أعاد المسلسل الرمضاني "حكاية نرجس" فتح جروح قديمة في قلوب كثير من العائلات التي عاشت مأساة خطف الأطفال، وهي جريمة لا تزال تتكرر في مجتمعات مختلفة، مدفوعة بظروف اجتماعية وإنسانية معقدة.
ومع كل مشهد من العمل، الذي يستلهم أحداثه من قصة واقعية جرت في مصر، يستحضر المسلسل حكايات حقيقية لأسر ما تزال تعيش ألم الفقد ومرارة الانتظار.
ولا يكتفي العمل بإثارة هذه الجراح، بل يسلّط الضوء أيضًا على قضية اجتماعية حساسة تتمثل في تأخر الإنجاب، وما قد يرافقه من ضغوط نفسية واجتماعية تثقل كاهل الأزواج.
ففي كثير من المجتمعات، لا تبقى هذه المسألة شأنًا شخصيًا بين زوجين، بل تتحول إلى ضغط اجتماعي متواصل يترك آثاره القاسية في النفوس، وقد يدفع بعض الضحايا إلى العزلة أو الاكتئاب، وربما إلى سلوكيات يائسة حين تضيق الخيارات وتشتد وطأة الوصم الاجتماعي.
نرجس.. حين يدفع الوصم إلى الجريمة
تدور أحداث المسلسل، الذي ألّفه عمار صبري وأخرجه سامح علاء، حول نرجس، التي جسّدت دورها ريهام عبد الغفور، وهي امرأة في الثلاثينيات من عمرها، تجد نفسها تحت وطأة ضغوط نفسية واجتماعية قاسية بسبب عدم قدرتها على الإنجاب.
ومع مرور الوقت، تتحوّل هذه المسألة إلى شرخ عميق في حياتها الزوجية، خصوصًا بعد أن يقرّر زوجها الارتباط بامرأة أخرى، لتنتهي تلك العلاقة بطلاق ترك في روحها جرحًا غائرًا.
لاحقًا، تحاول نرجس أن تمنح حياتها فرصة جديدة، فتتزوج من حبيبها القديم عوني، الذي أدّى دوره الممثل حمزة العيلي، غير أن هذه البداية لم تكن سهلة كما تخيّلت.
فقد قوبل الزواج برفض واضح من عائلة الزوج، التي كانت ترى في نرجس خيارًا غير مناسب بسبب عدم قدرتها على الإنجاب، لتجد نفسها مجددًا في مواجهة نظرات الشك والرفض نفسها.
ومع تراكم تلك الضغوط الاجتماعية والنفسية والتنمر، تبدأ نرجس في الانزلاق تدريجيًا نحو مسارات مظلمة لم تكن تتخيل يومًا أنها قد تسلكها.
ويبدأ هذا الانزلاق بكذبة صغيرة، حين تتظاهر بالحمل، لكنها سرعان ما تكبر وتتشعب، حتى تجد نفسها في نهاية المطاف على أعتاب عالم الجريمة.
هناك، وتحت ثقل مجتمع كان ينظر إليها كامرأة ناقصة، تنخرط نرجس في خطف الأطفال وتنسبهم إلى نفسها كأنهم أبناؤها، في محاولة يائسة لملء الفراغ الذي خلّفه الحرمان، ولإقناع المجتمع الذي طالما نبذها بأنها امرأة طبيعية مثل سائر النساء.
"عزيزة بنت إبليس"
فماذا نعرف عن القصة الحقيقيّة؟
بدأت القصة الحقيقية في مدينة الإسكندرية، حين كانت عزيزة السعداوي، وهي فتاة شابة تبلغ من العمر 17 عامًا، تعيش حياة قاسية مع زوجها سعيد، الذي أساء معاملتها بسبب عدم إنجابها قبل أن يطلقها.
لكن معاناتها لم تتوقف عند الطلاق، إذ استمرت نظرات الشفقة والتنمر الاجتماعي في ملاحقتها بسبب ظروفها الصحية التي حرمتها من الإنجاب.
