كافة، وبخاصة المناطق الريفية والنائية، استغرق زمنًا طويلًا، إذ شكّلت التضاريس الجبلية الوعرة والطرقات الترابية غير المعبدة تحديات جسيمة أمام عمليات تمديد الشبكات ونصب أعمدة الكهرباء.

تاريخ تعميم خدمة الكهرباء في سوريا وتوسيع نطاقها

خلال حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، وتزامنًا مع بزوغ فجر الدولة السورية الحديثة، تضاعفت الجهود الرامية إلى تعميم خدمة الكهرباء وتوسيع نطاقها. إلا أن هذه المساعي الطموحة اصطدمت بمعوقات كبيرة، تمثلت في تهالك البنية التحتية القائمة آنذاك، والنقص الحاد في الكوادر الفنية المتخصصة والمؤهلة، بالإضافة إلى شح الموارد المالية اللازمة لتمويل مثل هذه المشاريع الضخمة.

وقد جعلت هذه العوامل مجتمعة من كل مشروع لتمديد الشبكة الكهربائية بمثابة ملحمة هندسية تتطلب جهودًا استثنائية. فالكهرباء، في جوهرها، ليست مجرد أسلاك يتم توصيلها، بل هي منظومة معقدة ومتكاملة تشمل محطات توليد متطورة، وعنفات ضخمة، ومحطات توزيع إستراتيجية، وشبكات نقل رئيسية وفرعية، وعدادات دقيقة، فضلاً عن المعدات والأجهزة المنزلية التي تعتمد عليها. وكل ذلك يتطلب استثمارات مالية طائلة تفوق في كثير من الأحيان قدرات دولة حديثة العهد بالاستقلال وتسعى جاهدة لبناء مؤسساتها.

لذلك، شكّل قرار تأميم شركات الكهرباء في ستينيات القرن الماضي خطوة ذات أبعاد تنموية إستراتيجية، هدفت إلى وضع هذا القطاع الحيوي تحت سيطرة الدولة وتوجيهه لخدمة أهداف التنمية الشاملة. بيد أنّ هذه الخطوة، على أهميتها، حملت في طيّاتها تحديات إدارية وبيروقراطية جديدة أضافت أعباءً على كاهل القطاع.

وعلى الرغم من النوايا التنموية الصادقة للدولة، فقد وجدت نفسها في مواجهة صعوبات حقيقية في مواكبة الطلب المتسارع والمتزايد على الطاقة الكهربائية، لا سيما مع النمو السكاني المضطرد والتوسع العمراني الأفقي والرأسي الذي شهدته المدن السورية. وتشير الإحصاءات والتقارير الرسمية الصادرة عن وزارة الكهرباء في عام 1984 إلى حقيقة مقلقة، وهي أن أكثر من 35% من القرى السورية لم تكن قد حظيت بخدمة الكهرباء حتى ذلك التاريخ[3]، مما يعكس حجم التحدي الذي كان قائمًا.

وفي حقبة الثمانينيات، طفت على السطح معضلة جديدة ألقت بظلالها على قطاع الكهرباء، تمثلت في التقادم المتزايد للمحطات القديمة التي لم تعد قادرة على تلبية احتياجات الاستهلاك المتنامية. وتفاقمت هذه الأزمة بفعل عوامل عدة، من أبرزها ندرة قطع الغيار اللازمة لعمليات الصيانة والتحديث، والاعتماد شبه الكلي على تكنولوجيا مستوردة من الاتحاد السوفيتي آنذاك، والتي قد لا تتناسب دائمًا مع الظروف المحلية.

وقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى زيادة ملحوظة في فترات انقطاع التيار الكهربائي، وارتفاع مقلق في معدلات الفاقد الفني (أي الطاقة المهدورة خلال عمليات النقل والتوزيع) إلى مستويات قياسية قاربت 28% في بعض السنوات، مما شكّل هدرًا كبيرًا للموارد وضغطًا إضافيًا على الشبكة المنهكة أصلًا.

حلقة سابقة من برنامج "حوارات دمشق" تناولت بالتحليل والنقاش أزمة الكهرباء في سوريا ومحاولات حلّها

عمومًا، لم تقتصر التحديات التي واجهت قطاع الكهرباء في سوريا على الجوانب التقنية والهندسية فحسب، بل امتدت لتشمل أبعادًا اجتماعية وثقافية ذات تأثير عميق. فقد شكّل غياب ثقافة ترشيد الاستهلاك لدى شرائح واسعة من المجتمع عبئًا إضافيًا كبيرًا على الشبكة الكهربائية. وتزامن ذلك مع سياسة دعم حكومي لأسعار الكهرباء جعلت من فاتورة الاستهلاك تبدو شبه مجانية للمواطن العادي، الأمر الذي شجع على الإفراط في الاستهلاك دون اكتراث. وفي المقابل، استنزفت سياسة الدعم هذه مبالغ طائلة من خزينة الدولة ومؤسساتها المعنية، مما حدّ بشكل كبير من قدرتها على القيام بالاستثمارات اللازمة لتوسيع الشبكة وتحديث المحطات وتطوير البنية التحتية للقطاع.

كما كانت إشكالية ثقافة الترشيد، أو بالأحرى غيابها، ذات طبيعة معقدة ومتشابكة الأبعاد. فقد أسهمت بشكل مباشر في جعل مستويات الاستهلاك الفعلية تفوق بكثير التقديرات والتوقعات، ما أدى إلى لجوء السلطات المعنية إلى تطبيق برامج تقنين للتيار الكهربائي. وكانت هذه البرامج، في كثير من الأحيان، نتيجة مباشرة لصعوبة التنبؤ بمستوى استهلاك ثابت ومستدام في مختلف المناطق السورية، نظرًا لغياب أنماط استهلاكية واضحة ومنضبطة.

واقع محطات توليد الكهرباء السورية: قراءة في الأرقام والتحديات

مع إطلالة عام 2025، تُقدر القدرة الإنتاجية الفعلية للكهرباء في الجمهورية العربية السورية بحوالي 1500 ميغاواط، مع إمكانية ارتفاعها في بعض الأحيان لتبلغ قرابة 3000 ميغاواط. ويعتمد هذا التفاوت بشكل أساسي على مدى توافر الوقود اللازم لتشغيل محطات التوليد، بالإضافة إلى الحالة الفنية لشبكات النقل والتوزيع.

