الأربعاء 30 نوفمبر / November 2022

حكم الميليشيات في ليبيا.. كيف يخدم الأطراف السياسية المتنازعة؟

حكم الميليشيات في ليبيا.. كيف يخدم الأطراف السياسية المتنازعة؟

Changed

آخر تحديث:
26 سبتمبر 2022 12:10
سلّطت حلقة "عين المكان" الضوء على الميليشيات المسلحة في ليبيا وأثرها على مسار الانتقال الديمقراطي (الصورة: غيتي)
استخدم السياسيون الفصائل والميليشيات المسلحة للدفاع عن مصالحهم عند تعثّر المسار السياسي ما يجعل حل هذه الفصائل أمرًا صعب المنال.

تنتشر في ليبيا ميليشيات مسلحة تقدّر أعدادها بأكثر من مئة، وتصل إلى ضعف هذا الرقم في تقديرات أخرى. 

وقد وضعت هذه الميليشيات مسار الانتقال الديمقراطي في ليبيا على المحك، فأصبحت توظف لخدمة السياسيين المتنازعين على السلطة. 

ويتكشّف أثر هذه الميليشيات في العاصمة طرابلس، بعد أحدث حلقات الاشتباكات بينها، والتي خلّفت أكثر من 30 قتيلًا ونحو 160 مصابًا ودمّرت عشرات المباني ونشرت الرعب بين سكان المدينة. 

إرث من القذافي يثقل الليبيين

لا يُعتبَر حكم الميليشيات جديدًا في ليبيا، فهو إرث يثقل الليبيين، وقد ورثوه من الرئيس معمّر القذافي على شكل نظام يرتكز على شخصه وعائلته.

فحتى يبقي نفسه وحيدًا في السلطة، حرم القذافي الدولة من بناء جيش وطني أسوة بكل دول العالم. وحين لاحت لحظة الحقيقة، تشكل لمواجهته العديد من المقاتلين نظموا أنفسهم تحت ما يُعرف بفصائل الثورة. 

وفي أبريل/ نيسان 2019، عادت هذه الفصائل لتحمي طرابلس من جديد، وهذه المرّة من قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر التي شنّت هجومًا كاد يصل إلى قلب العاصمة، قبل أن تنقلب موازين القوى وينسحب حفتر بعد نحو 14 شهرًا من الحصار والاشتباكات. 

بين شبح الحرب وحلم الاستقرار

وفي 5 فبراير/ شباط 2021، ظنّ الليبيون أنهم قطعوا شوطًا كبيرًا نحو الاستقرار، وذلك عندما اختار ملتقى الحوار الليبي عبد الحميد الدبيبة رئيسًا لحكومة الوحدة الوطنية.

وقد نالت الحكومة اعترافًا دوليًا، ثم حازت ثقة مجلس النواب الذي يمثّل مركز القوة في الشرق لتعلن أن مهمتها توحيد المؤسسات وقيادة البلاد نحو انتخابات رئاسية وتشريعية تقام في 24 ديسمبر/ كانون الأول 2021.

حينها بدا لليبيين أن شبح الحرب يوشك على المغادرة وأن حلم الاستقرار بات قريب المنال. 

تدريبات القوات الليبية التابعة لحكومة عبد الحميد الدبيبة - غيتي
تدريبات القوات الليبية التابعة لحكومة عبد الحميد الدبيبة - غيتي

ويقول وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية وليد اللافي في حديث إلى "العربي": "إن الحكومة أوفت بكل تعهداتها، وليس خفيًا على أحد أن رئيس الحكومة نفسه مرشح للانتخابات وتتحدث الكثير من المؤشرات عن حظوظه الجيدة".

ويعتبر أن من مصلحة الحكومة على المستويين السياسي والتنظيمي إنجاز الانتخابات في وقتها. 