وتزوجت عزيزة لاحقًا مرة أخرى، وفي عام 1983 بدأت أولى خطواتها نحو الجريمة بكذبة بدت في البداية صغيرة، إذ ادعت أنها حامل وتنتظر مولودًا من زوجها الجديد.
ومع اقتراب موعد الولادة الوهمي، قررت تنفيذ خطتها، فاختطفت طفلًا من مستشفى الشاطبي في الإسكندرية بعد أن تنكرت في زي ممرضة، وسجلت الطفل باسمها.
غير أن تلك الجريمة لم تكن الأخيرة. فبعد سنوات، كررت عزيزة السيناريو نفسه، مدعية مجددًا أنها حامل، لتخطف طفلًا آخر من والدته في أحد الأسواق، قبل أن تعود لاحقًا وتختطف طفلًا ثالثًا.
ومع مرور الوقت، انزلقت الفتاة التي أثقلها تنمر المجتمع إلى عالم الجريمة تمامًا، حتى أصبحت تخطف الأطفال وتبيعهم مقابل مبالغ مالية.
لكن هذه الجرائم لم تبق طي الكتمان طويلًا. فبعد تراكم البلاغات والشكاوى، فتحت الشرطة التحقيق في القضية عام 1992، لتكشف خيوط سنوات طويلة من الخداع، قبل أن تُدان عزيزة ويُحكم عليها بالسجن لمدة سبع سنوات.
قصة إسلام.. الحقيقة الضائعة
من بين الأطفال الذين اختطفتهم عزيزة، ربّت ثلاثة فقط. وقد تمكنت السلطات لاحقًا من إعادة اثنين منهم إلى أسرتيهما الحقيقيتين بعد اعترافاتها.
أما الثالث فكان شابًا يدعى إسلام، وهو أول طفل خُطف في القضية.
وبعد كشف الحقيقة، ادعت عزيزة أن إسلام هو ابن رجل كانت قد اختطفت طفله ذات يوم، ليعيش الشاب مع أسرة ذلك الرجل لمدة 22 عامًا، قبل أن تكشف تحاليل الحمض النووي "دي إن إيه" أنه ليس ابنهم.
وبعد خروجها من السجن، ظهرت عزيزة في وسائل الإعلام لتنكر خطف إسلام، مدعية أنه ابنها، رغم أن نتائج تحليل الحمض النووي نفت ذلك بشكل قاطع.
وظل إسلام، لسنوات، يناشدها أن تكشف له حقيقة أسرته البيولوجية، لكنها رفضت ذلك وأصرت على روايتها، حتى أقدمت لاحقًا على الانتحار.
وبانتحار عزيزة، ضاعت الحقيقة معها، ليبقى إسلام عالقًا بين روايتين، عاجزًا عن معرفة أسرته الحقيقية، لأن الشخص الوحيد الذي كان يملك الإجابة لم يعد موجودًا.
"حكاية نرجس".. الحكم للجمهور
أثار المسلسل موجة واسعة من النقاش على مواقع التواصل الاجتماعي. وبين مستنكر ومتعاطف، انقسمت آراء الجمهور حول ما إذا كانت نرجس مجرمة أم ضحية مجتمع.
فالبعض يرى أن جرائمها حرمت عائلات من أطفالها من دون اكتراث بمشاعر الأمهات، كما تركت آثارًا نفسية طويلة الأمد في حياة الأطفال الذين اختُطفوا.
في المقابل، يرى آخرون أن نرجس ليست سوى ضحية مجتمع قاسٍ حرمها من حق العيش حياة طبيعية، مؤكدين أن الضغوط الاجتماعية المتواصلة قد تدفع بعض الناس إلى ردود فعل مأساوية.
وذهب فريق ثالث إلى تحليل تفاصيل القصة الحقيقية نفسها، متسائلين عمّا إذا كان إسلام ابن عزيزة فعلًا أم لا، مشيرين إلى وجود ملامح شبه بينهما.
وهكذا، لا يقدّم "حكاية نرجس" حكاية جريمة فقط، بل يضع المجتمع نفسه في قفص الاتهام، ويطرح سؤالًا قاسيًا عن حدود مسؤولية الوصم والضغط في صناعة المأساة.