وفي حين يُعتبر هذا الرقم كافيًا لتلبية احتياجات مدينة بحجم العاصمة دمشق في ظل ظروف استهلاكية معينة، فإنه قد لا يفي بالمتطلبات المتزايدة لعدة مدن مجتمعة، أو حتى لمدينة واحدة وريفها الممتد، خاصة إذا ما أُخذ في الحسبان الطلب الكبير على الطاقة من قبل القطاع الصناعي الحيوي، إذ تشير التقديرات إلى أن سوريا، في وضعها الراهن، تحتاج إلى ما يزيد عن 10000 ميغاواط لتلبية احتياجاتها الأساسية.

وفي حال التخطيط لمشاريع توسع صناعي طموحة وإعادة إعمار شاملة للمدن المتضررة، فإن هذه الاحتياجات مرشحة للارتفاع لتتجاوز عتبة 15 ألف ميغاواط. ولإعطاء صورة مقارنة، ينتج العراق حاليًا قرابة 18 ألف ميغاواط، بينما تقدر حاجته الفعلية بأكثر من 30 ألف ميغاواط، في حين تبلغ القدرة الإنتاجية للمملكة العربية السعودية حوالي 44 ألف ميغاواط.

ويتّضح من المعطيات السابقة أن قطاع الكهرباء في سوريا يواجه فجوة إنتاجية هائلة وعميقة، تقدَّر حاليًا بما يزيد عن 8 آلاف ميغاواط. والمقلق في الأمر أن هذه الفجوة ليست ثابتة، بل هي مرشحة للاتساع بشكل مضطرد مع مرور الوقت، ما لم يتم اتخاذ إجراءات جذرية وفعالة لمعالجتها.

ولتقديم صورة أكثر تفصيلًا وواقعية عن هذا القطاع الحيوي،من المفيد استعراض الوضع الراهن لأبرز محطات توليد الكهرباء في سوريا، مع الإشارة إلى مواقعها وقدراتها الإنتاجية وتقنيات عملها وحالتها الفنية الحالية:

1. محطة دير علي الحرارية

تشكّل هذه المحطة، الواقعة إلى الجنوب من العاصمة دمشق، حجر الزاوية في منظومة توليد الكهرباء السورية، إذ تصل قدرتها الإنتاجية الاسمية إلى 1500 ميغاواط، ما يجعلها واحدة من أكبر محطات التوليد في البلاد.

تعتمد المحطة في تشغيلها على تقنية الدورة المركبة، التي تجمع بين استخدام الغاز الطبيعي كوقود أساسي وتوظيف حرارة العادم لتوليد البخار الذي يشغل عنفات بخارية إضافية، مع إمكانية اللجوء إلى المازوت كوقود بديل في حالات الضرورة. وقد شهد عام 2011 انطلاق مشروع التوسع الثاني للمحطة، والذي دخل مرحلة التشغيل التجريبي في عام 2019، مضيفًا بذلك 750 ميغاواط إضافية إلى قدرة الشبكة الكهربائية الوطنية.

تشكّل محطة دير علي الحرارية حجر الزاوية في منظومة توليد الكهرباء السورية - تلفزيون سوريا
تشكّل محطة دير علي الحرارية حجر الزاوية في منظومة توليد الكهرباء السورية - تلفزيون سوريا

وتكتسب هذه المحطة أهمية استراتيجية خاصة، حيث تُعتبر الهدف الرئيسي لمشاريع تزويد الغاز التي يتم بحثها في إطار مشروع الغاز القطري المقترح، وذلك نظرًا لقربها الجغرافي من مسارات أنابيب الغاز واعتمادها الأساسي على هذا الوقود النظيف. وفي الظروف المثالية، يمكن للمحطة أن تؤمن تغذية كهربائية مستقرة لمدينة دمشق ومحيطها الواسع بالحد الأدنى من ساعات التغذية المطلوبة.

وعلى الرغم من أن المحطة تعمل بشكل طبيعي في الوقت الراهن، إلا أن استمرارية عملها بكامل طاقتها الإنتاجية تظل مرهونة بتأمين إمدادات كافية ومستمرة من الغاز الطبيعي اللازم لتشغيلها.

2. محطة جندر الحرارية

تتربع هذه المحطة على بعد حوالي 30 كيلومترًا إلى الجنوب من مدينة حمص، وتبلغ قدرتها الإنتاجية الإجمالية 1290 ميغاواط.

تعمل المحطة وفق تقنية الدورة المركبة، وهي عملية عالية الكفاءة تستفيد من غازات الاحتراق المنبعثة من العنفات الغازية لتسخين المياه وتوليد البخار، والذي يُستخدم بدوره لتشغيل عنفات بخارية إضافية، مما يعظم من إنتاج الطاقة ويقلل من الفاقد الحراري.

وتتألف البنية التشغيلية للمحطة من أربع مجموعات توليد غازية ومجموعتين بخاريتين، علمًا أن شركة إيرانية هي التي قامت بتنفيذ مشروع بناء هذه المحطة، وهي تعمل حاليًا بشكل جيد وفعال، مساهمةً بنصيب وافر في تلبية احتياجات المنطقة الوسطى من الطاقة الكهربائية.

3. محطة حلب الحرارية

تحتلّ هذه المحطة موقعًا إستراتيجيًا في شمال سوريا، وتبلغ قدرتها التصميمية الإجمالية 1100 ميغاواط.

تعتمد المحطة في تشغيلها على تقنية التوليد البخاري باستخدام مادة الفيول الثقيل كوقود أساسي. ونتيجة للظروف التي مرت بها البلاد خلال السنوات الماضية، تعرضت المحطة لأضرار جسيمة أثرت على قدرتها الإنتاجية.

وفي خطوة نحو إعادة تأهيلها، تم بنجاح إعادة تشغيل المجموعة الأولى من وحدات التوليد بطاقة إنتاجية فعلية تبلغ 202 ميغاواط في عام 2023.