محاولات للدخول إلى طرابلس بالقوة

مع تعثّر المسار السياسي، استخدم السياسيون الفصائل والميليشيات للدفاع عن مصالحهم. ففي مارس/ آذار 2022، بدأت أولى المواجهات بين حليفين سابقين حين تحوّل فتحي باشاغا من أحد قادة الدفاع عن طرابلس إلى ساعٍ لدخولها بالقوة، لكن محاولته الأولى لم تتكلل بالنجاح. 

وفي هذا السياق، يعتبر عضو المجلس الأعلى للدولة سعد بن شرادة أن السبب الرئيسي لعدم دخول باشاغا طرابلس كان تعنّت الحكومة في طرابلس بدعم دولي، مشيرًا إلى أن السلطة منتهية الولاية، لأن البرلمان هو من يعطي الثقة. 

وفي 16 مايو/ أيار 2022 كانت المحاولة الثانية والتي نفّذتها كتيبة النواصي المقربة من باشاغا حيث اندلعت اشتباكات عنيفة شهدت استخدام أسلحة ثقيلة، قبل أن ينتهي الأمر بانسحاب باشاغا وأنصاره. 

ويعبّر الوزير اللافي عن اعتقاده بأن الليبيين يرفضون النشاط المسلح ومحاولة الاستيلاء على السلطة بالقوة، مهما كانت الشعارات التي ترفعها مختلف الأطراف.  

وفي 27 من أغسطس/ آب جاءت المحاولة الثالثة أشد عنفًا وقدّر أن تنتهي هي الأخرى بالفشل. لكنها أعادت دقّ جرس الإنذار، مؤكدة أن ليبيا ما زالت بعيدة عن حلم الاستقرار ومذكرة بأن صوت السلاح ما زال هو الأعلى على الساحة الليبية.

انقسام داخلي

ويتحدّث آمر قوة حماية الدستور طاهر بن غريبة قائلًا: "عند تفكيك المنطقة الغربية قسمت مصراتة إلى قسمين، الأول مؤيد لحكومة الوحدة الوطنية والثاني مؤيد لحكومة برلمان طبرق".

ويقول: "إن أي قطرة دم كانت تُراق داخل طرابلس من طرف حكومة الوحدة أو حكومة برلمان طبرق هي خسارة للمنطقة الغربية". 

من جهته، يعتبر اللافي أن ما حدث هو اعتداء غير معقول، "فمن غير المنطقي أن يتم الاعتداء على عاصمة بلد بالدبابات والصواريخ والتحشيدات العسكرية وكأنها صحراء". ويضيف: "يوجد فيها مدارس وأطفال ومستشفيات والاعتداء عليها جريمة لا يمكن للمتورطين فيها الإفلات من العقاب".

وينتشر السلاح في ليبيا بيد العشرات من الميليشيات التي تختلف وتتغيّر ولاءاتها وتحالفاتها بين الحين والآخر. 

من جانبه، يعتبر شرادة أن مشكلة ليبيا الأساسية تكمن في 25 مليون قطعة سلاح، وهي الصخرة التي تتحطم عليها كل الاتفاقيات.

ويقول: "إن مجلس الدولة مملوك لمجموعات مسلحة في طرابلس وهذه المجموعات مملوكة لجهات خارجية، كما أن مجلس النواب مملوك للسيد خليفة حفتر، والأخير مملوك أيضًا لدولة خارجية".

الميليشيات المسلحة في ليبيا

وفقًا لدراسة أصدرها مركز مسح الأسلحة الصغيرة، ضمن برنامج لتقييم الأمن في شمال إفريقيا، تتألف ميليشيات حفتر في غالبيتها من متطوعين وليست ميليشيات دائمة، في حين يعد السلفيون المتشددون عنصرًا أساسيًا في قوات حفتر. ولدى كل الأطراف تنشط عناصر إجرامية، وإن كانت هذه أكثر أهمية بالنسبة لقوات حفتر. 