وتوجد حاليًا خطط طموحة لتأهيل باقي المجموعات واستعادة كامل القدرة الإنتاجية للمحطة، إلا أن تحقيق هذا الهدف يتطلب استثمارات مالية كبيرة وجهودًا فنية مكثفة على مدى فترة زمنية ليست بالقصيرة.

4. سد الفرات (الطبقة)

يشمخ هذا السد العملاق في محافظة الرقة، ويُعتبر واحدًا من أكبر السدود في سوريا والمنطقة.

تم إنجاز هذا المشروع الضخم بالتعاون مع خبراء وفنيين من الاتحاد السوفيتي (سابقًا)، وافتتح رسميًا في عام 1978، ليشكل علامة فارقة في تاريخ التنمية في سوريا.

يُعتبر سد الفرات واحدًا من أكبر السدود في سوريا والمنطقة
يُعتبر سد الفرات واحدًا من أكبر السدود في سوريا والمنطقة

يضمّ السد محطة كهرومائية ذات قدرة إنتاجية إجمالية تصل إلى 880 ميغاواط. ولا تقتصر أهمية السد على توليد الطاقة الكهربائية، بل تمتد لتشمل توفير مياه الري لمساحات واسعة من الأراضي الزراعية، بالإضافة إلى دوره الحيوي في تنظيم جريان نهر الفرات.

وتحتجز بحيرة الأسد، التي تشكلت خلف السد، كميات هائلة من المياه العذبة، مما يجعلها مصدرًا إستراتيجيًا للمياه في المنطقة. وفي الوقت الراهن، تعمل عنفات التوليد في السد بشكل متوسط، إلا أنها، كأي منشأة هندسية كبرى، تحتاج إلى برامج صيانة دورية ومنتظمة لضمان استمرارية عملها بكفاءة عالية والحفاظ على سلامتها الإنشائية.

5. محطة بانياس الحرارية

تقع هذه المحطة في مدينة بانياس الساحلية، وتبلغ قدرتها الإنتاجية حوالي 680 ميغاواط.

تعتمد المحطة في تشغيلها على الفيول الثقيل، وتُستخدم مياه البحر في عمليات تبريد الدوائر البخارية، مما يعكس استغلالاً للموارد الطبيعية المتاحة.

تم افتتاح المحطة على مرحلتين، الأولى في عام 1982 والثانية في عام 1989. وعلى الرغم من أنها لا تزال تعمل بشكل جيد نسبيًا في الوقت الحاضر، إلا أنها تُعتبر من المحطات القديمة نسبيًا إذا ما قورنت بالجيل الأحدث من محطات التوليد التي دخلت الخدمة في البلاد خلال السنوات اللاحقة، مما قد يطرح تحديات تتعلق بالكفاءة التشغيلية ومتطلبات الصيانة.

6. محطة الزارة الحرارية

تتمركز هذه المحطة في محافظة حماة، وتبلغ قدرتها الإنتاجية 660 ميغاواط.

تعمل المحطة بتقنية التوليد البخاري، معتمدة على الغاز الطبيعي والفيول كخيارات للوقود.

تواجه محطة الزارة الحرارية تحديات مستمرة تتعلق بتأمين إمدادات الوقود اللازم لتشغيلها بشكل منتظم - فيسبوك
تواجه محطة الزارة الحرارية تحديات مستمرة تتعلق بتأمين إمدادات الوقود اللازم لتشغيلها بشكل منتظم - فيسبوك

تُعد محطة الزارة من المنشآت الحيوية لتوليد الطاقة في المنطقة الوسطى من سوريا، إلا أنها تواجه تحديات مستمرة تتعلق بتأمين إمدادات الوقود اللازم لتشغيلها بشكل منتظم، بالإضافة إلى الحاجة إلى عمليات صيانة دورية ومكثفة للحفاظ على جاهزيتها.

ومع ذلك، تُعتبَر عملية تأهيل هذه المحطة، في حال تطلب الأمر ذلك، سهلة نسبيًا مقارنة ببعض المحطات الأخرى الأكثر تعقيدًا أو تضررًا.

7. محطة محردة الحرارية

تقع هذه المحطة إلى الشمال من مدينة محردة، على ضفاف نهر العاصي في محافظة حماة، وتبلغ قدرتها الإنتاجية الإجمالية 660 ميغاواط.

تتألف البنية التشغيلية للمحطة من أربع مجموعات توليد بخارية وعنفة غازية واحدة، مما يوفر مرونة في اختيار أنواع الوقود، حيث يمكنها العمل على الغاز الطبيعي والفيول والمازوت.

تم افتتاح المحطة في عام 1979، ومنذ ذلك الحين وهي تُعد من المحطات الرئيسية التي ترفد الشبكة الكهربائية في المنطقة بالطاقة. إلا أنها، ونتيجة لعوامل مختلفة، تعرضت لبعض الأضرار التي تستدعي عمليات تأهيل وصيانة لاستعادة كامل قدرتها التشغيلية.

8. سد تشرين

يقع هذا السد المهمّ في محافظة حلب، ويؤدي دورًا مزدوجًا في توليد الطاقة الكهربائية وتوفير مياه الري للأراضي الزراعية المحيطة.

تبلغ القدرة الإنتاجية للمحطة الكهرومائية الملحقة بالسد حوالي 630 ميغاواط.

تم تشييد هذا السد خلال فترة التسعينيات من القرن الماضي، ويُعتبر من السدود الإستراتيجية المقامة على مجرى نهر الفرات.

وفي الوقت الراهن، تحتاج المحطة الكهرومائية في السد إلى برنامج صيانة واسع النطاق وشامل، بهدف استعادة كامل قدرتها الإنتاجية ورفع كفاءتها التشغيلية.

9. محطة الناصرية الحرارية

تتخذ هذه المحطة من ريف دمشق موقعًا لها، وتبلغ قدرتها الإنتاجية 487 ميغاواط.

تعمل المحطة بتقنية الدورة المركبة، معتمدة على الغاز الطبيعي كوقود أساسي، وهي تقنية معروفة بكفاءتها العالية وصداقتها النسبية للبيئة.