وبعيدًا عن الشرق الذي تسيطر عليه قوات حفتر عسكريًا، تنشط في الغرب عدة قوى مسلحة، تنظمها حاليًا جبهتان رئيستان: الأولى تضم القوى المؤيدة لحكومة الوحدة برئاسة الدبيبة وفي مقدمتها جهاز دعم الاستقرار برئاسة عبد الغني الككلي وجهاز حماية الدستور التابع لوزارة الدفاع، بالإضافة إلى قوة الردع والأمن العام والكتيبة 301 والألوية 111 و444 و51 وهي تابعة لرئاسة الأركان. ويتحالف معهم أيضًا عماد الطرابلسي أحد أبرز قادة الزنتان، وكذلك عدة كتائب من مصراتة والزاوية وغريان ومدن أخرى. 

وفي الجانب الآخر، يحظى باشاغا بدعم كتائب من مصراتة الأقوى عسكريًا في مقدمتها الكتيبة 217 بإمرة العقيد سالم جحا. كما أنه يحظى بدعم اللواء أسامة جويلي، وزير الدفاع السابق والذي يعد من أبرز القادة العسكريين في الغرب الليبي.

ويتحالف معه أيضًا معمر الضاوي آمر الكتيبة 55 مشاة في العزيزية جنوب طرابلس، والكتيبة 777 بأمرة هيثم التاجوري أحد النافذين في طرابلس، وكتيبة النواصي والقوة التي يترأسها علي بوزريبة وزير الداخلية في حكومة باشاغا والتي تتمركز بالزاوية غربي طرابلس. 

النفط أهم أوراق الصراع

وتتعقد الأزمة الليبية أكثر عند استحضار الثروات النفطية الهائلة التي تمتلكها، وهي الثروات التي أثارت شراهة الميليشيات مبكرًا.

ففي عام 2013، نجحت ميليشيات إبراهيم الجضران في السيطرة على منشآت النفط الأكبر وسط البلاد، مما أدّى إلى توقف عمليات التصدير لسنوات، في أكبر ضربة للاقتصاد الليبي في العقد الأخير، وما زال يعاني من آثارها حتى اليوم. 

وقد حوّلت هذه الخطوة النفط إلى أهم أوراق الصراع، وفقًا لورقة بحثية حول التدفقات المالية غير المشروعة في ليبيا، أصدرها معهد الأمم المتحدة لبحوث الجريمة والعدالة عام 2021. 

وتمثل مبيعات النفط والبنزين والديزل المكتسبة بطرق غير قانونية 20% من دخل الجماعات المسلحة غير الحكومية المنخرطة بالصراع المسلحة.

آثار الاشتباكات في العاصمة الليبية طرابلس - غيتي
آثار الاشتباكات في العاصمة الليبية طرابلس - غيتي

ويعتبر التهريب من أهم مصادر تمويل بعض الميليشيات المسلحة، إذ تجني منها إيرادات سنوية تجاوزت أحيانًا 200 مليون دولار، حيث وقعت 30 مواجهة مسلحة بين الميليشيات للسيطرة على مسارات التهريب بين 2014 و2020، وأدّت تلك المواجهات إلى مقتل 126 شخصًا وجرح 410 آخرين حسب بيانات رسمية.

وفي هذا الإطار يشير آمر قوة حماية الدستور طاهر بن غريبة إلى أن "بعض الكتائب تهدف إلى جمع المال، فيما تهدف كتائب أخرى للحفاظ على الأمن داخل ليبيا". 

وبعيدًا عن الميليشيات التي تنشط بأعمال غير قانونية، تحصل الكتائب المسلحة على ميزانية من الحكومة. وللمفارقة، فهي تشمل القوات المتصارعة في شرق ليبيا وغربها، وهو ما دفع منظمة "العفو الدولية" عام 2021 إلى دعوة الحكومة لعدم مكافأة الميليشيات ومنح أفرادها الرواتب. 