تُعتبر محطة الناصرية من المحطات الحديثة نسبيًا في منظومة الكهرباء السورية، وتلعب دورًا محوريًا في تزويد العاصمة دمشق والمناطق المحيطة بها بالطاقة الكهربائية اللازمة لتلبية احتياجات السكان والأنشطة الاقتصادية.

10. محطة السويدية الغازية

تقع هذه المحطة في محافظة الحسكة، وتبلغ قدرتها الإنتاجية 172 ميغاواط.

تُعد محطة السويدية الغازية من المصادر الهامة لتوليد الكهرباء في المنطقة الشمالية الشرقية من سوريا
تُعد محطة السويدية الغازية من المصادر الهامة لتوليد الكهرباء في المنطقة الشمالية الشرقية من سوريا

تعتمد المحطة في تشغيلها على الغاز الطبيعي، وتُعد من المصادر الهامة لتوليد الكهرباء في المنطقة الشمالية الشرقية من سوريا، مساهمةً في تلبية جزء من احتياجات هذه المنطقة الحيوية من الطاقة.

11. محطة التيم الغازية

تتمركز هذه المحطة في محافظة دير الزور، وتبلغ قدرتها الإنتاجية 96 ميغاواط.

تعمل المحطة على الغاز الطبيعي، وعلى الرغم من صغر حجمها النسبي مقارنة بالمحطات الأخرى، إلا أنها تساهم بدور هام في تزويد المنطقة الشرقية من البلاد بجزء من احتياجاتها من الطاقة الكهربائية.

12. سد البعث

يقع هذا السد في محافظة الرقة على مجرى نهر الفرات، ويبلغ ارتفاعه 14 مترًا.

تم افتتاحه رسميًا في عام 1986، ويضم محطة كهرومائية بقدرة إنتاجية تبلغ 81 ميغاواط.

يؤدي السد وظائف متعددة، تشمل تنظيم جريان مياه النهر، وتوليد الطاقة الكهربائية، والمساهمة في تحسين الواقع الزراعي للأراضي الواقعة على ضفتي النهر من خلال توفير مياه الري.

ومع ذلك، فإن المحطة الكهرومائية الملحقة بالسد تحتاج حاليًا إلى برنامج تأهيل شامل ومكثف لاستعادة كفاءتها ورفع قدرتها الإنتاجية.

استراتيجيات الإصلاح والتطوير لقطاع الكهرباء السوري

أولاً: الاستثمار في محطات الطاقة التقليدية

- محطة حلب الحرارية كدراسة حالة

تُعد محطة حلب الحرارية، المتمركزة في منطقة السفيرة الإستراتيجية جنوب شرق مدينة حلب، إحدى الركائز الأساسية في منظومة توليد الطاقة الكهربائية في الجمهورية العربية السورية.

تعتمد هذه المحطة في تشغيلها على تقنية الدورة الحرارية، وتستخدم بشكل أساسي الغاز الطبيعي والمازوت كوقود لتشغيل عنفاتها وتوليد البخار اللازم. وتبلغ الاستطاعة الإنتاجية الإجمالية المصممة للمحطة حوالي 1065 ميغاواط، وهي موزعة على ست مجموعات توليد، منها خمس مجموعات رئيسية بقدرة 200 ميغاواط لكل منها، بالإضافة إلى مجموعة سادسة أصغر حجمًا مخصصة للعمليات الاحتياطية وضمان استمرارية التشغيل في حالات الطوارئ.

يعود تصميم وتنفيذ محطة حلب الحرارية إلى فترة التعاون الوثيق مع الاتحاد السوفيتي (سابقًا)، حيث اضطلعت شركات روسية عريقة بتصنيع وتوريد المكونات الرئيسية للمحطة. فقد قامت شركة "تاغانروغ لمعدات الغلايات" (Taganrog Boiler Plant) بتصنيع الغلايات البخارية عالية الكفاءة، بينما تولت شركة "لينينغراد للأعمال المعدنية" (Leningrad Metal Works) تصنيع التوربينات البخارية الدقيقة، وقامت شركة "إلكتروسيلا" (Electrosila) بتوفير المولدات الكهربائية القوية.

بدأت حكاية النور الكهربائي في سوريا فجر القرن العشرين، وتحديدًا في عام 1904، حينما أُنير المسجد الأموي العريق بدمشق بواسطة مولد كهربائي يعمل بوقود المازوت (الديزل)، في مشروع نفذته شركة بلجيكية رائدة. غير أن تعميم هذه الخدمة الحيوية على أرجاء البلاد كافة، وبخاصة المناطق الريفية والنائية، استغرق زمنًا طويلًا 

أما أنظمة التحكم والمراقبة المتطورة الخاصة بالمحطة، فقد تم استيرادها من ألمانيا الشرقية في تلك الحقبة. وتشمل المكونات الرئيسية للمحطة الغلايات البخارية (القادرة على إنتاج بخار بضغط يصل إلى 180 بار ودرجة حرارة تبلغ 540 درجة مئوية)، والتوربينات البخارية (بقدرة 200 ميغاواط لكل توربين وكفاءة تحويل تتجاوز 40%)، والمولدات الكهربائية (المزودة بنظام تبريد داخلي متطور يعتمد على الهيدروجين)، بالإضافة إلى المكثفات، وأنظمة تزويد الوقود، ومحطة متكاملة لمعالجة المياه، وأبراج تبريد ضخمة، ونظام تحكم مركزي متطور، ومحولات كهربائية لرفع الجهد إلى 230 كيلوفولت ليتناسب مع متطلبات شبكة النقل الوطنية.

وتشير التقديرات الأولية والدراسات الفنية إلى أن محطة حلب الحرارية، بحالتها الراهنة، تحتاج إلى استثمارات مالية ضخمة تُقدر بمئات الملايين من الدولارات لإعادة تأهيلها بشكل كامل واستعادة طاقتها الإنتاجية القصوى التي صُممت من أجلها[4]. وفي حال تم تحقيق هذا الهدف الطموح، فإن المحطة ستكون قادرة ليس فقط على تغطية كامل احتياجات المنطقة الشمالية من سوريا من الطاقة الكهربائية، بل قد يفيض إنتاجها ليدعم مناطق أخرى. كما أن تصميم المحطة يسمح بإمكانية توسعتها في مراحل لاحقة لزيادة قدرتها الإنتاجية ومواكبة النمو المستقبلي في الطلب على الطاقة.

ويمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لتأهيل هذه المحطة الحيوية:

  • السيناريو الأول: عقود البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT): يرتكز هذا السيناريو على طرح المشروع للاستثمار أمام شركات القطاع الخاص المحلية أو الدولية. وبموجب هذا النوع من العقود، تتولى الشركة المستثمرة مسؤولية تمويل وتنفيذ أعمال تأهيل المحطة، ومن ثم تشغيلها والاستفادة من إيرادات إنتاجها من الكهرباء لمدة زمنية محددة يتم الاتفاق عليها مسبقًا في العقد. وبعد انقضاء هذه المدة، تعود ملكية المحطة بالكامل إلى الدولة، التي يصبح بإمكانها حينئذ إما إدارتها وتشغيلها بشكل مباشر، أو إعادة طرحها للاستثمار مجدداً وفق شروط جديدة. وتشير المعطيات إلى أن الشركات التركية والسعودية وكذلك الإماراتية قد تكون من بين الجهات الأكثر اهتماماً بالدخول في مثل هذه المشاريع الاستثمارية في قطاع الطاقة السوري، نظراً لخبراتها وقدراتها المالية والتكنولوجية.
  • السيناريو الثاني: الاستفادة من القروض التنموية من المؤسسات المالية الدولية: يمكن للحكومة السورية، في إطار سعيها لإعادة إعمار وتأهيل قطاع الطاقة، أن تتوجه بطلب الحصول على قروض ميسرة، تتميز بأسعار فائدة مخفضة أو حتى بدون فوائد، من مؤسسات مالية دولية وإقليمية مرموقة مثل البنك الدولي أو البنك الإسلامي للتنمية. ومن المعروف أن هذه المؤسسات تولي أهمية خاصة لمشاريع البنية التحتية الحيوية، وخاصة في قطاع الطاقة، نظراً لدورها المحوري في تحقيق التنمية المستدامة. ويمكن الاستفادة من هذه القروض ليس فقط في تأهيل محطة حلب الحرارية، بل أيضاً في إعادة تأهيل وتحديث محطات توليد الكهرباء الأخرى في مختلف أنحاء البلاد.
  • السيناريو الثالث: الاعتماد على مصادر التمويل المحلية والمشاركة المجتمعية: يستلهم هذا السيناريو تجربته من نموذج تمويل مشروع سد النهضة الإثيوبي، الذي اعتمد في جزء كبير منه على تعبئة الموارد الحكومية الذاتية، بالإضافة إلى مساهمات وتبرعات من مواطني البلاد. وفي هذا السياق، يمكن للحكومة السورية أن تتبنى استراتيجية مرحلية لتأهيل المحطة، بحيث يتم تجزئة أعمال التأهيل إلى عدة مراحل، ويتم تخصيص مبالغ مالية محددة (على سبيل المثال، ما بين عشرين وثلاثين مليون دولار) لكل مرحلة، بهدف تأهيل قسم معين من المحطة وإعادته إلى الخدمة تدريجياً. وبالتوازي مع ذلك، يمكن إطلاق حملات وطنية لفتح باب التبرعات وحشد الموارد المحلية المتاحة، سواء من الأفراد أو المؤسسات، للمساهمة في تمويل عمليات صيانة المحطة وإعادتها إلى سابق عهدها كرافد أساسي للطاقة في البلاد.

ثانيًا: الاستثمار في قطاع الطاقة البديلة

- ضرورة استراتيجية لتخفيف العبء عن مصادر الطاقة التقليدية

إدراكًا منها للتحديات المتزايدة التي يواجهها قطاع الطاقة التقليدي، ولأهمية تنويع مصادر الطاقة وضمان استدامتها، اتجهت وزارة الكهرباء السورية منذ عام 2019 نحو تبني سياسات تشجع على التحوُّل نحو مصادر الطاقة البديلة والمتجددة. وفي هذا الإطار، وضعت وزارة الكهرباء إستراتيجية وطنية طموحة تمتد حتى عام 2030، تهدف إلى دمج الطاقات البديلة في مزيج الطاقة الوطني.

تشمل هذه الإستراتيجية مختلف القطاعات الاقتصادية الحيوية التي تعتمد على الكهرباء بشكل رئيسي في عملياتها، وتسعى إلى تنشيط هذه القطاعات من خلال توفير مصادر طاقة نظيفة ومستدامة ومتنوعة. ويأتي هذا التوجه الإستراتيجي في وقت حرج للغاية، حيث تشهد المنظومة الكهربائية في البلاد تدهورًا كبيرًا، إذ تقدر نسبة الضرر الذي لحق بها بأكثر من 50% من قدرتها الإجمالية منذ عام 2011.

ويعود هذا التدهور بشكل أساسي إلى استهداف محطات توليد الكهرباء وشبكات النقل والتوزيع في مختلف المناطق السورية خلال سنوات النزاع. وقد أدى هذا الوضع إلى نقص حاد ومزمن في القدرة التوليدية للكهرباء، التي لا تتجاوز حاليًا 30% (أي أقل من 3 آلاف ميغاواط) من حجم التوليد الأساسي الذي كانت عليه البلاد قبل الأزمة، والذي كان يناهز 9 آلاف ميغاواط.

تستهدف إستراتيجية الطاقات البديلة، التي تم إقرارها رسميًا في 17 يوليو/ تموز 2019، تحقيق نسبة مساهمة للطاقات البديلة لا تقل عن 5% من إجمالي الطاقة الأولية المستهلكة في البلاد بحلول عام 2030. ولتحقيق هذا الهدف، تتضمن الإستراتيجية خططًا لإنشاء مشاريع لإنتاج 1500 ميغاواط من الطاقة الكهربائية باستخدام لواقط الطاقة الكهروضوئية (الطاقة الشمسية)، و900 ميغاواط من خلال تركيب عنفات الرياح، بالإضافة إلى تركيب 1.2 مليون خزان شمسي لتسخين المياه، ليصل بذلك إجمالي القدرة المركبة المستهدفة من مصادر الطاقة البديلة إلى حوالي 2400 ميغاواط.