بعد خارجي لأزمة الميليشيات

في بلد بات مسرحًا لنفوذ إقليمي ودولي، لا يمكن البحث في أزمة الميليشيات من دون دراسة البعد الخارجي، حيث يشير بن شرادة إلى أن "السلاح ليس بيد الساسة الليبيين إنما بيد دول خارجية"، معتبرًا أن قرار الحرب أو إيقافها ليس قرارًا ليبيًا. 

ومن مفارقات المشهد الليبي أن قوات حفتر اعترفت في وثيقة رسمية بسيطرتها على عدة ميليشيات ووعدت بترحيلهم، وهو ما دفع المتحدث باسم الجيش الليبي في الغرب إلى القول: "إن هذا الاعتراف يؤكد أن الحكومة كانت تدافع عن طرابلس ضد خليط من المرتزقة الدوليين". 

ورغم عودة الهدوء إلى العاصمة ونجاح الدبيبة في فرض هيمنته العسكرية، لكن المخاوف لم تفارق سكان طرابلس، ويبدو أنّ لها ما يبرّرها، فالتحشيد لم يتوقف سواء داخل المدينة وعلى أطرافها أو في خارجها، وأحوال التحالفات بين الميليشيات والقوى العسكرية تتبدّل باستمرار، فيما فتحت المعارك الأخيرة باب التكهنات على مصراعيه لإمكانية اندلاع حرب جديدة، في ظلّ انسداد أفق الحوار.

حل الميليشيات ونزع السلاح

في النتيجة، لا استقرار في ليبيا ما لم يتم حل الكتائب والميليشيات وحصر السلاح في يد جيش واحد يخضع لحكومة منتخبة، بحسب ما يقول خبراء ويتمنى الليبيون. لكن هناك من يخشى عودة الديكتاتورية عبر قوة الجيش كما حدث في دول الربيع العربي. 

والمثير أن قضية نزع السلاح وحل الميليشيات لم تكن غائبة عن اهتمامات طرفي الصراع. ففي أكتوبر/ تشرين الأول 2021، أطلقت حكومة الدبيبة مشروعًا لدمج المسلحين في سوق العمل والحياة المدنية، وعبّرت عن رغبتها بحصر السلاح في يد من يدافع عن الوطن وحدوده ووحدة أراضيه. 

بدوره، أعلن باشاغا عزمه حل الجماعات المسلحة من خلال تنظيم التدريب المهني للمسلحين وفتح فرص عمل لهم دون تمييز بما في ذلك الأعمال التجارية، علمًا بأنّه كان قد فشل في تحقيق ذلك عندما كان وزيرًا للداخلية بحكومة فايز السراج بسبب ضغوط المسلحين على رئيس الحكومة وقتها.

ورغم أن الكثير من أفراد الميليشيات قد ينسجمون مع هذا التحول إذا حافظ على بعض امتيازاتهم، إلا أن قادة الميليشيات هم المعارضة المحتملة للإصلاح المنشود، وذلك بحسب دراسة عن إصلاح القطاع الأمني في ليبيا، أصدرها مركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية عام 2020. 

في النهاية، يقول البعض إنّه لو اقتصرت الأضرار على ضبابية المستقبل، لهان الأمر، لكنّ الخطر الداهم هو أنّ هيمنة صوت الرصاص يهدّد بإشعال فتيل خلافات حادة في ثوب المجتمع ذاته، وليس سياسيًا فقط، ما ينذر بأضرار في النسيج المجتمعي لا يمكن تداركها بسهولة، وهنا بيت القصيد.

المزيد عن حكم الميليشيات في ليبيا، وكيف توظَّف هذه الميليشيات في خدمة الأطراف السياسية المتنازعة، فضلًا عن أثرها على مسار الانتقال الديمقراطي، في الحلقة المرفقة من برنامج "عين المكان".


المصادر:
العربي

شارك القصة

تابع القراءة
Close