وفي خطوة لاحقة تعكس تزايد الطموحات في هذا المجال، تم رفع سقف أهداف هذه الاستراتيجية لتستهدف الوصول إلى إنتاج 2500 ميغاواط من الطاقة الكهروضوئية، و1500 ميغاواط من طاقة الرياح، مع الحفاظ على هدف تركيب 1.2 مليون خزان شمسي، ليصبح بذلك الإجمالي المستهدف حوالي 4 آلاف ميغاواط. وتشير توقعات النظام السوري إلى أنه بحلول النصف الثاني من عام 2024، سيتمكن من الوصول إلى إنتاج حوالي 200 ميغاواط من خلال المشروعات الريحية، وأكثر من 400 ميغاواط من مشروعات الطاقة الشمسية، بإجمالي قدرة مركبة تبلغ حوالي 600 ميغاواط من مصادر الطاقة المتجددة.

لتحقيق أهداف هذه الإستراتيجية الطموحة، وضعت الحكومة السورية مجموعة من السياسات والإجراءات التنفيذية. وتشمل هذه الإجراءات مشاريع تقوم وزارة الكهرباء بتنفيذها بشكل مباشر، ومشاريع استثمارية يتولاها القطاع الخاص، ومشاريع أخرى يتم تنفيذها بالشراكة بين القطاعين العام والخاص. وبالإضافة إلى ذلك، تستهدف الإستراتيجية تشجيع مستهلكي الكهرباء في مختلف القطاعات (بما في ذلك الزراعة، والصناعة، والتجارة، والمنازل، والمؤسسات الحكومية، ودور العبادة، ومشاريع إدارة النفايات) على تبني حلول الطاقة البديلة. كما تتضمن الاستراتيجية برامج لتعزيز استخدام السخانات الشمسية من خلال توفير الدعم المالي عبر صندوق دعم استخدام الطاقات البديلة.

وفي سبيل تذليل العقبات وتشجيع الاستثمار، أصدر النظام السوري السابق حزمة من القرارات والقوانين المستندة إلى هذه الإستراتيجية، بهدف تحفيز مشاركة القطاع الخاص في مشاريع الطاقة البديلة، وتخفيف العبء المالي عن كاهل الدولة الذي قد يفوق قدراتها الاقتصادية الراهنة. وقد تم في هذا السياق وضع خريطة طريق واضحة المعالم، تتضمَّن إصدار التشريعات اللازمة لتنظيم نشاط توليد الكهرباء من مختلف المصادر وتعديل القائم منها، سواء أكانت من الوقود الأحفوري التقليدي أم من مصادر الطاقة البديلة والمتجددة، وذلك بغية تهيئة مناخ استثماري جاذب ومناسب للقطاع الخاص، يمكّنه من إقامة مشروعاته وبيع الكهرباء المنتجة بشروط عادلة ومجدية.

ومما يعزز من فرص نجاح هذا التحول الإستراتيجي نحو الطاقة البديلة، أن سوريا تتمتع بمقومات طبيعية وظروف مناخية مواتية ومشجعة. فمناخها المعتدل، الذي يتميز بتعاقب الفصول الأربعة بانتظام، يوفر بيئة مثالية لإنتاج الطاقة من مصادر طبيعية متنوعة ومستدامة. ويمكن إيجاز أبرز دعائم الطاقة البديلة في سوريا على النحو التالي:

  • طاقة الرياح: تشكل المناطق الجبلية والمرتفعات، بفضل ما تتعرض له من تيارات هوائية قوية ومنتظمة، مصدراً غنياً لطاقة الرياح التي يمكن تسخيرها لإنتاج الكهرباء. وتتركز هذه المناطق الواعدة بشكل خاص في السلسلة الجبلية الساحلية، وجبال تدمر الشاهقة، وكذلك في المناطق المرتفعة الواقعة إلى الغرب من مدينة حمص، حيث تُعتبر هذه المواقع مثالية من الناحية الطبوغرافية والمناخية لإنشاء مزارع رياح واسعة النطاق لتوليد الطاقة النظيفة.
  • طاقة المياه (الكهرومائية والطاقة الموجية): يمكن استغلال الطاقة الحركية للأمواج المتوسطة التي تميز الساحل السوري، الممتد على طول 180 كيلومتراً، في تشغيل ديناموهات ومولدات لإنتاج الكهرباء. كما تمتلك سوريا ثروة مائية نهرية هامة، تتمثل في نهر الفرات العظيم وروافده المتعددة، بالإضافة إلى نهر العاصي وعدد من الأنهار الصغيرة الأخرى، والتي تشكِّل مجتمعةً مصدراً قيماً لتوليد الطاقة الكهرومائية من خلال السدود والمنشآت المائية القائمة أو التي يمكن إنشاؤها مستقبلاً.
  • الطاقة الشمسية: تُعتبر البادية السورية الشاسعة، التي تتعرض لأشعة الشمس الساطعة لفترات طويلة على مدار السنة وتتمتع بمناخ صحراوي جاف وصافٍ في معظم الأوقات، بمثابة كنز طبيعي يمكن استغلاله في مجال الطاقة الشمسية. فهذه الظروف تجعل منها موقعاً مثالياً لإنشاء مزارع طاقة شمسية عملاقة، قادرة على توليد كميات وفيرة من الكهرباء النظيفة والمستدامة.
يواجه قطاع الكهرباء في سوريا تحديات جسيمة تتطلب حلولاً جذرية ومستدامة - غيتي
يواجه قطاع الكهرباء في سوريا تحديات جسيمة تتطلب حلولاً جذرية ومستدامة - غيتي

على الرغم من التفاؤل الذي تبعثه هذه المقومات الطبيعية الواعدة، فإن المضي قدمًا في مشاريع الطاقة البديلة على نطاق واسع يواجه تحديات لا يُستهان بها، وفي مقدمتها الحاجة إلى استثمارات مالية ضخمة لتغطية تكاليف الإنشاء والتشغيل والصيانة، إذ تُشير التقديرات إلى أن إنتاج ميغاواط واحد من الكهرباء باستخدام مصادر طاقة بديلة يتطلب استثماراً يبلغ حوالي 10 ملايين دولار أمريكي في المتوسط.

وبناءً على ذلك، فإن تلبية احتياجات بلد مثل سوريا، التي تُقدر حاجتها بحوالي 5 آلاف ميغاواط من الطاقة البديلة خلال السنوات العشر المقبلة، يستلزم رصد مبالغ استثمارية هائلة قد تصل إلى 10 مليارات دولار لإنتاج غيغاواط واحد فقط (أي ما يعادل 1000 ميغاواط تقريباً). وبالإضافة إلى التحديات المالية، هناك تحدٍ آخر لا يقل أهمية، يتمثل في الحاجة إلى كوادر بشرية مؤهلة وذات خبرات علمية وفنية متخصصة في مجال تصميم وتنفيذ وتشغيل وصيانة مشاريع الطاقة البديلة. وقد يمثل توفير هذه الكفاءات تحديًا حقيقيًا في ظل موجات النزوح والهجرة التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية، والتي أدت إلى فقدان جزء كبير من الكفاءات الوطنية.

وفي مسعى لمواجهة هذه التحديات وتوفير بيئة محفزة للاستثمار في قطاع الطاقة البديلة، اتخذ النظام السوري السابق جملة من الإجراءات وأصدر مجموعة من القوانين والتشريعات الهادفة إلى تشجيع هذا التوجه الاستراتيجي. ومن أبرز هذه الخطوات والمبادرات[5]:

  • إنشاء "صندوق دعم استخدام الطاقات البديلة" بموجب القانون رقم 23 لعام 2021، وهو صندوق يهدف إلى تقديم الحوافز المالية والفنية لتشجيع الاستثمارات وتحفيز المواطنين والمؤسسات على التحول نحو استخدام مصادر الطاقة البديلة.
  • القانون رقم 32 لعام 2021، والذي تم تعديله لاحقًا بموجب القانون رقم 41 لعام 2022، وهو قانون يسمح بترخيص مشاريع توليد الطاقة الكهربائية من مصادر بديلة وربطها بالشبكة العامة، ويتيح لوزارة الكهرباء شراء الطاقة المنتجة من هذه المشاريع بأسعار تشجيعية، أو الترخيص لمشاريع أخرى دون إلزام الوزارة بشراء إنتاجها، مما يوفر مرونة للمستثمرين.
  • وفي إطار تشجيع الاستثمار المباشر، تم في ديسمبر/ كانون الأول 2023 منح إجازتي استثمار لمشروعين يهدفان إلى إقامة محطتين لتوليد الطاقة الكهروضوئية في محافظة حمص، بقدرة إجمالية تبلغ 20 ميغاواط سنويًا.
  • ولضمان توفير الطاقة اللازمة لتشغيل المرافق الحيوية، تم في عام 2022 اتخاذ قرار بتخصيص نسبة من الموازنات السنوية لمؤسسات المياه لتمويل مشاريع طاقة بديلة تهدف إلى تشغيل محطات الضخ وآبار مياه الشرب.
  • وعلى صعيد توفير التمويل اللازم، تم تقديم تسهيلات ائتمانية للمشاريع الصناعية ومشاريع إنتاج الطاقة البديلة، مع عدم التقيد بسقوف الإقراض المعتادة. كما قام مصرف التسليف الشعبي في عام 2022 بتعديل شروط منح قروض الطاقة البديلة، بحيث يتم تقديمها بدون فوائد، وذلك بالتعاون مع صندوق دعم استخدام الطاقات البديلة. وفي خطوة مماثلة، أصدر المصرف التجاري السوري في عام 2023 حزمة من القروض الخاصة الموجهة لمشاريع الطاقة البديلة، مع تقديم دعم لأسعار الفائدة من خلال الصندوق.
  • ولتسهيل الإجراءات على المواطنين والمستثمرين، تم في عام 2023 إطلاق منصة إلكترونية متخصصة للتسجيل على طلبات قروض الطاقة الشمسية. كما شهدت الفترة الماضية المصادقة على تأسيس عدد من الشركات المتخصصة في مجال استيراد وتصدير وتجارة وتركيب وصيانة تجهيزات ومعدات الطاقة البديلة.
  • ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل امتد ليشمل تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في هذا المجال الحيوي، وتقديم الدعم اللازم للمؤتمرات والفعاليات الدولية المتعلقة به، ومنها على سبيل المثال المؤتمر الدولي الثاني للطاقات البديلة الذي عُقد في حزيران/يونيو 2024.

وانطلاقًا من هذه القاعدة التشريعية والتنظيمية، يمكن البناء على الإجراءات والتشريعات القائمة حاليًا، كنقطة انطلاق مبدئية، لتحقيق انتقال تدريجي ومدروس نحو الاعتماد على مصادر الطاقة البديلة. ومن شأن هذا التحول أن يساهم بفعالية في رفع القدرة الإنتاجية الإجمالية للكهرباء في البلاد، وتخفيف العبء الثقيل الملقى على عاتق قطاع الطاقة التقليدي، الذي يواجه تحديات جمة تتعلق بالوقود والصيانة والتقادم.

ثالثًا: الربط الكهربائي مع دول الجوار

- نافذة أمل نحو استقرار المنظومة

تلوح في الأفق إمكانيات واعدة لإعادة تفعيل وتوسيع الربط الكهربائي لسوريا مع دول الجوار، لا سيما الأردن، وامتدادًا إلى دول الخليج عبر الأردن أو العراق، مما قد يساهم في التخفيف من أزمة الطاقة الحادة التي تعاني منها البلاد. فقد أعلن الأردن استعداده لتزويد سوريا بجزء من احتياجاتها من الطاقة الكهربائية، معرباً عن جاهزيته لإرسال فرق فنية لتقييم جاهزية الشبكة السورية وتقديم الدعم في مجال المشتقات النفطية، وهو ما يعكس دعمًا سياسيًا أردنيًا لهذا التوجه. تاريخياً، كانت سوريا جزءًا من مشاريع ربط إقليمية، إلا أن سنوات النزاع ألحقت أضرارًا بالغة ببنيتها التحتية.

تتكامل هذه المساعي مع مشاريع ربط إقليمية أوسع نطاقًا، حيث يمضي العراق قدمًا في مشاريع الربط الكهربائي مع دول مجلس التعاون الخليجي عبر الكويت، بهدف استيراد الطاقة بتكلفة تنافسية، بالإضافة إلى مشاريع ربط قائمة أو قيد التطوير مع الأردن وتركيا. يمكن أن يشكل الربط العراقي-الأردني، الذي دخلت مرحلته الأولى الخدمة، والربط العراقي-الخليجي، مسارات محتملة لتزويد سوريا بالطاقة مستقبلاً، أو على الأقل تخفيف الضغط على الشبكة الأردنية في حال قامت بتزويد سوريا.

تقرير سابق لموفدة التلفزيون العربي إلى دمشق رويدة أبو عيد يسلّط الضوء على انقطاع الكهرباء المتكرر في سوريا وتأثيراته على حياة المواطنين

بالملخص..

يواجه قطاع الكهرباء في سوريا تحديات جسيمة تتطلب حلولاً جذرية ومستدامة. فبعد استعراض تاريخ هذا القطاع الحيوي وواقعه الراهن، تتضح الحاجة الماسة إلى استراتيجية إصلاح شاملة ترتكز على عدة محاور رئيسية، إذ إن إعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة، وتنويع مصادر الطاقة، وتشجيع الاستثمار، وترشيد الاستهلاك، هي ركائز أساسية لأي جهد إصلاحي جاد.

وفيما يلي، مجموعة من التوصيات العملية التي يمكن أن تساهم في رسم ملامح مستقبل أكثر إشراقًا لقطاع الطاقة في سوريا:

أ. إعادة تأهيل وتحديث محطات التوليد التقليدية: يجب إعطاء الأولوية القصوى لإعادة تأهيل المحطات الحرارية والكهرومائية القائمة، مع التركيز على تلك التي يمكن استعادتها بكفاءة وبتكلفة معقولة، مثل محطة حلب الحرارية. وينبغي استكشاف كافة خيارات التمويل المتاحة، بما في ذلك عقود BOT، والقروض التنموية، وتعبئة الموارد المحلية.

ب. تسريع وتيرة التحول نحو الطاقات البديلة والمتجددة: يتوجب على الحكومة تكثيف جهودها لتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للطاقات البديلة، وتذليل العقبات التي تواجه المستثمرين في هذا القطاع. ويشمل ذلك تبسيط الإجراءات، وتقديم حوافز مالية وضريبية مجدية، وتوفير الأراضي اللازمة لإقامة مشاريع الطاقة الشمسية والريحية، والاستثمار في بناء القدرات الوطنية في هذا المجال.

ج. تعزيز مشاريع الربط الكهربائي الإقليمي: ينبغي العمل بجدية على استكشاف وتفعيل مشاريع الربط الكهربائي مع دول الجوار، مثل الأردن والعراق ودول الخليج. فهذه المشاريع يمكن أن توفر مصدراً إضافياً ومستقراً للطاقة، وتساهم في تحقيق التكامل الإقليمي في مجال الطاقة.

د. تطوير وتحديث شبكات النقل والتوزيع: لا يقل تحديث شبكات النقل والتوزيع أهمية عن زيادة قدرات التوليد. يجب العمل على تقليل الفاقد الفني في الشبكات، واستخدام تقنيات الشبكات الذكية لتحسين كفاءة إدارة الأحمال وتوزيع الطاقة.

هـ. إصلاح سياسات تسعير الطاقة وترشيد الاستهلاك: من الضروري مراجعة سياسات دعم أسعار الكهرباء بشكل تدريجي، بحيث تعكس التكلفة الحقيقية للإنتاج، مع مراعاة الأبعاد الاجتماعية وتوفير دعم موجه للفئات الأكثر احتياجاً. وبالتوازي مع ذلك، يجب إطلاق حملات توعية وطنية شاملة لترسيخ ثقافة ترشيد استهلاك الطاقة لدى المواطنين والمؤسسات.

و. تشجيع البحث العلمي والتطوير في مجال الطاقة: ينبغي دعم المؤسسات البحثية والجامعات لتطوير حلول مبتكرة تتناسب مع الواقع السوري في مجال كفاءة الطاقة والطاقات المتجددة وتخزين الطاقة.

ز. توفير بيئة استثمارية جاذبة ومستقرة: يتطلب جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية إلى قطاع الطاقة توفير إطار قانوني وتنظيمي واضح ومستقر، وضمانات لحماية حقوق المستثمرين، وتسهيل الإجراءات الإدارية المتعلقة بالتراخيص والموافقات.

إن إصلاح قطاع الكهرباء في سوريا ليس مجرد ضرورة اقتصادية، بل هو ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة، وتحسين جودة حياة المواطنين، وإعادة بناء ما دمرته سنوات النزاع. ويتطلب تحقيق هذا الهدف تضافر جهود جميع الأطراف المعنية، من حكومة وقطاع خاص ومجتمع مدني وشركاء دوليين، والتحلي بالإرادة السياسية القوية والرؤية الاستراتيجية الواضحة.

المراجع


[1] بدأت على ضاف بردى..الكهرباء في سوريا، غياث بلال، تلفزيون سوريا، 2025، الرابط.
[2] تاريخ الكهرباء، ذكرى الطراماي واللمبة الصفراء، زهير نعمة، إي سيريا، 2023، الرابط.
[3]  وزارة الكهرباء، 1984، النشرة الإحصائية السنوية.
[4] وزارة الكهرباء قالت أن التكلفة للصيانة تبلغ 130 مليوناً، راجع تصريحات لمصدر حكومي في جريدة الوطن السورية، تاريخ سبتمبر 2024، الرابط.
[5] للمزيد راجع توجهات النظام للتوجه نحو الطاقة البديلة، خالد التركاوي وعبد العظيم المغربل، جسور للدراسات، 2024، الرابط.
تابع القراءة

المصادر

خاص موقع التلفزيون العربي
تغطية خاصة
المزيد من